الخديعة المزدوجة: أيلول الأميركي العربي العالمي
علي حرب
ما زالت احداث ايلول الشغل الشاغل للناس، يستعيدونها ويتأملونها بقدر ما يعيشون في اجوائها وسياقاتها، او على ايقاعها ومفاعيلها، كما هو شأن الاحداث الكبيرة والخطيرة، الاستثنائية والخارقة لحدود المكان ومفاصل الزمان.
لقد بدا ايلول الفائت اميركياً بامتياز، ولكن ايلول الحالي يبدو عالمياً بالكامل. واذا كان الاول شكل صدمة للعقول، فإن اللحظة الآن هي لحظة الازمة، ولعل ما تغير بين اللحظتين، هو ما يفصل بين الكارثة والازمة. ولذا يبدو ايلول الحالي اشد وطأة من سلفه. ولا عجب، فنحن نحصد الآن ما خلفه الاول من الذيول والآثار او ما ولده من التعقيدات والمشكلات، سواء على ارض الواقع او على مستوى الوعي والفكر.
حالة طوارئ عالمية
على صعيد الواقع، لقد خلق الحدث بعد عام انفجاره وضعاً بمنتهى الخطورة، هو اشبه بحالة طوارئ عالمية. اذ هو اصاب بشظاياه المادية والمعنوية الناس في مختلف ارجاء القرية الكونية المضطربة، بقدر ما افضى من جديد الى قسمة العالم الى معسكرين، ولكن غير متكافئين أو غير متناظرين، تقوم بينهما حروب باردة او ساخنة: اميركا ومن معها حرباً على الارهاب او ضد محور الشر على ما أطلقت التسميات.
وهكذا فإنه بعد عام على الكارثة، نجد ان مسلسل التطورات المتسارعة والاستراتيجيات المتناقضة، يكاد يحشر الجميع في الزاوية الضيقة. الكل يجد نفسه معنياً بالمجريات، مستنفراً لاتخاذ موقف من المتغيرات التي خلقت معطيات جديدة، تسهم في خلط الاوراق او في تبديل خريطة المواقع والمصالح. هذا ما يشعر به الحلفاء والاصدقاء، الخصوم والاعداء. فالصديق ما عاد يثق بصديقه، والحليف يخشى على نفسه من حليفه بالذات. وأما الخصوم فإنهم، بوعي او بغير وعي، يتواطأون بعضهم مع بعض، بقدر ما يتشابهون من حيث لغة التهديد والعقلية الفاشية منطق الصدام والاقصاء.
هذه حال الدولة العظمى التي استهدفتها الضربة على ارضها لكي تخرق سيادتها وتهز ثقتها بقوتها، من حيث لم تحتسب. فهي بعد شهور من إسقاط نظام طالبان لم تنه المشكلة ولم تقفل الملف. بالعكس، فقد ازداد الوضع تعقيداً، لأن التطورات تركت تبعات جديدة اكثر جسامة وخلقت ذيولاً من الصعب معالجتها او تصفيتها. وها هي اخبار الاغتيالات والمجازر في افغانستان باتت لا تستثير المشاهد، لأنها اصبحت من اليوميات العادية، الامر الذي يفضح هشاشة الادعاء بالحسم والحل.
يضاف الى ذلك ان الدولة العظمى، نفسها، تعمل جاهدة منذ شهور لتسويغ الحرب ضد محور الشر ودوله المارقة او لتعبئة الرأي العام العالمي لهذه الغاية. ومع ذلك فهي تلقى معارضة من الداخل ومن الخارج. والمعارضة من الداخل لا تقتصر على التيارات المناوئة للحزب الجمهوري او للنظام السياسي. هناك ايضاً معارضة داخل الادارة بين الاجنحة المختلفة.
في الخارج نجد ان اوروبا الحليفة، مع ضعفها وتقادم عهدها، تقاوم الاذعان وتعارض الاصطفاف، مطالبة بحقها في ان تكون شريكة في انتاج القرار، لا في تنفيذه وحسب، كما في ألمانيا، وخاصة في فرنسا ذات التقاليد الديغولية في مقاومة سياسة الهيمنة من جانب الولايات المتحدة. هذا ما يجعل بعض المفكرين الاميركيين يتحدث عن الانشقاق داخل الصف الغربي، فضلاً عن الذين يتكهنون بنهاية الغرب نفسه.
الشركة الملغومة
هذا ما يشعر به ايضاً حلفاء اميركا وأصدقاؤها العرب، خاصة في المملكة العربية السعودية التي اقامت منذ تأسيسها علاقة صداقة مع الولايات المتحدة، تحولت في ما بعد الى تحالف عقائدي واستراتيجي ضد الخصم المشترك، كما كان يتمثل في المعسكر الاشتراكي ذي الحظ السيئ والمصير البائس. وهذا ما جعل البعض يشبه العلاقة الممتازة بين الدولتين بعقد الزواج. ومن ثمرات هذه العقد، مثالاً لا حصراً، الشراكة الاقتصادية التي كانت قائمة بين افراد من آل بوش وأفراد من ابناء لادن. وهي وقائع تكشف عن مدى التبسيط والخداع في ما يُقال او يُشاع عن صدام الحضارات والديانات.
غير ان التطورات المأساوية التي نتجت عن تفجيرات ايلول وما استتبعها من الافعال وردات الفعل، قد احدث شرخاً في العلاقة بين واشنطن والرياض، كما تجسد ذلك في الانتقادات والاتهامات المتبادلة من هذا الجانب الرسمي او ذاك، فضلاً عن حملات العداء وموجات التعصب من جانب المتطرفين على الجبهتين: اميركيون يطالبون بالتعامل مع السعودية كدولة عدوة ينبغي محاربتها او معاقبتها او اجبارها على تغيير برامجها التربوية. وفي المقابل، وجد المثقفون السعوديون، تراثيين وحداثيين، الفرصة سانحة لكي يقولوا ما لم يكن بوسعهم قوله من قبل وينضموا الى اشقائهم العرب في شن حربهم الثقافية والرمزية على الولايات المتحدة.
وهكذا، كلما اكد الطرفان على متانة التحالف بينهما تأتي الوقائع من المواقف والتصريحات والمطالب لكي تشهد بخلاف ذلك، خاصة من جانب الولايات المتحدة، التي تتقن سياسة الابتزاز والإحراج لحلفائها وأعدائها على السواء. وها هي تضع اكثر العرب بين حلين احلاهما مرّ في اعلانها الحرب على العراق: إما تأييدها في هذا الموقف وهذا ما يخشونه او الدفاع عن العراق ونظامه وهذا ما لا يريدونه. مثل هذه المعاملة من جانب الدولة الاقوى، حملت الامير سعود فيصل رئيس الدبلوماسية السعودية على القول ذات مرة: ان سياسة الرئيس بوش الابن، تدفع العاقل نحو الجنون. ولا غرابة فالعقل الذي تقوده القوة الصرفة مآله إمّا الحمق او الجنون، وكلاهما يجعل صاحبه اسير وسائله العقيمة او مقاصده المستحيلة التي ترتد عليه بضرر أشد مما كان يريد دفعه او تجنبه. هذا ما يحصل الآن: الكل في الورطة في ما يفكرون ويفعلون او يخططون ويدبرون، لأن العمل العالمي يقوم على الابتزاز وزرع الالغام أكثر مما يقوم على الشراكة والتعاون وحمل المسؤولية المتبادلة.
زعزعة القناعات
على مستوى الفكر، لقد افضى الحدث الى تعويم نظرية هنتنغتون حول صدام الحضارات. فقد غدت هذه النظرية محور السجالات الهادئة او الصاخبة على امتداد العام الفائت سواء في العالم العربي او في خارجه. غير ان ما جرى قد اسهم من جهة اخرى في زعزعة الكثير من الثوابت والقناعات الراسخة في عقول الناس حول نظرتهم لأنفسهم ولغيرهم او حول ما يعرفونه عن منطق الاشياء ونظام العالم، الأمر الذي حمل الكثيرين على التشكيك بمصداقية الاقوال ومشروعية الافعال بقدر ما حمل العديد من المفكرين والمنظرين والمعنيين بشؤون العلاقات الدولية على مراجعة المبادئ والنظريات او المذاهب والاستراتيجيات المستخدمة في الفهم والتشخيص او في العمل والتأثير، كما تجلى ذلك في سيل القراءات والتحليلات والتكهنات حول وضعية العالم وسيره بعد أحداث ايلول.
وإذا كان انهيار جدار برلين قد فسر لمصلحة العالم الرأسمالي والنظام الليبرالي والعولمة الناشئة والكاسحة بمخلوقاتها وشبكاتها وأسواقها، فإن انهيار ابراج مانهاتن يمكن ان يفسر بوصفه ضربة لليبرالية الجديدة وللعولمة التي تقودها الولايات المتحدة. فالحرب على الأرهاب وردات الفعل اللاعقلانية على المأساة، دفعت الولايات المتحدة الى ممارسة عالميتها بشكلها الخشن والفظ، وذلك باستخدام لغة ارهابية او باتخاذ اجراءات وتدابير قانونية او امنية تعسفية تنتهك الحقوق وتقيّد الحريات على نحوٍ يذكّر بمعسكرات الاعتقال المرعبة.
في حين ان العولمة تعني غلبة الناعم والعابر للقارات، واتساع حركة الانتقال والاختلاط بين البشر، وتزايد اعمال التداول والتبادل، واحترام حقوق الإنسان وقيم التسامح والانفتاح على الآخر.
عولمة الهويات
ومع ذلك لا ينبغي الوقوع في التفسيرات الأحادية الجانب. فأحداث ايلول تشهد من جهة اولى على تضعضع السيادات الوطنية والقومية، بما فيها سيادة الدولة الأقوى والأغنى، مما يعني اننا نتجاوز الآن عصر الدولة القومية والأمبريالية. ولن نعود اليه الا بأثمان باهظة وخسائر فادحة.
وهي تشهد من جهة ثانية على عولمة الهويات، وعلى رأسها الهوية الإسلامية، بقدر ما تكشف عن الطلب على الإسلام ومعرفته او عن وجود المسلمين وتأثيرهم في مختلف أنحاء العالم، وبخاصة في اوروبا وأميركا، مما يؤكد على وحدة المصير البشري، ويعني ان كل واحد بات الآن مسؤولاً، عن كل واحد، بقدر ما يعني تشكل مواطن عالمي او حق كوني يخص مستقبل البشرية ومصير الكوكب. ومؤدى الحق الكوني ان لا هوية لجماعة تخصها دون غيرها ما دامت هذه الهوية تترك اثرها على الناس اجمعين. وإذا كان لكل جماعة الحق في ان تمارس حريتها في الاعتقاد والتعبير، فليس من حقها تنزيه الذات بصورة نرجسية لرمي الجماعات الأخرى في دائرة الكفر والرذيلة او الشر والبربرية. هذه عملة عقائدية دفعت البشرية اثمانها القاتلة حروباً وأهوالاً وفواجع. بهذا المعنى يحق للولايات المتحدة ان تطالب المسلمين بتغيير برامج التعليم التي ترى الى الغربيين والمسيحيين من منظار اقصائي او سلبي وعدائي، كما يحق للمسلمين وسواهم ان يناقشوا ويشاركوا الولايات المتحدة بسياستها العالمية وطريقة إدارتها للشأن الكوكبي.
الخديعة المزدوجة
كارثة أيلول لم تهبط من السماء. وإنما هي نتيجة لما سبقها من تراكمات وتفاعلات بقدر ما تخلف بعدها من آثار وتداعيات.
هل يقف وراءها ابن لادن وبقية الانبياء الكذبة الذين يريدون إنقاذ البشرية بتخريب العالم وهلاك العباد؟
هل فعلها ابن لادن فيما كانت الولايات المتحدة تنتظرها او تريدها لتفعل ما تفعله الآن كما فسر الأمر المشككون؟