ويطلق الجاحظ اسم اللكنة على ظاهرة عدم قدرة الأجانب على النطق بالأصوات العربية .
يقول الجاحظ : ( ويقال في لسانه لكنة ( بضم اللام ) إذا أدخل بعض حروف العجم في حروب العرب ـ جذبت لسانه العادة الأولى إلى المخرج الأول ) .
فاللكنة محددة بهذا النوع من الخطأ ـ أي أن كل الأصوات العربية التي ليست في اللغات الأخرى تشكل نوعاً من الصعوبة وتنطق بلكنة .
أما اللثغة فيقول إنها تقع في أربعة حروف ( ق س ل ر ) ولكل من هذه الحروف ضرب من اللثغ .
وهذه العيوب اللسانية ( الحبس والحكلة واللثغة ) تعرض لكثير من الناس من يوم خلق الله الدنيا إلى يومنا هذا ، وعلى ذلك يكاد المصابون بها يتفقون على الراض بها مع طول العهد .
وفي هذا السياق يذكر بن العماد الحنبلي في شذرات الذهب أنه دفعت إلى واصل بن عطاء رقعة مضمونها : ( أمر أمير المؤمنين أن تحفر بئر في الطريق يشرب منها الشادر والوارد ) وكل كلماتها تتضمن حرف الراء ، وكان مصاباً باللثغة وخاف إن نطق بما ورد بالكتاب أن يضحك منه الحاضر فقال على سجيته ولم يتلعثم :
( حكم خليفة المسلمين أن ينبش قليب في الفلاة يستقي منها الغادي والبادي ) .
ولواصل هذا خطبة لها شهرة تاريخية يعرفها الأدباء ، وقد كانت بالعراق بين سنتي 126هـ ـ 129هـ في حفل جامع حشد له أقدر الخطباء .
إذ اجتمع عليه القوم والناس ليشهدوا هذا الحفل عند والي العراق عبدالله بن عمر بن عبدالعزيز ، وقد خطب في هذا الحفل خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة والفضل بن عيسى ، وتناوبوا القول على المنبر فانتزعوا إعجاب القوم انتزاعا ، لأنهم كانوا سادة الخطباء في ذلك الزمان ، وكانوا قد أعدوا خطبهم من قبل ونمقوها تنميقاً ـ وما أن فرغ الثلاثة حتى نهض واصل بن عطاء وبداهته تغلى ، فخطب خطبة أرتجالاً حرص فيها كل الحرص على أن ينزع منها حرف الراء ، ففاق إعجاب الناس والوالي به إعجابهم بالثلاثة قبله ، فضاعف الوالي العطاء لواصل تقديراً لعبقريته الخطابية النادرة ، وأكتفي بنقل جزء من هذه الخطبة :
( الحمد الله القديم بلا غاية والباقي بلا نهاية ـ الذي علا في دنوه ودنا في علوه ، فلا يحويه زمان ولا يحيط به مكان ـ ولا يئوده حفظ ما خلق ولم يخلقه على مثال سبق ، بل أنشأه ابتداعاً وعدله اصطناعاً فأحسن كل شئ خلقه ـ وتمم مشيئته ، وأوضع حكمته ، فدل على ألوهيته ـ فسبحانه لا معقب لحكمه ولا دافع لقضائه ـ تواضع كل شئ لعظمته وذلك كل شئ لسلطانه ووسع كل شئ فضله ـ لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا مثيل له ، إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاوه ـ علا عن صفات كل مخلوق وتنزه عن شبه كل مصنوع ..... الخ ) .
ـ لمن أراد الخطبة كاملة فليراجع كتاب ( من نوادر المخطوطات ) خطبة واصل تحقيق عبدالسلام هارون ـ .
نتابع موضوعنا بعد فاصل إعلاني قصير ،،،،،،،