السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ( حديث قطين ) كتبها الأديب مصطفى الرافعي . وهي قصة من الطراز الثقيل . تحمل معاني جميلة وتسمو بالفن الأدبي الرفيع .
البداية :
جاء في امتحان شهادة إتمام الدراسة الابتدائية لهذا العام ( 1934 هـ ) في موضوع الإنشاء ما يلي :
(( تقابل قطان : أحدهما سمين تبدو عليه آثار النعمة , و الآخر نحيف يدل منظره على سوء حاله ؛ فماذا يقولان إذا حدث كل منهما صاحَبه عن معيشته ؟ )) .
وقد حار التلاميذ الصغار فيما يضعون على لسان القطين , و لم يعرفوا كيف يوجهون الكلام بينهما , و إلى أي غاية ينصرف القول في محاورتهما ؛ وضاقوا جميعاً و هم أطفال ـــ أن تكون في رؤسهم عقول السنانير ؛ و أعياهم أن تنزلهم غرائزهم الطيبة في هذه المنزلة من البهيمية ومن عيشها خاصة , فيكتنهوا تدبير هذه القطاط لحياته , و ينفذوا إلى طبائعها , و يندمجوا في جلدها , و يأكلوا بأنيابها , و يمزقوا بمخالبها .
قال بعضهم : و سخطنا من أساتذتنا أشد السخط , و عيناهم بأقبح العيب كيف لم يعلمونا من قبل ـــ أن نكون حميراً , و خيلاً , و بغالاً , و ثيراناً , وقردة و خنازير , و فئراناً , و قططه , وما هب و دب , وما طار ودرج , وما مشى و انساح ؛ وكيف ــ ويحهم ــ لم يلقنونا مع العربية و الإنجليزية لغات النهيق , و الصهيل , و الشحيج , و الخوار , و ضحك القرد و قباع الخنزير , وكيف نصئ و نموء , و نلغظ لغظ الطير , ونفح فحيح الأفعى , ونكش كشيش الدبابات , إذا ما تيم به هذا العلم اللغوي الجليل , الذي تقوم به بلاغة البهائم و الطير و الحشرات و الهمج أشباهها ... ؟
وقال تلميذ خبيث لأستاذه : أما أنا فأوجزت و أعجزت . قال أستاذه : أجدت و أحسنت , و لله أنت ! و تالله لقد أصبت ! فماذا كتبت ؟ قال : كتبت هكذا : يقول السمين : ناو ناو ناو ... فيقول النحيف : نو ناو نو ... , فيرد عليه السمين : نو ناو ناو ... , فيغضب النحيف , و يكشر عن أسنانه , و يحرك ذيله و يصيح : نو نو نو ... , فيلطمه السمين و يخدشه ويصرخ : ناو ... فيثب عليه النحيف فيصطرعان , و تختلط ( النونوة ) لا يمتاز صوت من صوت , ولا يبين معنى عن معنى , و لا يمكن الفهم عنهما في هذه الحالة إلا بتعب شديد , بعد مراجعة قاموس القطاط ... ! قال الأستاذ : يا بني , بارك الله عليك ! لقد أبدعت الفن إبداعاً , فصنعت أكبر ما يصنع النوابغ , يظهر فنه بإظهار الطبيعة و إخفاء نفسه , و ما ينطق القط بلغتنا إلا معجزة لنبي , و لا نبي بعد محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ؛ فلا سبيل إلا ما حكيت و وصفت , وهو مذهب الواقع , و الواقع هو الجديد في الأدب ؛ و لقد أرادوك تلميذاً هراً , فكنت في إجابتك هراً أستاذاً , و وافقت السنانير و خالفت الناس , وحققت للممتحنين أرقى نظريات الفن العالي , فإن هذا الفن إنما هو في طريقة الموضوع الفنية , لا في تلفيق المواد لهذا الموضوع من هنا و هناك , ولو حفظوا حرمة الأدب و رعوا عهد الفن لأدركوا أن في أسطرك القليلة كلاماً طويلاً بارعاً في النادة و التهكم , و غرابة العبقرية , و جمالها و صدقها , وحسن تناولها , و إحكام تأديتها لما تؤدى ؛ ولكن ما لفرق يا بني بين < ناو > بالمد , و < نو > بغير المد .. ؟ قال التلميذ : هذا عند السنانير كالإشارات التلغرافية : شَرطة و نقطة .. وهكذا .
قال : يا بني , ولكن وزارة المعارف لا تقر هذا و لا تعرفه , و إنما يكون المصحح أستاذاً لا هراّ ... و الامتحان تحريري لا شفوي .
قال الخبيث : و أنا لم أكن هراً بل كنت إنساناً , و لكن الموضوع (( حديث قطين )) , و الحكم في مثل هذا لأهله القائمين به , لا المتكلفين له , المتطفلين عليه ؛ فإنهم خالفوني , فقلت لهم : اسألوا القطاط , أو لا بالقطين : السمين و النحيف , فليجمعوا بينهما , و ليحرشوهما , ثم لحضروا الرقباء هذا الامتحان , و ليكتبوا عنهما ما يسمعونه , و ليصفوا منهما ما يرونه , فوا الذي خلق السنانير و التلاميذ و الممتحنين و المصححين جميعاً ــ ما يزيد الهران على < نو , و ناو > , و لا يكون القول بينهما إلا من هذا , ولا يقع إلا ما وصفت , وما بد من المهارشة و المواثبة بما في طبيعة القوي و الضعيف , ثم فرار الضعيف مهزوماً , و ينتهي الامتحان !