الإسلام والمجتمع المدني:
د• رضوان السيد
أستاذ الدراسات الإسلامية - رئيس تحرير مجلة الاجتهاد
أودُّ وقبل المناقشة التفصيلية لموضوع الإسلام والمجتمع المدني أن أبدأ بملاحظتين اثنتين، الملاحظة الأولى أن الذين واللواتي يتصدّون بالقراءة وبالنضال والممارسة هم فئات النُّخب الثقافية والسياسية في مجتمعاتنا، دونما خوض هنا في معنى النُّخبة وحدودها ووعيها ووظائفها؛ فذلك مما لا يتسع له المجال•
والملاحظة الثانية، تتعلق بالفهم أو بالأفهام المُتداولة للمجتمع المدني، فأنا أرى -ومن دون خوض تفصيلي أيضاً- أنه ليست هناك في العالم القديم أو الحديث مجتمعاتٌ غير مدنية؛ بل إنني لا أعرف طبائع ثابتة للمجتمعات الإنسانية على اختلافها سواءٌ لجهة علاقتها بالدين، أو بنظام الحكم• فالمركزية الأوروبية، المتمثلة في النُخب الثقافية والسياسية في القرون الثلاثة الماضية هي التي قسّمت العالم إلى مجتمعات مدنية وأخرى غير مدنية؛ استناداً إلى رؤيتها لذاتها، ووجوه تفوُّقها ومصالحها• وأحسبُ أننا نعرف جميعاً دراسات نقد الدوغمائيات والأيديولوجيات في تاريخ الأفكار، والأنثروبولوجيا والاستشراق• ولست أتظلمُ هنا لما نال العربَ والمسلمين نتيجة لذلك؛ فقد عرفتْ ذلك أيضاً الشعوبُ المستعمرةُ الأخرى في آسيا وأفريقيا، وفي أميركا قبل ذلك• ويكفي مثلاً على ذلك، أي على أن المجتمعات لا تملكُ طبائع ثابتة يتميّز فيها الأوروبيّ أو الغربيّ عن غيره، أن متغيرات الوعي الغربي -الأوروبي والأميركي- بشعوب ومجتمعات شرق آسيا في الخسمين سنة الأخيرة قد انطبق عليها في نظر الغربيين مفهوما الاستبداد، ونمط الإنتاج الآسيوي، مثلها في ذلك مثل مسلمي الشرق الأوسط، وأندونيسيا، وآسيا الوسطى، والهند، وسائر شعوب ومجتمعات السلطنة العثمانية• فلما حقق الآسيويون الشرقيون نجاحاً في المجال الاقتصادي، وبدأوا ينافسون الاقتصادات المتقدمة، دون أن تتغير أنظمةُ الحكم، بدأ الحديث لدى مثقفي العالم الرأسمالي عن فضائل الانضباط والثقة والأخلاقية العالية في المجتمعات الكونفوشيوسية والبوذية، والتي اعتُبرت فجأة نِداً للمجتمعات اليهودية-المسيحية ذات التقاليد الديمقراطية العريقة• فالمسألة إذن مسألة النجاح والفشل، في العصر الحاضر، وفي الاقتصاد، وليس في الدين أو التاريخ أو شكل نظام الحكم•
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرة طالبتنا كارين أرمسترونغ، نحن المسلمين، بأن نستعيد الإسلام من الذين خطفوه• وكرّر ذلك الرئيس بوش وآخرون• أما رئيس الوزراء البريطاني توني بلير فقد طالبنا بالعودة إلى الإسلام المعتدل، إسلام التيار الرئيسي، أو الـ (Main Stream)، والواقع أن المطلبين مختلفان، أرمسترونغ تريد منا العودة إلى الإسلام التقليدي، الذي كان معروفاً لدى عامة الناس، أو أكثريتهم• وقد عرف القرنُ العشرون ثلاثة تيارات كبرى داخل الإسلام السُني، إسلام الأكثرية الإسلامية• التيار الأول هو تيار المدارس الفقهية الإسلامية الذي ساد منذ أواخر العصور الوسطى، وهو المعروفُ لدى المؤرخين والمستشرقين، والموسوم من جانب كثير من الباحثين بالجمود، وإغلاق باب الاجتهاد، والذي ما يزال حاضراً إلى هذه الدرجة أو تلك، في المؤسسات التعليمية الإسلامية العريقة• وأقول إلى هذه الدرجة أو تلك، لأن التقاليد الدينية والاجتماعية لا تستمر أبداً على النمط نفسه، إلا في الوعي دون الواقع، فنحن نعرف جميعاً مقولة هوبسباوم (Hopsbawm) عن التقليد المخترع (Invented Tradition)، والذي يعني تغييراً من ضمن الاستمرارية أو في إطارها الواسع• وقد تصدّى لهذا التقليد السائد تياران آخران، كانا وما يزالان، يملكان وعياً مختلفاً بالدين وعلاقته بالمجتمع والدولة•
التيار الثاني هو التيار الإصلاحي، الذي اعتنق فكرة التقدم الأوروبية، وأراد القيام بعملية مزدوجة: تغيير النظام التربوي والتعليمي من أجل إدخال ثمرات التقدم الأوروبي إلى المجتمعات الإسلامية، في التعليم، وفي التنظيم الاجتماعي والسياسي•والقسم الآخر من البرنامج الإصلاحي: مواجهة العوائق الحائلة دون هذا التقدم في التقاليد الدينية السائدة، مثل رؤية العالم، ورؤية المجتمع ودوره، ورؤية المرأة، وعلاقة الدين بالدولة•
أما التيارُ الثالثُ فهو التيارُ الإحيائيُّ؛ وهذه التسميةُ لي؛ أما أصحابُهُ وأنصارهُ فكانوا يسمّونه وما يزالون (التيار السلفِي) ويرى هذا التيار أن مشكلة المسلمين لا تتمثلُ في تخلفهم بالمعنى الأوروبي، بل في سيادة تقاليد بينهم خارجة عن الإسلام الصحيح الموجود في النصوص الإسلامية المقدّسة، والعهد الإسلامي الأول• وقد تحالفَ التياران الإصلاحي والإحيائي في المرحلة الأولى، بسبب وجود مشتركات بينهما تتمثلُ في أمرين اثنين: العداء للتقليد الإسلامي الجامد، والرؤية المشتركة لتاريخ الحضارة الإسلامية• فالطرفان يريان أن المسلمين دخلوا في انحطاط طويل بعد المرحلة الأولى الزاهرة، الطرفان يريان أن التقليد السائد ظهر في عصور الانحطاط، هاتان المسألتان المباشرتان، لكن كانت هناك مسألة ثالثة وأكثر أهمية، توافقا عليها أيضاً، رغم اختلاف الإشكالية، والمسألةُ هي الاشتراك في رؤية المجتمع أو المجتمعات الإسلامية• فالطرفان رأيا أن مجتمعاتنا ضعيفة وعاجزة ولابدّ من إحداث تغيير راديكالي فيها• أما ضعفُها لدى الإصلاحيين فلافتقارها إلى وسائل التقدم الغربية• وأما ضعفُها لدى السلفيين فلخروجها على الإسلام الصحيح، ولذلك فقد وضع الطرفان أملهُما في السلطة السياسية القوية والقادرة على إحداث التغيير•
وجاءت المتغيرات السياسيةُ والاجتماعية بعد الحرب العالمية الأولى لتفكّ هذا التحالُف، وتفرضُ جديداً كثيراً في المجتمعات كما في الدول• سقطت الخلافة العثمانية وقامت تركيا الحديثة، وظهرت الدولُ الوطنيةُ في ظل الاستعمار، وتشرذم الإصلاحيون بين مؤيدٍ للدول الجديدة ومعتزلٍ لها، بيد أن الجديد غير ضعْف الإصلاحيين، هو تحول الإحيائية الإسلامية إلى حركة شعبية علاقتُها بالسلفية ضعيفة، فالسلفية حركةُ نخبة ظلّ وعيُها مركزاً على مسائل لاهوتية طهورية؛ بينما تمثلت الإحيائية الجديدة في الإخوان المسلمين الذين ظهروا في مصر أواخر العشرينيات، وامتدوا خلال ثلاثة عقود إلى سائر أنحاء العالم العربي -ومثيلُهُم في باكستان حركة الجماعة الإسلامية بزعامة أبي الأعلى المودودي- وظل العداءُ للتقليد حاضراً في الإحيائية الجديدة؛ لكنّ الأولوية في العداء صارت للتغريب أو الغرب بوجهيه الحَدَاثي والسياسي• ولذلك فقد اصطدمت الإحيائيةُ الجديدةُ أول ما اصطدمت بالإصلاحيين باعتبارهم متغرِّبين، وما اصطدمت بالسلطات الجديدة في البداية، لأن همّها كان الحفاظ على الهوية الإسلامية الخالصة، أي تغيير المجتمع باتجاه الإسلام الأول باعتباره نموذجاً•
انكشف المشهد على مداه الواسع بقيام الثورة الإيرانية عام ،1979 ومقتل الرئيس السادات على يد الإسلاميين عام •1981 فقد تبيّن أن الإسلام الإحيائي المسيّس هو الذي يتصدّرُ الساحة، بينما يختفي الإسلام الإصلاحي، ويضعُفُ الإسلام التقليديُّ، إسلامُ المؤسسات لعدم راديكاليته، وتبعيته للسلطات السياسية غير الشعبية، ولم يعد الصراعُ داخل الإسلام بين الأصوليين الإحيائيين من جهة، والتقليديين من جهةٍ أخرى فحسب، بل وبين الإحيائيين المعتدلين، والآخرين المتطرفين، وما يزالُ الأمرُ على هذا النحو حتى اليوم•
رأى الإسلاميون الإحيائيون حتى الثمانينيات من القرن العشرين، المجتمع وحدة واحدة، تترابط فيه السلطاتُ بالناس ترابطاً عضوياً، هكذا كانت صورتهم عن المجتمع الإسلامي الأول، أو لنقل إنها كانت صورة الدولة القومية عن نفسها وعن علاقاتها بالمجتمع، باعتبارها تقفُ على رأسه وتمثله، ولو تأملنا قليلاً في نظرية الحاكمية عند سيد قطب أو المودودي لوجدناها أدنى إلى صورة دولة أيوب خان أو جمال عبدالناصر، فقد كان الإسلاميون مسحورين بقوة الأنظمة التي استولت على السلطة بعد ذهاب الاستعمار، وأرادت أن تقود المجتمع بالقوة إلى الحرية والتقدم• سمّى الإسلاميون تلك الأنظمة طاغوتية، ودعوا إلى مقاتلتها وإسقاطها، لكن سُخْطَهُم عليها ما كان بسبب السلطات الهائلة التي يملكها المتسلّط، بل لأنه يستخدم سلطته في تأليه نفسه ونظامه، وتطبيق القوانين الوضعية، ولهذا فقد كان المطلوب الوصول إلى السلطة لتطبيق الشريعة، بل إن بعض الإسلاميين مثل حسن الترابي كانوا على استعداد مطلع الثمانينيات للتعاون مع هؤلاء الطُغاة الذين هاجموهم من قبل إذا طبّقوا الشريعة، وهكذا فإن الإسلاميين ما كانوا يملكون رؤية أخرى للمجتمع أو للدولة أو للعلاقات بينهما؛ بل تطور لديهم فهمٌ للشريعة حوّلها إلى قانونٍ، وصار المطلوب للحفاظ على هوية المجتمع الإسلامية الصحيحة تطبيق هذا القانون، ومن هنا فإنه لم يخطر ببالِهِم في الستينيات والسبعينيات وهم يعارضون الأنظمة ويقاتلونها أن يدعوا للديمقراطية وحقوق الإنسان مثلاً، على الرغم من أنهم كانوا وما يزالون الفريق الأكثر تضرراً في العالمين العربي والإسلامي من غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان، فأكثر القابعين في السجون منهم، وكذلك الذين يُحاكمون أمام محاكم عسكرية، أو يُقتلون أثناء الملاحقات وغارات البوليس•
بدأ المشهدُ يتغيّر في الثمانينيات، في مصر أولاً، ثم في سائر أنحاء العالم العربي والإسلامي، بانقسام الإسلاميين إلى معتدلين ومتطرفين، أو أكثرية وأقليات، وحول مسألة العنف بالذات، السببُ الظاهرُ للانقسام هو الاختلاف حول كفر المجتمع والدولة أو إيمانهما، لكن الواقع أن ذلك يعودُ للعنف الهائل الذي مارسته الأنظمة ضدهم متطرفين وغير متطرفين، ثم إدراك بعض العاملين منهم في النقابات ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى أنه يمكن لهم المشاركة السلمية، وبدأ تأثير الإسلاميين المهاجرين في أوروبا والولايات المتحدة عليهم، وأخيراً ضغوط الحكومات الغربية على الأنظمة التي أدت إلى انفتاح قليل وصل من خلاله الإسلاميون المعتدلون إلى البرلمانات بشرعنة أحزابهم، أو بالمشاركة من خلال أحزاب أخرى•
في مسألة العنف قال المعتدلون إن الخلاف مع الأنظمة ليس على الكفر أو الإيمان بل على السلوك السياسي، ومع أن المعارضة والنقد ضروريان؛ لكن لا يجوزُ أن تصل الأمور إلى النزاع المسلح لأن تلك فتنة وحرب داخلية محرّمة شرعاً، بل قالوا أيضاً إن الصدامات مع السلطات في الخمسينيات والستينيات كانت من جانب واحد، وهم الضحايا فقط•
وقد أصدر الإسلاميون المصريون والأردنيون والباكستانيون وأخيراً السوريون وثائق في مسألة التعددية، وما يزال كثيرون منهم مترددين في التعددية الثقافية؛ لأنها متصلة بهوية المجتمع ولا يجوز التلاعُبُ بها، أما التعددية الاجتماعية والسياسية فإنهم يقرُّونها، بل ويؤكدون عليها بالعودة للقرآن والسنة وممارسات المجتمع الإسلامي القديمة، وقد أقرُّوا إنشاء أحزاب، كما تحالفوا في الانتخابات النيابية والنقابية مع أحزاب وحركات غير إسلامية•
كما أن جماعات التيار الرئيسي تُقرُّ الآن بمبدأ المواطنة، والتساوي بين المواطنين على اختلاف أديانهم، بيد أن لدى بعضهم تحفظات على ولاية غير المسلم لرئاسة الدولة أو قيادة الجيش، لكن الإخوان المسلمين السوريين، والإسلاميين اللبنانيين يقولون بذلك من دون تحفظ، ويعتبرون أن المسألة انقضت منذ عصر التنظيمات في العهد العثماني•
إن الثابت المؤكد اليوم عدم إقرار أكثرية الإسلاميين للعنف الداخلي أو الخارجي، وهكذا فلا علاقة لجماعات التيار الرئيسي بجماعات الجهاد منذ أكثر من عقدين من السنين، كما أنهم يريدون فعلاً المشاركة سلمياً في العملية السياسية، وفي التداول السلمي للسلطة• بيد أن هذا لا يعني تخلِّيهُم عن مشروع الدولة الإسلامية أو عن تطبيق الشريعة، ثم إنهم ليسوا مستعدين لقبول الليبرالية كفلسفة للديمقراطية؛ رغم قبولهم للاختلاف•