السخرية والاستهزاء ( الشماتة ).
إن السخرية والاستهزاء ( الشماتة ) في حقيقة الأمر هي مظهر من مظاهر الإعتداء على الآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر , وإن الله سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين , قال تعالى:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( ... ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) (1).
تحت ضوء القرآن الكريم:
قال تعالى:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون )) (2).
قال السيد العلامة محمد حسين الطباطبائي - رحمه الله - : السخرية الاستهزاء وهو ذكر ما يستحقر ويستهان به الإنسان بقول أو إشارة أو فعل تقليدا بحيث يضحك منه بالطبع ... وقوله : (( عسى أن يكونوا خيرا منهم )) و (( عسى أن يكن خيرا منهن )) حكمة النهي.
والمستفاد من السياق أن الملاك رجاء كون المسخور منه خيراً عند الله من الساخر سواء كان الساخر رجلا أو امرأة وكذا المسخور منه فتخصيص النهي في اللفظ بسخرية القوم من القوم وسخرية النساء من النساء لمكان الغلبة عادة (3).
تحت ضوء الروايات الإسلامية:
1/ عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنه قال : (( لا تبدي الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويصيرها بك )) (4).
2/ وعنه ( عليه السلام ) : (( من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن )) (5).
3/ وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) : (( قال لقمان لابنه : للحاسد ثلاث علامات : يغتاب إذا غاب ، ويتملق إذا شهد ، ويشمت بالمصيبة )) (6).
- واعلم أيها الحبيب - أن كل بلية ومصيبة ترد على مسلم يمكن أن تكون كفارة لذنوبه أو باعثا لرفع درجاته واعتلاء مرتبته في دار الآخرة.
والدليل على ذلك : أن أعظم البلايا والمصائب موكلة بالأنبياء ، ثم بالأولياء ، ثم بالأمثل فالأمثل في درجات الاعتلاء (7).
ولا ريب في أن - ما - ورود - من - المصائب والمحن عليهم ليس من سوء فعلهم وإساءتهم.
فينبغي لكل عاقل أن يتأمل ( أولا ) أن الشماتة بمسلم بمصيبة لا ينفك في الدنيا من ابتلائه بمثلها ، ( وثانيا ) إنها إيذاء لأخيه المسلم ، فلا ينفك عن العذاب في الآخرة ( وثالثا ) إن نزول هذه المصيبة به لا يدل على سوء حاله عند الله ، بل الأرجح دلالته على حسن حاله وتقربه عند الله سبحانه.
فليحافظ على نفسه عن إبداء الشماتة لأحد من المسلمين ، ويخوف من يراه من الشامتين عن عقوبة العاجل وعذاب الآجل (8).
- وهذه الرذيلة لا تنفك - ... عن الإيذاء والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص.
وإن لم يكن ذلك بحضرة المستهزأ به.
فيتضمن الغيبة أيضا.
وباعثه إما العداوة أو التكبر واستصغار المستهزأ به ، فيكون من رذائل القوة الغضبية ، أو قصد ضحك الأغنياء وتنشيط قلوبهم ، طمعا في بعض أوساخهم الملوثة ، وأخذ النبذ من حطامهم المحرمة ، ولا ريب في أنه صفة من لاحظ له في الدين ، وشيمة أراذل أحزاب الشياطين ، لأنهم يظهرون أكاذيب الأقوال ويرتكبون أعاجيب الأفعال ، يخلعون قلائد الحرية عن الرقاب ، ويهتكون أستار الحياء بمرأى من أولي الألباب ، يبتغون عيوب المؤمنين وعوراتهم ، ويظهرون نقائص المسلمين وعثراتهم ، يقلدون أفعال الأخيار على وجه يضحك الأشرار ، ويحاكون صفات الأبرار على أفضح الوجوه في الأنظار.
ولا ريب في أن المرتكب لهذه الأفعال بعيد عن الإنسانية بمراحل ، ومستوجب لعقوبة العاجل وعذاب الآجل ، ولا يخلو ساعة عن الصغار والهوان ، ولا وقع له في قلوب أهل الإيمان ، وكفاه ذما أنه جعل تلك المعاصي الخبيثة وسيلة لتحصيل المال أو الواقع في قلوب أبناء الدنيا ، ويلزمه عدم اعتقاده بأن الله سبحانه هو المتكفل لأرزاق العباد.
والطريق في دفعه - بعد التأمل في سوء عاقبته ، ووخامة خاتمته ، وفيما يلزمه من الذلة والهوان في الدنيا - أن يبادر إلى إزالة العداوة والتكبر إن كان باعثه ذلك ، وإن كان باعثه تنشيط قلوب أهل الدنيا طمعا في مالهم ، فليعلم أن لكل نفس ما قدر لها من الأموال والأرزاق ، يصل إليها من الله سبحانه البتة ، فإن من يتق الله ويتوكل عليه يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ويكون في الآخرة سعيدا ، وإن أغواه الشيطان وحثه على تحصيلها من المداخل الخبيثة ، لم يصل إليه أكثر مما قدر له ، وكان في الآخرة شقيا.
وليعلم أيضا أن المتوكل على الله والمتصف بالحرية ، لا يبدل التوكل والحرية بهذه الأفعال لأجل الوصول إلى بعض خبائث الأموال ، فليعاتب نفسه ويزجرها بالمواعظ والنصائح ، ويتذكر ما ورد في الشريعة من ذم المستهزئين وتعذيبهم يوم القيامة بصورة الاستهزاء ... (9).
ثم جميع ما ذكر إنما هو في حق من يؤذي الناس ويهينهم باستهزائه وسخريته ، وأما من جعل نفسه مسخرة ويسر بأن يهزل ويسخر به ، وإن كان هو ظالما لنفسه خارجا عن شعار المؤمنين ، حيث أهان نفسه وأذلها - أقول : ولقد نهى وحذر أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) من ذلك بقوله : (( إياك أن تذكر في الكلام ما يكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك )) (10) - ، إلا أن سخرية الغير به من جملة المزاح - أقول : وهو المنهي عنه في بعض أخبار أهل البيت ( عليهم السلام ) - ، ويأتي ما يذم منه وما يحمد ، وإنما المحرم منه ما يؤدي إلى إيذائه وتحقيره : بأن يضحك على كلامه إذا يخبط ولم ينتظم ، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة ، أو على صورته وخلقته إذا كان قصيرا أو طويلا أو ناقصا بعيب من العيوب.
فالضحك على جملة ذلك داخل في السخرية المنهي عنها (11).
العلاج:
وطريق علاجه - بعد تذكر ما تقدم - أن استهزاءه يوجب خزي نفسه يوم القيامة عند الله وعند الملائكة والنبيين وعند الناس أجمعين ، فلو تفكر في حسرته وحيائه وخجله وخزيه يوم يحمل سيئات من استهزأ به ويساق إلى النار ، لأدهشه ذلك عن إخزاء غيره ، ولو عرف حقيقة حاله يوم القيامة ، لكان الأولى له أن يضحك على نفسه تارة ويبكي عليها أخرى ، لأنه باستهزائه به عند بعض أراذل الناس عرض نفسه لأن يأخذ بيده ذلك الغير يوم القيامة على ملأ من الناس ويسوقه تحت السياط ، كما يساق الحمار ، إلى النار ، مستهزئا به مسرورا بخزيه وتمكين الله تعالى إياه على الانتقام منه.
فمن تأمل في ذلك ، ولم يكن عدوا لنفسه ، اجتنب عن السخرية والاستهزاء كل الاجتناب (12).-----
1- سورة المائدة آية 87 ص 122.
2- سورة الحجرات آية 11 ص 516.
3. الميزان في تفسير القرآن ج 18 ص 321.
4. الكافي ج 2 ح 1 ص 359.
5 . الكافي ج 2 ح 1 ص 359.
6 . ميزان الحكمة ج 1 ص 631.
7. وهذا ما جاء في أحد روايات أهل البيت ( عليهم السلام ).
8 . جامع السعادات ج 2 ص 217.
9 . جامع السعادات ج 2 ص 221 - 222.
10 . نهج البلاغة ج 3 ص 56.
11 . جامع السعادات ج 2 ص 222.
12 . جامع السعادات ج 2 ص 222.