الموقف من روايات تحريف القرآن في المصادر الشيعية
المجمع العالمي لأهل البيت (ع)
سنورد هنا شطراً من الروايات الموجودة في كتب الشيعة الإمامية، والتي ادّعى البعض ظهورها في النقصان أو دلالتها عليه، ونبيّن ما ورد في تأويلها وعدم صلاحيتها للدلالة على النقصان، وما قيل في بطلانها وردّها، وعلى هذه النماذج يقاس ما سواها، وهي على طوائف:
الطائفة الاُولى: الروايات التي ورد فيها لفظ التحريف، ومنها:
1 ـ ما رُوي في الكافي بالإسناد عن علي بن سويد، قال: كتبتُ إلى أبي الحسن موسى(عليه السلام)وهو في الحبس كتاباً... وذكر جوابه(عليه السلام) ، إلى أن قال: «اُؤتمنوا على كتاب الله، فحرّفوه وبدّلوه»[37].
2 ـ ما رواه ابن شهر آشوب في المناقب من خطبة أبي عبدالله الحسين الشهيد(عليه السلام) في يوم عاشوراء وفيها: «إنّما أنتم من طواغيت الاُمّة ، وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرّفي الكتاب»[38].
فمن الواضح أنّ المراد بالتحريف هنا حمل الآيات على غير معانيها، وتحويلها عن مقاصدها الأصلية بضروب من التأويلات الباطلة والوجوه الفاسدة دون دليل قاطع، أو حجة واضحة، أو برهان ساطع، ومكاتبة الإمام(عليه السلام) لسعد الخير صريحة في الدلالة على أنّ المراد بالتحريف هنا التأويل الباطل والتلاعب بالمعاني ، قال(عليه السلام): «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه...»[39] أي إنّهم حافظوا على ألفاظه وعباراته، لكنهم أساءوا التأويل في معاني آياته.
الطائفة الثانية: الروايات الدالّة على أنّ بعض الآيات المنُزّلة قد ذُكِرت فيها أسماء الأئمة(عليهم السلام)، ومنها:
1 ـ ما رُوي في الكافي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) ، قال: «نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد(صلى الله عليه وآله)هكذا: (وإن كُنتم في ريب ممّا نزَّلنا عَلَى عَبْدِنا ـ في عليّ ـ فأتُوا بسُورة مِن مِثْلِهِ)[40] [41].
2 ـ ما رُوي في الكافي عن أبي بصير، عن أبي عبدالله(عليه السلام)في قول الله تعالى: (ومَن يُطِع الله ورَسُولهُ ـ في ولاية عليّ والأئمة من بعده ـ فَقد فازَ فوزاً عظيماً)[42] هكذا نزلت[43] .
3 ـ ما رُوي في الكافي عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) : (ولو انّهم فعلوا ما يُوعظون به ـ في عليّ ـ لكان خيراً)[44].
ويكفي في سقوط هذه الروايات عن درجة الاعتبار نصّ العلاّمة المجلسي في مرآة العقول على تضعيفها، ويغنينا عن النظر في أسانيدها واحداً واحداً اعتراف المحدّث الكاشاني بعدم صحّتها[45].
قال السيد المحقق الخوئي: «إنّ بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن، وليس من القرآن نفسه، فلابدّ من حمل هذه الروايات على أنّ ذكر أسماء الأ ئمة في التنزيل من هذا القبيل، وإذا لم يتمّ هذا الحمل فلابدّ من طرح هذه الروايات لمخالفتها للكتاب والسُنّة والأدلّة المتقدّمة على نفي التحريف»[46].
وعلى فرض عدم إمكان الحمل على التفسير، فإنّ هذه الروايات معارضة بصحيحة أبي بصير المروية في الكافي ، قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن قول الله تعالى: (... أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم)[47]. قال: فقال: «نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين(عليهم السلام)». فقلت له: إنّ الناس يقولون : فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته في كتاب الله؟ قال(عليه السلام): «فقولوا لهم: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو الذي فسّر لهم ذلك»[48]. فتكون هذه الرواية حاكمة على جميع تلك الروايات وموضحة للمراد منها.
ويضاف إلى ذلك أنّ المتخلفين عن بيعة أبي بكر لم يحتجّوا بذكر اسم علي(عليه السلام) في القرآن، ولو كان له ذكر في الكتاب لكان ذلك أبلغ في الحجة، فهذا من الأدلّة الواضحة على عدم ذكره في الآيات.
ومما يضاف لهذه الطائفة من الروايات أيضاً ما يلي:
1 ـ ما رُوي في الكافي عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام)، يقول: «نزل القرآن أثلاثاً، ثلث فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام»[49].
2 ـ ما رُوي في تفسير العياشي عن الصادق(عليه السلام) ، قال: «لو قُرئ القرآن كما اُنزل لألفيتنا فيه مُسمّين»[50].
وقد صرّح العلاّمة المجلسي(رحمه الله) بأن الحديث الأول مجهول، أمّا الحديث الثاني فقد رواه العياشي مرسلاً عن داود بن فرقد، عمّن أخبره، عنه(عليه السلام)، وواضح ضعف هذا الإسناد، وعلى فرض صحّته فإنّ المراد بالتسمية هنا هو كون أسمائهم(عليهم السلام) مثبتة فيه على وجه التفسير، لا أنّها نزلت في أصل القرآن، أي لولا حذف بعض ما جاء من التأويل لآياته، وحذف ما أنزله الله تعالى تفسيراً له، وحذف موارد النزول وغيرها، لألفيتنا فيه مُسمّين، فلو فُسِّر كما أنزله الله تعالى وبدون كَدَر الأوهام وتلبيسات أهل الزيغ والباطل لألفيتنا فيه مُسمّين.
الطائفة الثالثة: الروايات الموهمة لوقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان، ومنها:
1 ـ ما رواه العياشي في تفسيره عن مُيسّر عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «لولا أنّه زيد في كتاب الله ونقص منه، ما خفي حقّنا على ذي حجا، ولو قد قام قائمنا فنطق صدّقه القرآن»[51].
2 ـ ما رواه الكليني في الكافي والصفار في البصائر عن جابر ، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)، يقول: «ما ادّعى أحدٌ من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما اُنزل إلاّ كذّاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلاّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) والأئمة من بعده(عليهم السلام)»[52].
3 ـ ما رواه الكليني في الكافي والصفار في البصائر عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام)، أنّه قال: «ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء»[53].
وهذه الطائفة قاصرة أيضاً عن الدلالة على وقوع تحريف القرآن في اللفظ والنصّ، فالحديث الأ وّل من مراسيل العياشي، وهو مخالف للكتاب والسنّة، ولاجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرف واحد، وقد ادعى الاجماع جماعة كثيرون من الأئمة الأعلام، منهم السيد المرتضى والشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي وغيرهم كما عرفت. أما النقص المشار إليه في الحديث الأول فالمراد به نقصه من حيث عدم المعرفة بتفسيره وعدم الاطلاع على باطنه، لا نقص آياته وكلماته وسوره.
وقوله: «ولو قد قام قائمنا فنطق صدّقه القرآن» فإنّ الذي يصدّق القائم (صلوات الله عليه) هو هذا القرآن الفعلي الموجود بين أيدي الناس، ولو كان محرّفاً حقّاً لم يصدقه القرآن، فمعنى ذلك أنّ الإمام الحجة (صلوات الله عليه) سوف يُظهر معاني القرآن على حقيقتها بحيث لا يبقى فيها أي لبس أو غموض، فيدرك كلّ ذي حجا أن القرآن يصدّقه.
فالمراد من الحديث الأول ـ على فرض صحّته ـ أنّهم قد حرّفوا معانيه ونقصوها وأدخلوا فيها ما ليس منها حتّى ضاع الأمر على ذي الحجا.
أما الرواية الثانية ففي سندها عمرو بن أبي المقدام، وقد ضعّفه ابن الغضائري[54]، وفي سند الرواية الثالثة المنخّل بن جميل الأسدي، وقد قال عنه علماء الرجال: ضعيف فاسد الرواية، متّهم بالغلوّ، أضاف إليه الغلاة أحاديث كثيرة[55].
وعلى فرض صحّة الحديثين فإنّه يمكن توجيههما بمعنى آخر يساعد عليه اللّفظ فيهما، قال السيد الطباطبائي: قوله(عليه السلام): «إنّ عنده جميع القرآن... إلى آخره» الجملة وإن كانت ظاهرةً في لفظ القرآن، ومشعرة بوقوع التحريف فيه، لكن تقييدها بقوله «ظاهره وباطنه» يفيد أنّ المراد هو العلم بجميع القرآن، من حيث معانيه الظاهرة على الفهم العادي، ومعانيه المستبطنة على الفهم العادي»[56].
وقد أورد السيد عليّ بن معصوم المدني هذين الخبرين ضمن الأحاديث التي استشهد بها على أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)والأوصياء من أبنائه، علموا جميع ما في القرآن علماً قطعياً بتأييد إلهي، وإلهام رباني، وتعليم نبوي، وذكر أنّ الأحاديث في ذلك متواترة بين الفريقين»[57].
ويمكن حمل الروايتين أيضاً على معنى الزيادات الموجودة في مصحف أمير المؤمنين(عليه السلام)، والتي أخذها عمّن لا ينطق عن الهوى تفسيراً، أو تنزيلاً من الله شرحاً للمراد، إلاّ أنّ هذه الزيادات ليست من القرآن، الذي اُمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بتبليغه إلى الاُمّة.
الطائفة الرابعة: الروايات الدالّة على أنّ في القرآن أسماء رجال ونساء فاُلقيت منه، ومنها:
1 ـ ما روي في تفسير العياشي مرسلاً عن الصادق(عليه السلام)، قال: «إنّ في القرآن ما مضى، وما يحدث، وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فاُلقيت، إنّما الاسم الواحد منه في وجوه لا تُحصى، يعرف ذلك الوصاة»[58].
2 ـ ما روي في الكافي عن البزنطي، قال: دفع إليّ أبو الحسن الرضا(عليه السلام) مصحفاً ، فقال: «لا تنظُر فيه». ففتحته وقرأت فيه (لم يكن الذين كفروا...)[59] فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. قال: فبعث إليّ: «ابعث إليّ بالمصحف»[60].
3 ـ ما رواه الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم يابن سنان، إنّ سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقّصوها وحرّفوها»[61].
وهذه الروايات لا نصيب لها من الصحّة، فهي بين ضعيف ومرسل ومرفوع.
ومن الممكن القول بأنّ تلك الأسماء التي اُلقيت إنّما كانت مثبتةً فيه، على وجه التفسير لألفاظ القرآن وتبيين الغرض منها، لا أنّها نزلت في أصل القرآن، وقد ذكر ذلك الفيض الكاشاني في الوافي والسيد الخوئي في البيان وغيرهما... بل إنّ الشيخ الصدوق ـ وهو رئيس المحدّثين ـ الذي روى الخبر في كتابه «ثواب الأعمال» ينصّ في كتابه الاعتقادات على عدم نقصان القرآن، وهذا ممّا يشهد بأنّهم حين يروون هذه الأحاديث لايعتقدون بصحّتها سنداً ولا دلالة لها على التحريف اللفظي للقرآن الكريم.
_______________
[37] الكافي: 8/ 125 ح 95.
[38] بحار الأنوار: 45/8.
[39] الكافي: 8 / 53 ح 16.
[40] البقرة: 23.
[41] الكافي: 1/ 417 ح26.
[42] الأحزاب: 71.
[43] الكافي: 1 / 414 ح 8 .
[44] النساء: 66 .
[45] الوافي : 2/273.
[46] البيان في تفسير القرآن: 230.
[47] النساء: 59.
[48] الكافي: 1/ 286 ح 1.
[49] الكافي: 2/ 267 ح2.
[50] تفسير العياشي: 1 / 13 ح4.
[51] تفسير العياشي: 1/ 13 ح 6.
[52] الكافي: 1/ 228 ح 1، بصائر الدرجات: 213/2.
[53] الكافي: 1/ 228 ح2، بصائر الدرجات : 213/1.
[54] اُنظر مجمع الرجال: 4/257 و 6/139، رجال ابن داود: 281/516.
[55] المصدر السابق.
[56] الكافي : 1/228 في الهامش.
[57] شرح الصحيفة السجادية: 401.
[58] تفسير العياشي: 1/ 12.البحث منقول ،وعذرا لنقص الهوامش فهو هكذا في مصدره