
السلامـــ عليكمــ ورحمتــ اللهـ وبركاتهــ،،

يعتبر الرسم أحد الأساليب الفنية التعبيرية التي يتميز بها الإنسان عن باقي المخلوقات ففن الرسم ليس تصويراً للواقع لكنه انعكاس عنه ومساحة اللوحة لاتمثل عالم الشكل وأنما أبعاده المبعثرة في الألوان والخطوط ومساحة التضليل والبياض التي تخفي بين طياتها الضوء المسلط على الشكل لإبراز معالمه وقراءة تفاصيله وملامحه الغارقة في بحر البياض ذاته.
وفن الرسم ليس مهمته نسخ الواقع ليكون مطابقاً للأصل وأنما مهمته تحفيز الناظر وسبر ثقافته لإيجاد صلات ووشائج مع اللوحة والواقع،
يمكننا أن نقول أن الرسم هو استعمال " منظم للخيال والحلم " وفيه " حرية وتلقائية تعبيرية " عن مكونات النفس وعن آلامها ومعاناتها وخيالاتها من خلال الصور واللون والتشكيل والرموز .
وفيه يمكن " إعطاء شكل وصورة " لأشياء لايمكن الحديث عنها في كلمات بسبب الانفعالات الشدية المرتبطة بها أو بسبب التناقضات العديدة والفوضى التي تتفاعل في داخلنا .فأي عمل فني يعتبر صياغة إبداعية جديدة تهدف إلى التعبير عن الذات بشكل توضيحي يمكن للآخر أن يستفيد منه وأن يفهمه ، وفي الوقت نفسه يمارس الفنان " تعديلاً وتجديداً " لما يتفاعل في داخله من رؤى وصور وأفكار وذكريات ومشاعر مما يمكن له أن يساهم في " إيجاد حلول فنية وعملية " لمشكلاته الخاصة والعامة .وفيه " حوار مستمر " شعوري ولاشعوري بين اللوحة والفنان الذي يرسمها ، وهو يضيف لوناً أو يعدل شكلاً إلى أن يرضى عن عمله ويعتبره منتهياً . وهنا تتوضح الجوانب الاجتماعية وقضية " التواصل مع الآخر " وتوجيه الرسائل إليه والحوار معه ومشاركته .
الرسم هم " نوع من اللعب " بالمعنى النفسي العميق ، وفيه الترويح والتسلية واستعمال الأدوات بمهارة وفي الوقت نفسه يمكن لهذا اللعب أن يكشف معلومات هامة عن الشخصية.
فبعضهم يرسم وهو في حالة انشراح وصفاء ويزيد الرسم من انشراحه وبهجته ، وبعضهم يرسم في حالة إكتئابية كي يسيطر على حزنه ويأسه ، وبعضهم يرسم في حالات القلق والخطر والتوتر مما يساعده على التخفيف من توتره ويعطيه استرخاءً وانتصاراً وإحساسأ بالروعة والإنجاز وبعضهم يرسم كي يؤكد ذاته ويثبتها وهو في حالة مشاكسة وغضب وإحباط .. وبعضهم غير ذلك .
يبرز التعبير من خلال الرسم كوسيلة علاجية ناجحة تعزز الثقة بالنفس وتفتح باب الحوار مع الآخرين ، كما تساهم في فهم الإنسان لمكوناته وأحاسيسه وصراعاته وتمهد الطريق لاكتشاف حياته في جوانبها المتعددة ، مما يعطيه القدرة والقوة في النظر إليها والتكيف معها وتعديلها وإصلاح مايمكن إصلاحه فيها .
ومن خلال الرسم يمكن للإنسان أن يسيطر على الموضوعات والأشياء التي يرسمها والتي تشكل له قلقاً وتوتراً . والإنسان القديم مثلاً رسم الحيوانات المفترسة مما ساعده في السيطرة عليها ومكنه من تخفيف خطرها وبالتالي أعطاه ذلك إحساساً خاصاً بالأمان والقوة .
ويعتبر التعبير والتنفيس الانفعالي من خلال التعبير عن النفس وانفعالاتها ورغباتها وتصوراتها وخيالاتها وكل مايدور في العقل والنفس .. أسلوباً مفيداً من الناحية النفسية ، وتشترك الفنون بأشكالها المتنوعة إضافة إلى التعبير اللغوي الكلامي في هذه الوظيفة التعبيرية التنفيسية .
وقد تم استخدام الأساليب الفنية المتنوعة في ميدان الطب النفسي منذ زمن طويل لما فيه من الوظائف التعبيرية والترويحية والداعمة للمريض النفسي ، وقد ارتبط ذلك بما يسمى بالتأهيل النفسي أو " إعادة التأهيل " والعلاج بالعمل والنشاطات المختلفة . وفي الوقت الحالي لدينا مجموعة من الأساليب التي تطورت وأصبحت أكثر تخصصاً مثل العلاج بالفن والعلاج بالتمثيل والعلاج بالموسيقا وغيرها ..
والآثار المفيدة الناتجة عن الرسم وغيره من الفنون ليست آثاراً عابرة ومؤقتة وتنفيسية لاسيما إذا جرى استعمالها بشكل منظم وضمن علاقة علاجية محددة .. وهذا مايعرف بالعلاج بالفن وهو يعتمد على استخدام الرسم وغيره بشكل منهجي ولعدة جلسات مما يساعد المريض على التعرف على ذاته وصراعاتها ومشكلاتها ويهيئ مادة علاجية للحوار والتبصر وتعديل الأساليب وتنمية المهارات التكيفية والصحية المتنوعة .
وهذا العلاج يمكن أن يفيد مجموعة كبيرة من المرضى في مختلف الاضطرابات النفسية البسيطة والشديدة .
و يتميز التعبير عن طريق الرسم بأنه يبدع أشكالاً وصوراً يمكن النظر إليها والاحتفاظ بها ، وأيضاً تبادلها وعرضها على الآخرين . وهكذا يكون العمل الفني المنتهي تشجيعاً للذات وتقوية لها ودعماً .

المصادر : الطب النفسي والحياة ، بين الأدب والنفس
]لجميع من يمر من هنا أطيب التحيات
سالمون