العودة   منتديات الطرف > الواحات العامة > الواحة السياسية




 
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 24-04-2004, 11:11 PM   رقم المشاركة : 1
إلياس
مشرف سابق






افتراضي

من أين يجب أن يبدأ
مشروع "الشرق الأوسط الكبير"؟

بقلم: د. شاكر النابلسي*



من أين يجب أن تبدأ أمريكا مشروعها السياسي الضخم المشترك مع الدول الصناعية السبع الكبرى، مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي سيطرح للنقاش في المؤتمر الذي سيُعقد في ولاية جورجيا الأمريكية في يونيو القادم؟

هل تبدأ به من فرضه من علٍ كأكبر قوة عسكرية واقتصادية وعلمية في التاريخ، أم يجب عليها أن تتحاور مع المنطقة طويلاً أولاً؟

إن العالم العربي المصاب بالنرجسية القومية والنرجسية الدينية، لن يسمح لأحد، لا أمريكا ولا أية دولة في العالم أن تفرض مشاريعها الاصلاحية عليه. فالعالم العربي الذي يردد منذ أكثر من ألف عام قول أبي فراس الحمداني: لنا الصدر دون العالمين أو القبر، ما زال يعتبر نفسه إلى الآن أنه مهد الحضارة، ومهد الرسالات السماوية، ومفتاح الوصل والاتصالات البرية والبحرية والجوية بين الشرق والغرب. وأنه ما زال يملك حضارة وعلماً كافيين لتعليم وتحضير العالم الذي يعيش في جاهلية جهلاء، وقيم نكراء، كما قال سيد قطب منذ أربعين عاماً ونيف.

ومنطق العالم العربي الآن وفي الماضي، يقول بأن الحضارة الأمريكية (حضارة الجينـز ورعاة البقر والهامبورجر والكوكاكولا والراب) كما يطلق عليها الأصوليون الدينيون والقوميون لن تستطيع أن تقدم اصلاحاً سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً. فأمريكا – كما يقول هؤلاء أنفسهم – لا تملك قيماً جديرة بأن يتمثّلها العالم الآخر، بقدر ما هي بحاجة إلى قيم العالم العربي والإسلامي لاتباعها والعمل بها!

وحيال هذا كله، ماذا يجب على أمريكا أن تفعل لكي ينجح مشروع "الشرق الأوسط الكبير"؟

عليها أن تقترب من العالم العربي كتلميذة لا كمعلمة، وكمستمعة لا كمُلقّنة، وعارضة لا كفارضة، ودارسة لا كخاتمة، ومحاورة لا كمُقررة، وراعية لا كسيّافة.

عليها أن تقول للعالم العربي المُكابر والمتعالي والمتغطرس بتاريخه وتراثه (بغض النظر عن قيمة هذا التاريخ وهذا التراث والدور الذي يلعبه الآن في الحضارة الإنسانية) لقد جئتُ لكي أتعلم منكم لا لأعلمكم، وجئتُ لكي افتح لكم طريقاً لا لأجبركم على السير في هذه الطريق. فإن راقت لكم فسيروا عليها، وإن لبّت مصالحكم فخذوا بها، وإن طابقت العقل والمنطق فاتبعوها. ولكن عليكم في نهاية المطاف أن تعلموا علم اليقين بأنكم لا تعيشون منعزلين في كوكب آخر، وفي عالم آخر أو أنكم تبحرون في قارب آخر. فإن اخطاءكم ومصائبكم وكوارثكم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافة تنعكس علينا وعلى العالم كله وتلحق بنا وبالعالم الضرر.

هل يجب على أمريكا أن تتحاور مع الحكومات العربية أم مع الشعوب العربية أم مع كليهما معاً في مشروع "الشرق الأوسط الكبير"؟

ومن هم المعنيّون بأمر مشروع "الشرق الأوسط الكبير"؟

هل هم حكام المنطقة، أم شعوب المنطقة، أم كلاهما معاً ؟


إن الغرب عامة يعلم أنه إذا استطاع بالآلة العسكرية أن يهدم نظاماً ديكتاتورياً عربياً كنظام صدام حسين، فلن يستطيع بالآلة نفسها أن يهدم كافة الأنظمة الديكتاتورية العربية الأخرى من حزبية وعسكرية وعشائرية. فمما ساعد أمريكا في حملتها على العراق أن النظام المخلوع هناك كان نظاماً مكروها من العرب عامة ومن الغرب أيضاً. ومن كان يحب هذا النظام من العرب والغرب كان بدافع مادي بحت كشفت عن جزء منه فضيحة (أصحاب الكوبونات) الذهبية والفضية والبرونزية. في حين أن معظم ما تبقى من الأنظمة الديكتاتورية العربية محتمل بالنسبة للمواطن العربي (حمّال الأسيّة)، فيما لو استجابت هذه الأنظمة للاصلاح العام. ومن هنا، وتقصيراً للمسافة، وتوفيراً للوقت والجهد كان على أمريكا أن لا تهمل الانظمة العربية القائمة. وأن تتفاهم معها مرة بالعصا، ومرة بالجزرة، ومرة ثالثة بالعصا والجزرة معاً.

والشعوب العربية لها أهمية قصوى في التفاهم من أجل اقامة مشروع "الشرق الأوسط الكبير". وعلى أمريكا أن تحاور هذه الشعوب، وتستطلع آراءها، وتجري احصائياتها اللازمة، بأن ترسل لها الرُسل من الجامعات والمعاهد الدراسية والسياسية لالقاء المحاضرات، واقامة الندوات، والتحاور مع زعماء الأحزاب، ومع النخب المثقفة، ومن هم دون النخب المثقفة، والاستماع إليهم ومجادلتهم، وتلمّس أنجع الطرق للوصول إلى تحقيق مشروع "الشرق الأوسط الكبير". أما الاعتماد على تقارير المخابرات الأمريكية، ومصادر المعارضة العربية كما تم الأمر في العراق، فسوف يوقع أمريكا في أخطاء جسيمة، كما سبق وأوقعها في العراق الآن، وسيجرّ على أمريكا خسارة مادية وبشرية، كان يمكن تجنبها بشيء من الحكمة والمعرفة الأكثر عمقاً بأحوال المنطقة.

إذن، حكام المنطقة وشعوب المنطقة متحدين، هم من يجب على أمريكا - راعية مشروع "الشرق الأوسط الكبير" - أن تتحدث معهم، وتستمع إليهم بعناية، حتى يكون مشروع "الشرق الأوسط الكبير" في النهاية مشروعاً عربياً برعاية أمريكية وأوروبية، وليس مشروعاً أمريكياً – أوروبياً بلغة عربية!


من أي نقطة يجب أن تبدأ أمريكا مشروع الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي العربي؟

مشكلة أمريكا في الشرق الأوسط تتلخص بأن لا أذان عربية لها تسمع، ولا عيون عربية لها تقشع. وأن لا مشروع أمريكياً ناجحاً في الشرق الأوسط يمكن له أن يتحقق ما لم توفر أمريكا مسبقاً الآذان العربية التي تسمع، والعيون العربية التي تقشع، وإلا فستكون كمن يصرخ في واد، وينفخ في رماد!

فكيف يتم ذلك؟

أمريكا تعلم تمام العلم، بأن المشكلة الفلسطينية هي جرح العرب الدامي، وهي مبكى العرب اليومي. وكان على أمريكا قبل أن تفكر بالاطاحة بالنظام الديكتاتوري العراقي المنهار أن تفكر في حل المشكلة الفلسطينية التي هي مفتاح كل الحلول العربية الأخرى في المنطقة. ولو فعلت ذلك لكان العراق طريق الحرير إلى الديمقراطية العربية عامة التي تسعى اليها امريكا الآن.

كان على أمريكا أن تطيح بالقيادة الفلسطينية الحالية، ليس بقوة السلاح ولكن بالديبلوماسية والمال والعلم والثقافة. وتستبدلها بقيادة شابة ذات منهج حداثي سياسي معاصر، يستطيع أن يتكلم بلغة السياسة الحديثة اليوم، وليس بلغة السياسة التي كانت سائدة في عصر "داحس والغبراء". كان عليها أن تُهيء سياسيين من قماشة محمود عباس الذي كان يردد بأن "الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي صراع سياسي ويجب أن يُحلَّ سياسياً." ولا تترك القيادة الفلسطينية لشلة ضالة من المفسدين والسارقين والناهبين للمال الفلسطيني، حيث أكد مصدر في صندوق النقد الدولي للاتحاد الأوروبي "أن الميزانية الفلسطينية تحيطها الشبهات, وأن هناك تلاعباً في أموال الدعم, حيث رصد الصندوق في سبتمبر من العام الماضي قيام ياسر عرفات بتحويل مبالغ من ميزانية السلطة إلى حساباته الشخصية بطرق غير شرعية"، مما اضطر الاتحاد الأوروبي إلى التفكير مؤخراً في وقف المساعدات المالية التي تُعطى الآن للسلطة الفلسطينية (330 مليون يورو) على إثر فضيحة "سُهى يورو" وهي الفضيحة التي نشرها البنك المركزي الفرنسي للملايين (تسعة ملايين يورو) التي تتدفق على حسابات سُهى عرفات في فرنسا، والتي دافع عنها مؤخراً رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع في بروكسل، وقريع هو المتهم نفسه وعائلته بامتلاك "مصنع باطون القدس" الذي كان يزوّد بناء المستعمرات الاسرائيلية بالاسمنت، ويزوّد الآن الجدار الفاصل بالاسمنت كذلك إلى جانب بناء المستعمرات، كما قالت القناة العاشرة في التلفزيون الاسرائيلي، وقدمت برنامجاً موثقاً حول هذه الموضوع، وفتح المجلس التشريعي الفلسطيني مؤخراً تحقيقاً في هذه الفضيحة.

نعم، كان على أمريكا أن تبدأ مشروع "الشرق الأوسط الكبير" من فلسطين وليس من العراق كما فعلت.

فقد كان ياسر عرفات أكثر ديكتاتورية من صدام حسين. وأكثر أُميّة سياسية من صدام. وقد أساء إلى فلسطين أكثر مما أساء صدام إلى العراق، ونهب (نسبياً) من فلسطين أكثر مما نهب صدام من العراق. وكان سبباً في ظهور الفصائل الدينية الفلسطينية المسلحة. وأساء إلى سمعة أمريكا في الشرق الأوسط أكثر مما أساء لها صدام.

وأمريكا وقد ارتكبت خطأ في العراق، عليها أن لا تكرره مرة أخرى، فلا تبدأ مشروع "الشرق الأوسط الكبير" من جديد من سوريا أو من ليبيا أو من ايران أو من غيرها من الدول المحتملة، بل من فلسطين.

وبدون ذلك، فلن تجد أمريكا لها آذاناً عربية تسمع ولا عيون عربية تقشع، حتى ولو جاءت للعرب بالشمس في يمينها وبالقمر في شمالها.

<span style='color:blue'><div align="center">*كاتب ومفكر أُردني.</div></span>

 

 

 توقيع إلياس :
يـقِـيني بالله يـقِـيني
إلياس غير متصل  
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 04:43 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد