العودة   منتديات الطرف > الواحات العامة > •» زوايـا عامـة «•




إضافة رد
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 29-10-2002, 08:05 AM   رقم المشاركة : 1
د. الخضاري
طرفاوي مشارك





افتراضي الحوار ووعي العروبة ..من الإرشاد الرسولي إلى وثيقة الحوار والعيش المشترك

الحوار ووعي العروبة ..من الإرشاد الرسولي إلى وثيقة الحوار والعيش المشترك
هاني فحص




كانت هناك مساوئ، تراكمت على مدى قرون من الحكم العثماني للعرب، ولم يكن من السهل اعتبار هذه المساوئ مجرد وقائع وتفاصيل يمكن علاجها بالنوايا الحسنة، بل كانت تذهب عميقا على مر السنين، في النهج العثماني، الذي ما لبث ان أوغل في عصبيته الطورانية العنصرية، فأغرى العرب او الزمهم باستشراف مستقبلهم على شرط الحرية والاستقلال، بعد احباط اطروحة الحريصين منهم، في الاستقلال الذاتي، ما جعل الفرضية المنطقية هي ان تكون لهم دولتهم القومية، بديلا لاختزالهم، بعيدا عن موجبات العدالة الاسلامية، في قومية او دولية قومية مغايرة ثم معادية. الا ان دخول الاستعمار على الخط، وضع حائلا دون تحقيق هذه النهاية المنطقية، وجعل العرب يخسرون مرتين، مرة في مصادرتهم من قبل العثمانيين بناء على ترجيحهم (العرب) للوحدة تحت الظل العثماني، ومرة في تجزئتهم الى دول قطرية، تحت ظل الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، ما أدى في المحصلة الى انقسامهم بين منزعين، منزع قومي، كان وما زال مشروعا اذا ما حقق شروط الانسانية والحضارية، اي القبول بالتعدد والتحديث الملائم، الا انه أدى في حالات عدة الى نوع من الاستقالة من الهم الوطني او القطري لصالح القومي؟ ومنزع قطري، كان ايضا وما زال مشروعا بشرط عدم الخلط بين السيادة والانعزال، ولكن أدى في حالات اخرى الى نوع من الاستقالة من الهم القومي لصالح الوطني او القطري؟
هذا الانقسام، كان يتساوق احيانا مع الانقسام الطبيعي الى مسلمين ومسيحيين من دون ان يكون متطابقا او مطابقا تماما للواقع.
وقد كان من شأن قيام الكيان العبري الغاصب، على حساب القطر الأشد حساسية في الوطن العربي: فلسطين، ان يدفع بتعبيرات ومظاهر هذا الانقسام الى الخلف او الهامش، لولا أنه كان من مستلزمات قيام هذا الكيان واستمراره، ان يحول دون تحقيق اي مستوى من مستويات الوحدة القومية او القطرية او الوطنية في البلاد العربية، منسجما في ذلك او مشاركا او منفذا لسياسة الاستعمار الاميركي الجديد، الذي نهض على نظرية الفراغ وتصدع العمارة الاستعمارية الاوروبية بعد الحرب الكونية الثانية.
هكذا، وعلى مدى الزمان الواصل بين النكبة 1948 والنكسة 1967 وما أعقبهما من توترات وصراعات، احتدم الصراع بين الكيانية الوطنية وبين القومية العربية، في حين كان المشروع القومي العربي السياسي، يعاني من هنّات منهجية، كان يمكن ان يسعى الى تفاديها، لولا انه تعرض لحصار شديد كان يهدف الى منعه من التبلور او تصحيح مستوياته النظرية ومسلكياته العملية.
واذا ما كانت هذه الفترة بأوصافها وشروطها، قد تنوعت سماتها ومحدداتها بين قطر عربي وآخر، سواء في مشهد الانقسام وأعماقه وطريقة التعامل معه، خاصة في سوريا الكبرى (بلاد الشام)، فكان الاحتلال المباشر سببا في مظهر وطني وقومي فلسطيني جامع للمسلمين والمسيحيين، وكان تصدي سوريا للشأن القومي، من اهم اسباب الاندماج بين مكونات الاجتماع السوري، الذي تأتي اشكالياته من حيثيات اخرى. وكان التحدي يتركز في لبنان، الذي انفجر مرات عدة، بتأثيرات خارجية مساعدة، وإن كانت مختلفة المناشئ والغايات، من الغاية الاسرائيلية في تصديعه كنموذج تعددي محرج لها، الى الغاية العربية عموما والسورية خصوصا، في حفظ وحدة لبنان لذاتها ولتداعياتها على الوضع العربي العام. الى ان كان اتفاق الطائف، نهاية للحرب ومحطة تاريخية على طريق وضع الاشكالية القطرية والعروبية، على طريق ومسار مختلفين، تكامليين، حيث ازداد وعي العروبيين بواقع الكيان وضرورته، وازداد وعي الكيانيين، إلا من جهل او تجاهل، بالعروبة كناظم اعظم وكضمانة حضارية محتملة ومتوقعة بشرط وعيها وعصرنتها واعادتها الى شروطها الانسانية، في مواجهة استحقاقات العولمة، التي تحولها الوحدة او التضامن العربي الى ايجابيات، وتحولها الصراعات والإلحاح على التجزئة والتقابل الحاد، الى سلبيات مطلقة.
واستمر الدور السوري بعد الطائف كما قبله على قناعة بأولوية وحدة لبنان، مفسحا في المجال لاسهامات نوعية في هذا المنحى. حتى كان الارشاد الرسولي ثمرة من ثمرات السينودس من اجل لبنان، وكأنه جاء ليقول: إن المرجعية الكاثوليكية المسكونية، ترى ان المؤشر اللبناني يتجه من الخارج الى الداخل، اي ان استقطابه داخلي لبناني، لا كما كان يتوهم البعض او يريد، من اتجاهه من الداخل نحو الخارج. ولعل هذه المسألة هي التي شجعت المسلمين في لبنان، على ان يتخففوا من بعض إلزامات مرجعياتهم الدينية في الخارج، او التزاماتهم تجاه هذه المرجعيات، اي من المستوى السياسي لهذه الالزامات او الالتزامات، من دون فصال حاد في الشأن الديني العام. وأسهم الارشاد الرسولي في تقصير المسافة نظريا، بعدما اكتشف وكشف قصرها واقعيا وميدانيا في لبنان، بعد تجربة الحرب والتوجه نحو السلم الاهلي ورفع العيش المشترك الى المستوى الدستوري في الطائف، وبعد الاحتلال الاسرائيلي والتوحد اللبناني على المقاومة وصولا الى التحرير كإنجاز وطني مشترك، قائم على عمقه العربي في دمشق مارّا منها الى الاعماق العربية والاسلامية.
وهكذا، كان من الطبيعي ان يجاهر الارشاد برؤيته للناظم العربي للبنان وغيره من الاقطار العربية التعددية المجتمعة تحت راية التوحيد الابراهيمي والخصوصية المشرقية في الانتماء الديني، انتماء اهل الينابيع الى مجاريها وتضاريسها وضفافها وأعماقها الروحية والثقافية، ما كان يعني للبنانيين انهم مكلفون دينيا ووطنيا بالاندماج، ليؤهّلوا بذلك انفسهم للاندماج في مشروع حضاري عربي، مقدمة للشراكة في المشروع الحضاري الكوني التعددي، الذي يمكن ان يؤنسن العولمة، ويهذب الاندفاعات الاميركية على طريق الاستقطاب الأحادي الاختزالي والالغائي، ويضع فلسطين في موقعها كشرط وجودي لهذا المشروع، من خلال اطروحة السلام العادل والشامل.
من هنا، كان تركيز الارشاد الرسولي على ضرورة الارتفاع بالتعدد في لبنان وفي الوطن العربي، من كونه واقعا مقبولا تسامحيا، الى اطروحة ومدخل الى حداثة عربية غير مقطوعة عن جذورها والتراكمات التي تداخلت فيها او التي ترتبت عليها، معتبرا ان هذه الحداثة لا بد من ان تتحقق، او لا يمكن ان تتحقق إلا من خلال العروبة كانتماء جامع، يحول الوحدة الى معادل موضوعي للتوحيد من دون الغاء للخصوصيات في اي مستوى من مستوياتها المكونة لأطراف المتعدد العربي.
في الصفحة 149 من كتاب الارشاد يقول: <<إن الكنيسة الكاثوليكية، منفتحة على الحوار والتعاون مع المسلمين في لبنان، وتريد ان تكون منفتحة على الحوار والتعاون مع مسلمي سائر البلدان العربية، ولبنان جزء لا يتجزأ منها، وفي الواقع ان مصيرا واحدا سيربط المسيحيين والمسلمين في لبنان وسائر بلدان المنطقة>>. وفي ص 150 يقول البابا: <<بودي ان أشدد بالنسبة الى مسيحيي لبنان على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنية مع العالم العربي وتوطيدها، وأدعوهم الى اعتبار انضوائهم الى الثقافة العربية، التي اسهموا فيها اسهاما كبيرا، موقعا مميزا، لكي يُقيموا هم وسائر مسيحيي البلدان العربية حوارا صادقا مع المسلمين... وعلاوة على ذلك قد يساعد الحوار والتعاون بين مسيحيي لبنان ومسلميه على تحقيق الخطوة ذاتها في بلدان اخرى>>... بهذا يضع الارشاد خطا تحت الملمح الرسالي للدور اللبناني، الذي لا تصح رؤيته على انه تشريف، بل هو تكليف يقتضي عناية مكثفة لانجازه وتجديده باستمرار.
قد لا نفتقر كثيرا الى النصوص والوقائع التي يمكن الاستناد اليها في مواجهة مساعي الولايات المتحدة في قسمة العالم الى مسلمين ومسيحيين، او الى عرب وغير عرب. ولكن صدور هذه الوثيقة قبل الحادي عشر من ايلول، وفر علينا كثيرا من العناء، لتجيء من بعد، وثيقة <<الحوار والعيش المشترك>> او <<الميثاق العربي الاسلامي المسيحي>> بعد الحادي عشر من ايلول (أقرت في 17 ك1 2001 في القاهرة) باكورة او تاجا للجهد المشترك والطويل الأمد للفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي.. وكأنها اي الوثيقة انتقال بالارشاد الرسولي من الاجمال الى التفصيل في ما يخص البعد العربي من المسألة. وتكمن اهميتها في انها جامعة لكل الحساسيات وكاشفة عن سعة المشترك رؤية وأفكارا وقيما ومخاوف واعتراضات واحتمالات، بين المسلمين بكل تنوعاتهم، والمسيحيين بكل تنوعاتهم، وان العروبة التي تستوعب الكيانات الوطنية وتتجاوزها من دون ان تتخطاها، هي الثابت المنتشر على مساحة اهتماماتها وهمومها، وان الوطنية غير المتنصلة من رحمها وذاكرتها وأنظمة مصالحها المتشابكة، هي اختبار للعروبة كانتماء ومكون.
جاء في مقدمة الوثيقة: <<ومن الشعور بضرورة العمل المشترك لمواجهة الهموم الداخلية والاخطار الخارجية التي تهدد ابناء الوطن العربي الواحد، مسلمين ومسيحيين، ومن إدراك وجوب تحالف اهل الايمان لأداء الواجب الذي يمليه عليهم اعتقادهم الديني نحو امتهم العربية، ووطنهم العربي، بالاسهام في تعزيز الوحدة الوطنية وتقوية الشعور بالانتماء الى وطن واحد يسع ابناءه جميعا.. تنادى عدد من الشخصيات العربية الخ>> ص22. وتكشف الوثيقة المستوى المركب للشراكة الثقافية والحضارية بين المسيحيين والمسلمين بقولها: <<والفريق العربي للحوار يرى: ان العمل من اجل توطيد العيش الواحد، ضرورة تمليها الهموم والاهداف الوطنية والاجتماعية الواحدة، والسياق التاريخي والحضاري الواحد، ووحدة المصير، وهي قضايا جوهرية جامعة، لا يختص بها طرف من دون آخر من حيث الواجبات والحقوق والنتائج، وان الاختلاف الديني لا يلغي الانتماء الواحد للحضارة العربية الاسلامية التي تشارك في صنعها المسيحيون والمسلمون جنبا الى جنب>>.
هذه ميزة المسيحي العربي الذي يدخل الاسلام في مكوناته، وميزة المسلم العربي الذي تدخل المسيحية في مكوناته.. واذا كان وعينا لهذه المعادلة قد اكتمل الآن، اي نحن المسلمين والكاثوليك والانجيليين العرب بكل تنوعاتنا، فإننا نشهد بأن الوعي الأرثوذكسي العربي لها كان مبكرا وكان أمثولة.
() ورقة مقدمة للقاء حواري عُقد في قصر البطريركية الارثوذكسية في دمشق بدعوة من <<غبطة>> البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم ومشاركة اعضاء مؤسّسين في الفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي وعدد من المسؤولين والمفكرين والأدباء والاعلاميين ورجال الدين السوريين في 18/9/2002.

 

 

 توقيع د. الخضاري :
أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله
د. الخضاري غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 01:17 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد