للكاتبة ناهد با شطح
التاريخ: 11/24/2002 م
ذكرت وكالة الأنباء السعودية في اكتوبر 2002م ان "ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز اصدر أمرا لوزارة الداخلية بحظر قيادة سيارات الأجرة العامة على الأجنبي بأي حال من الأحوال".
هذا الخبر لا يتوقف عند إحلال مهنة قيادة سيارات الأجرة المواطنين بدلا من الأجانب بل يتعداه إلى أهمية التحرك الجاد نحو مكافحة هيمنة العمالة الوافدة على تركيبتنا السكانية وعلاقتها بترسيخ قواعد للبطالة في مجتمعنا.
ان احصائيات غير رسمية تشير إلى وجود أكثر من 50ألف سيارة أجرة بالمملكة يقود أغلبها أجانب معظمهم من الآسيويين.
وقد أشار أمين عام مجلس القوى العاملة الدكتور عبدالواحد الحميد لإحدى الصحف المحلية الى ان الاحصاءات تفيد بأن عدد العمالة الأجنبية سيزيد بشكل كبير في حالة استمرار معدلات الاستقدام الحالية ليصبح الوضع بعد عشر سنوات 17مليون عامل اجنبي في السوق السعودية!!
وكشف وكيل وزارة التجارة للشؤون الفنية الدكتور فواز الحسني لجريدة "الوطن" في 2002/10/23م ان مجموع المبالغ التي تحصل عليها العمالة في السعودية عام 2000م تجاوزت مليار ريال من رواتب وتعويضات ومزايا، منها 61مليار ريال مجموع المبالغ المقدمة للعمالة الأجنبية.
نتساءل هل العمالة هي السبب الأوحد للبطالة في مجتمعنا؟ وهل سيقضي على البطالة بتفعيل السعودة؟.
ثم لماذا وجدت البطالة في مجتمعنا وما هي الحلول لمواجهتها؟
تاريخ البطالة:
يعتبر عقد العشرينات - كما ذكر الأستاذ عبدالله موسى في مجلة "النبأ" في جمادى الأولى 1420هـ - تاريخا محددا لنشوء ظاهرة البطالة عالميا فقد سجل أعلى معدلات البطالة في يوم "الخميس الأسود" تشرين الأول 1992م، بعد ضخ كميات كبيرة من الأسهم والسندات والتي تمثل وقتها الرأسمال الأساسي لكبرى الشركات العالمية وتوالت قائمة الإفلاسات لعدة بنود حيث افلس في العام 1930ما يقارب من 1325بنكاً.
ثم جاء عقد الثمانينات وهو العقد الأول لعولمة الفقر والبطالة، حيث بدأت أزمة الركود العالمية في عامي
198201981.وبعد ذلك بدأت ظاهرة البطالة تبرز عربيا بشكل تدريجي فسجلت معدلات متفاوتة في الجزائر مثلا وصلت النسبة إلى 24% ومصر 17% والأردن 18%، وتأرجحت في دول أخرى تبعا لتأثرها بالأزمات الاقتصادية العالمية.
وبحسب تقرير التنمية البشرية (عام 1997م) لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، فقد ازداد الفقر في الثمانينات وأوائل التسعينات "خلال فترة صعود العولمة" وتراوح أرقام البطالة في البلدان الصناعية عام 1995حوالي " 35مليون عاطل"، وعلى الصعيد العالمي ثمة 150مليون متعطل "عام 1998" ونحو 900مليون يعملون جزئيا.
السكان والعمالة:
عندما نتحدث عن العمالة لابد لنا من الحديث عن البطالة التي هي نتيجة لتدفق الاعداد الهائلة من العمالة الوافدة واشغالهم بكافة الأعمال، وليست بالطبع العمالة وحدها قد سببت البطالة فهناك عوامل أخرى كالتقدم التكنولوجي وخروج المرأة للعمل.
تحدثنا عن اسباب البطالة بشكل عام، لكن التضخم السكاني في المملكة يعتبر مشكلة قابلة للانفجار في أي لحظة حيث ذكرت جريدة "الوطن" ان القطاع الخاص يتوقع ان يصل عدد السكان الى , 297مليون نسمة في نهاية عام 2020م وبذلك فإن قوة العمل من السعوديين ستصل إلى , 83ملايين نسمة.
اما في عام 2025م فكما كشف الإداري ابن صديق في تقريره المقدم لأعضاء اللجنة الصناعية في الغرفة التجارية الصناعية في جدة فسوف يصل عدد السكان في المملكة الى أكثر من 40مليون نسمة لو استمرت نسبة النمو على وضعها الحالي.
ان التركيبة السكانية في المملكة كغيرها من دول الخليج غير متوافقة على حد تعبير الاستاذ مغاوري شلبي في مقالته عن السعودة والعمالة الوافدة "حيث يبلغ عدد سكان المملكة العربية السعودية حوالي 19مليون نسمة، يمثل السعوديون نسبة 60% " 12مليونا" و40% من السكان غير سعوديين " 7ملايين"، ولا يأتي عدم التوافق في التركيبة السكانية في المملكة من نسبة الأجانب الى اجمالي السكان فقط، ولكن يأتي ايضا من ان السعوديين لا يمثلون سوى 25% من القوة العاملة في المملكة في حين يمثل الاجانب نسبة 75% من تلك القوة".
ان التضخم السكاني مشكلة عويصة وبسبب عدم ملاحقة معدل النمو الاقتصادي لمعدل نمو السكان حدثت زيادة مستمرة في أعداد العاطلين عن العمل بين السعوديين من خريجي الجامعات والمدارس، اما بالنسبة للعمالة الوافدة فقد ذكرت الدراسة التي اعدها الباحث اشرف كشك "ان اعداد العمالة تضاعفت بالمملكة العربية السعودية حوالي 20مرة خلال الربع الأخير من القرن الماضي حيث ارتفعت من 750ألف عامل وافد إلى , 46ملايين عامل في حين تضاعفت العمالة الوطنية بالمملكة خلال الفترة ذاتها بحوالي 39بالمائة فقط.
وتذكر مقالة نشرها المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بالكويت يوم الاربعاء 31يوليو 2002في جريدة "البيان" عن مسيرة التحديث والتنمية في المملكة العربية السعودية ان الوجه الآخر لمشكلة البطالة يتمثل في "العمالة الوافدة"، حيث اظهرت البيانات ان نسبة العاملين الاجانب في المملكة تقارب 47% من اجمالي عدد السكان، تعمل الغالبية العظمى منهم "حوالي 95%" في القطاع الخاص، في حين تعمل النسبة المتبقية في القطاع العام.
حال البطالة لدينا:
حسب أول تقييم احصائي رسمي لحجم البطالة في السعودية تشير آخر احصاءات وزارة التخطيط "ان اجمالي حجم البطالة حتى عام 1998م وصل ,81% للسعوديين من النساء والرجال، نسبة الذكور ,68%، وبالنسبة للنساء ,158%/.
وأكدت الأرقام ان حجم سوق العمل السعودي وصل إلى , 282مليون نسمة "سعوديين ابتداء من سن 15عاما وما فوق والراغبين في العمل"، منهم , 241مليون من السعوديين الذكور الراغبين في العمل، و 413من الإناث".
ويقدر عدد العمالة السعودية كما نشرت جريدة "الوطن" في 2002/11/3م بنحو , 32ملايين عامل وموظف، وهي تمثل حوالي ,444% من اجمالي القوى العاملة في السعودية بينما يقدر عدد العمالة غير السعودية بـ 4ملايين عامل، وهي تمثل ,556% من سوق العمالة.
ويذكر موقع الـ (BBC) الاخباري ان الاقتصاديين يقدرون عدد الوظائف الجديدة التي تتوفر كل عام في السعودية بنحو 30ألف وظيفة بينما يدخل سوق العمل أكثر من 100ألف سعودي سنويا.
اننا لن نذيع سراً ان قلنا ان مشكلة البطالة بدأت في السنوات الأخيرة تصبح أكثر إلحاحاً لمعالجتها قبل الوصول إلى ما وصلت إليه مؤشرات الارتفاع في الدول المجاورة.
استشراء البطالة:
مما لا شك فيه ان البطالة هي المسؤولة عن ارتفاع معدلات الجريمة والانحراف في أي مجتمع وذلك فإنها كمشكلة تؤرق العالم اجمع وقد اوضحت منظمة العمل العربية مدى خطورة هذه الظاهرة وفق احصاءات على النحو التالي:
أ - تصل نسبة البطالة حاليا الى 14% من اجمالي القوى العاملة العربية البالغة 90مليونا؛ مما يعني وجود ,125مليون عاطل عن العمل، معظمهم من الشباب، ويتوقع ان يصل العدد إلى 123مليونا في العام 2010م.
ب - غالبية العاطلين عن العمل من الشباب، ويمثل هؤلاء تقريبا ثلاثة أرباع العاطلين عن العمل في دولة البحرين و84% في الكويت، وما يزيد على الثلثين في مصر والجزائر. اما معدلات البطالة بين الشباب نسبة إلى القوى العاملة الشابة فقد تجاوزت 60% في مصر والأردن وسورية وفلسطين و40% في تونس والمغرب والجزائر بالاضافة الى ظهور بطالة حملة الشهادات التعليمية، حيث تبلغ معدلاتها الضعفين في الأردن، وثلاثة أضعاف البطالة بين الأميين في الجزائر، وخمسة أضعاف في المغرب، وعشرة أضعاف في مصر.
ج - تتفاوت معدلات البطالة من دولة عربية لأخرى، ففي الدول ذات الكثافة السكانية العالية، ترتفع حدة الظاهرة؛ حيث تبلغ 20% في اليمن و21% في الجزائر و17% في السودان، و9% في مصر، و8% في سورية. وفي المقابل تنخفض في دول الخليج العربي ذات الكثافة السكانية المنخفضة ففي سلطنة عمان يوجد نحو 330ألف عاطل عن العمل، وفي المملكة نحو 700ألف، وفي الكويت يصل العدد إلى 3آلاف فقط.
هذه الأرقام أوردها تأكيدا على ان البطالة موجودة اجتماعيا أو شر لابد منه فالبطالة كأنها الوجه الآخر للعمالة ولكن حتمية وجودها لا تمنع محاولة التقليل من نسبتها لصالح افراد المجتمع.
أسباب البطالة وآثارها:
للبطالة أسباب كثيرة تتداخل مع بعضها البعض أورد هنا أسباب وجودها في مجتمعنا حيث يستعرض الدكتور عبدالرحمن الطريقي مستشار المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية بالرياض أسباب المشكلة لدينا بالآتي:
1- وجود خلل في ميزان العرض والطلب لصالح العمالة الوافدة في سوق العمل السعودي، حيث ان الباب لا زال مفتوحا على مصراعيه لدخول عمالة غير محدودة العدد أو المهارات وذلك عبر وجود مؤسسات التوظيف المحلية والدولية لاستقطاب تلك العمالة.
2- غياب شبه كامل لمؤسسات فاعلة متخصصة لاستقطاب وتوجيه وتأهيل ومتابعة الكفاءات الوطنية التي لها رغبة للعمل بالقطاع الخاص السعودي.
3- تركيز سياسة الاقتصادي السعودي المتزايد على تحقيق النمو الاقتصادي بالدرجة الأولى بغض النظر عن نسبة مساهمة العمالة الوطنية في سوق العمل.
4- استمرار المجتمع السعودي في الاعتماد على العمالة الوافدة في معظم الأعمال.
ولعلني اضيف بعض الأسباب غير المباشرة والتي تختص بالقيم الاجتماعية السائدة كاحتقار العمل المهني والاقبال على وظائف محددة أو عدم الثقة في امكانات العامل السعودي.وعلينا ان ندرك ان ظاهرة كالبطالة حين تلقي بظلالها على المجتمع فإنه يرزح تحت آثارها المتعددة والتي منها ما هو اقتصادي يتمثل في اهدار الموارد البشرية والتأثير على حجم الانتاج القومي ومنها ما هو اجتماعي يتلخص في وجود الفقر وتدني مستوى الحياة وتفشي مظاهر الاحباط وضعف الانتماء وينتج عن ذلك مشكلات أسرية وانحرافات سلوكية ومنها ما هو سياسي أمني يهدد استقرار المجتمع بانتشار الجرائم فيه.
جهود التصدي:
عندما ظهرت مشكلة البطالة بين الشباب طالبي العمل في المملكة، بدأت الدولة بالدعوة لسعودة وظائف الحكومة ودعوة القطاع الخاص لفتح المجال امام العمالة السعودية، واصدر قرار مجلس الوزراء برقم 50بتاريخ 1415/4/21هـ الذي يلزم جميع المؤسسات الخاصة التي تستخدم 20عاملا فأكثر ان تزيد العمالة السعودية بنسبة 5% سنويا. لكن تجارب الدول العربية في علاج ظاهرة البطالة تختلف حسب ظروف كل دولة وحجم الظاهرة بها، فالدول الخليجية مثلا لجأت إلى توطين العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية تدريجيا.
بالنسبة للمملكة فقد بدأت محاولات جادة لاحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة منذ عام 1975م، فيما عرف بعملية "السعودة"، من خلال ثلاث خطط خمسية بعد ان تزايدات ضغوط البطالة واعداد السعوديين الداخلين لسوق العمل.
وقد أكدت الخطط الخمسية الرابعة والخامسة والسادسة، على سياسة احلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة، لكن انجاح عملية السعودة تحتاج الى آليات غربلة لكل ما هو سائد وغير نافع على مستوى الأفكار والأفعال.
نحتاج إلى اعداد معلومات عن العمل وسوقه وعن فاعلية التدريب وعن إيجاد سياسة تعليمية تناسب متطلبات سوق العمل، نحتاج جميعا أن نقدر ولادة الشباب السعودي من جديد واحساسهم بالمسؤولية تجاه مجتمعه ونحتاج ان يقف الإعلام بوسائله ليدعم أي تحرك إيجابي نحو ان يبني هذا الوطن سواعد ابنائه ان التصدي لمشكلة البطالة لا تكمن في توفير الحكومة وظائف جديدة بل ان الحل يتبلور عن طريق تضافر جهود المواطنين لانجاح السعودة وزيادة معدلات نمو القطاع الخاص لاستيعاب السعوديين الوافدين على سوق العمل. وعلينا ألا نهمل ايدلوجية المجتمع وغلبة الأفكار التي تحقر من الانخراط في الأعمال اليدوية والفنية كما ان على المجتمع ان يعزز الثقة المفقودة بين ابنائه فيما يتعلق بقبول رب العمل السعودي للعامل أو الموظف السعودي كخطوة أولية مساندة للاقتصاد الوطني ولعل تجارب السعودة السابقة لمحلات بيع الخضار ومحلات الذهب تعطي مؤشرا إلى اننا بحاجة إلى زيادة الوعي بفاعلية السعودة وتأثيرها على اقتصادنا الوطني وبنية المجتمع.