مشكلة إضافية على قائمة الاستحقاقات الطويلة التي تواجه الرئيس
قراصنة الصومال يقتحمون أجندة أوباما الخارجية بعد احتجاز أمريكي
سفينة الشحن "مايرسك ألاباما" التي احتجزها القراصنة
واشنطن - رويترز
تشكل فرق القرصنة الحديثة، بملابسها الرثة، مشكلة مزعجة تشتت انتباه الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وتجبره على وضع مشكلة الصومال في قائمة طويلة بالفعل من تحديات السياسة الخارجية التي تواجهها إدارته.
فقد لمس الرئيس الأمريكي بنفسه مغزى النصيحة التي عادة ما تُوجه إلى الرؤساء الأمريكيين، بوجوب توقع ما هو غير متوقع، فخلال الأسبوع الماضي، أجرت كوريا الشمالية تجربة إطلاق صاروخ بعيد المدى عابر للقارات، مصمم لحمل رأس حربي، يمكن ان يبلغ ولاية ألاسكا الأمريكية. والآن.. حدثت تلك المواجهة مع فرق خارجة على القانون في أعالي البحار.
فمنذ الأربعاء الماضي، في 8-4-2009، يحتجز مسلحون سفينة الشحن مايرسك الاباما التي تبلغ حمولتها 17 ألف طن، ونجح الطاقم الأمريكي المؤلف من 20 فردًا من استعادة السيطرة على السفينة، بعد مواجهة وقعت على مسافة بعيدة في
منطقة اختطف فيها القراصنة 5 سفن أخرى في أسبوع، إلا أن القراصنة الصوماليين تمكنوا من احتجاز قبطان السفينة ريتشارد فيليبس رهينة في زورق إنقاذ بالمحيط الهندي في أول حادث من نوعه لاحتجاز مواطن أمريكي.
وأرسل أوباما سفن البحرية الأمريكية لحماية سفينة الشحن الدنماركية التي ترفع علم الولايات المتحدة.
لكن لم تكن التجربة الأمريكية حديثة العهد في الصومال تجربة جيدة، ما يجعل الحذر واجبًا في السياسة الأمريكية تجاه هذه الدولة الواقعة في القرن الإفريقي التي غاب عنها القانون، وحرصت إدارة أوباما على ألا تعطي هذه الأزمة حجمًا كبيرًا، بينما تجري مفاوضات حساسة لضمان الإفراج عن القبطان الأمريكي.
وكان الرئيس الأمريكي قد عاد لتوه من رحلة خارجية استمرت أسبوعا لأوروبا وزيارة للقوات الأمريكية في العراق لرفع الروح المعنوية وأمامه بالفعل قائمة طويلة من تحديات السياسة الخارجية تتفاوت ما بين كوريا الشمالية وإيران وأفغانستان وما ورائها، لكنه، ولليوم الثاني على التوالي، رفض التعليق على قضية القرصنة.
واكتفى المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبز بالتأكيد أن أوباما "يُخطر أولا بأول بالموقف" بينما تعمل مجموعة من عدة وكالات مختصة بالسلامة الملاحية على حل المسألة، كما تقوم البحرية الأمريكية ومكتب التحقيقات الاتحادي بدور بارز، ويضيف "موارد حكومتنا مستخدمة لضمان سلامة وأمن القبطان والطاقم".
أما نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي عادة لا يكف عن الإدلاء بالتصريحات فقد اكتفى بالقول "هذه المسألة يجري التعامل معها على مدار الساعة منذ حدوثها لست في موقف يسمح لي (بالتعليق) الآن".
ودخل الصومال دائرة الاهتمام الأمريكي عام 1992 حين أحدثت الفصائل المتناحرة أزمة إنسانية في البلاد بعد الإطاحة بالدكتاتور محمد سياد بري عام 1991.. يومها، أرسل الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب في مهمة وصفها بأنها تنفيذ "لإرادة الرب" قوات أمريكية قتالية إلى دولة الصومال الواقعة في شرق إفريقيا أواخر عام 1992 لقيادة قوة دولية تابعة للأمم المتحدة لتوفير مناخ آمن لعمليات الإغاثة، وقال بوش حينها "لن نبقى يومًا واحدًا أكثر من اللازم".
وورث خليفته الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون المشكلة وسحب معظم القوات الأمريكية أوائل عام 1993، لكن مَن بقي من جنود أمريكيين أرسلوا في مهمة لملاحقة زعيم الميليشيا الصومالي محمد فارح عيديد، مما أدى في نهاية الأمر إلى تفجر معركة استمرت 17 ساعة في العاصمة الصومالية مقديشو قتل خلالها 18 جنديا أمريكيا في معركة كارثية، سحل خلالها جنود أمريكيون في واقعة جسدتها السينما الأمريكية في فيلم "إسقاط طائرة بلاك هوك".
وجاء حادث القرصنة الأخير كتذكرة للولايات المتحدة على أن الصومال تغيب عنه مقومات الدولة الناجحة أو كما وصفته مجلة "فورن بوليسي" بأنه "أخطر مكان في العالم على الإطلاق"، وأنه يشكل محنة للسياسة الخارجية لن تختفي ببساطة.
ويقول مستشار الشؤون التاريخية للرئاسة والأستاذ بجامعة فاندربيلت توماس الان شوارتز "لا نريد أن نعود إلى هناك، قد تكون هذه من النقاط التي يتعين فيها على أوباما أن يستغل ما يملك من أوراق دولية ليقنع الأمم المتحدة بالذهاب إلى هناك.. يجب أن يذهب أحد إلى الصومال ليحكم البلد".
أما الخبير الاستراتيجي الديمقراطي دوغ شوان الذي عمل في البيت الأبيض مع إدارة كلينتون فيصف الأزمة بأنها "اختبار حقيقي للإرادة الوطنية"، ويرى أنه على البيت الأبيض برئاسة أوباما والمعارضة الجمهورية ان يتعاملا معها معا.
ويضيف "أنها مزعجة ومشتتة للانتباه، وفي الوقت نفسه إذا لم نتعامل معها بجدية ونقضي عليها سنواجه ما تواجهه دول أخرى من أعمال قرصنة متكررة".