الإمام الحسن يعرفنا سبب صلحه مع طاغية زمانه :
يا طيب : قد يقال : لماذا صالح الإمام الحسن عليه السلام مع كون له جيش معد ، وثار الإمام الحسين وضحى بكل شيء ولم يكن معه جيش?
فإنه يقال : قد عرفنا إن الإمام يعمل بأمر الله سبحانه وتعالى ، وبما علمه رسول الله وبينه له عن الله سبحانه وتعالى ، ويعلم ويعمل بما به المصلحة التامة للمسلمين على طول التأريخ ، والله أعلم بما به يتم الإخلاص له ممن يطلبه بحق لا عن تقليد ، والله يختبر عباده فيحب من يطلبه بجد ويجاهد بمعرفته وبمعرفة الصراط المستقيم للمنعم عليهم بهداه سواء ملكوا الدنيا أو كانوا مستضعفين ، ولا يطالبهم بما لهم من الدنيا حين يحكموا فقط ، بل يجب على المؤمن الطالب لهدى الله أن يطلب المخلصين له من أولياءه الذين أختارهم لدينه أئمة وولاة لأمره فيهم ، واصطفاهم لتبليغ رسالته بكل حال .
ثم إن الناس كانوا : حديثي عهد بالإسلام ، وكانوا خاضوا حروب قد أتعبتهم ، وكانوا لا يرون فرقا بين أن يحكم بني هاشم أو بين أمية أو تيم أعدي أو غيرهم ، ولم يتكون لهم العلم التام بمعرفة تعاليم الإسلام بأن الإمام يجب أن يكون مختار مصطفى من الله سبحانه ، وبه يقام العدل والصلاح ، وفي كل مرة يثور المسلمين لتصليح ما يفسده الحكام كما بعد النبي حتى عثمان فقتلوه نتيجة لعدم عدله ، ولكن المنازعة بين الحق والباطل تامة باقية فقتل الإمام علي عليه السلام من قبل المنافقين والضالين لإخلاصه ولعدله و القسمة بالسوية بين المسلمين ، وفرق بين الطرفين .
وفي زمن الإمام الحسن عليه السلام : فإن معاوية كان حاكم على الشام بمدة عشرون سنة قبله من قبل الحكام السابقين ، وإنه كان له الأموال التي أغرى بها أهل الكوفة وما حولها وأشترى الناس ، وبهذا فرقهم عن الإمام الحسن عليه السلام ، وكان أغلب جيشه ظاهرهم معه ، ولكن قلوبهم وفكرهم مع مال معاوية ، وكل منهم بالخصوص كبرائهم يتمنى أن يتصل به معاوية فيوصله بمال كثير ، وقد اشترى معاوية قائد جيش الإمام الحسن بمأتي ألف دينار نصفها أعطاها له حاضرا ، فأصبح جيش الإمام الحسن عليه السلام وقائده عند معاوية وعلى بلاطه ، وتفرق جيشه قبل الحرب ، بل طعن عليه السلام بفخذه من قبل المنافقين ، وبعضهم بل كثير منهم اتصلوا بمعاوية يقولون له نسلمك الحسن بن علي على قليل من المال ، ولهذا عرف الإمام الحسن عليه السلام الخيانة من قومه ، فصالح معاوية على شروط بأن يرجع الخلافة له بعده ، وأن لا يعتدي على محبي الإمام علي عليه السلام ، وكثير من الشروط كانت في وثيقة الصلح ، ومعاوية لم يفي له ولم يفي لأهل الكوفة بل سخر منهم بعده .
ولهذا كاتبوا : أهل الكوفة الإمام الحسين عليه السلام ، وطلبوا منه الإقدام لكي يقيم العدل ويصلح ما فسد منهم من فكرهم ودينهم وكل خيانتهم ، ولكنهم قسم منهم بل أغلبهم لم يفي للإمام الحسين ، وقسم كثير منهم اشتراهم حاكم يزيد على الكوفة حيث قسم بينهم الأموال وواعدهم على العطاء الكثير ، فتمت الخيانة الثانية .
والإمام الحسين عليه السلام : لم يسعه الصلح لأنه بصلحه لابد أن يقر بالخلافة دائما لبني أمية ، ولا يحق لأحد أن ينازعهم خلافة الله على المسلمين حتى ولو كانوا مفسدين يحثون الناس على الغناء والخمر والزنا والفساد وكل شيء مخالف لدين الله .
وكما كان فرق بين معاوية ويزيد : فإنه كان معاوية متستر بفساده وفسقه ، ويزيد كان مجاهرا يسخر بالإسلام وأهله ، ولذا كان على الإمام الحسين عليه السلام أن يثور حتى لو كلف الأمر حياته وآله وكل ما يملك ، ولذا أمره الله سبحانه والعالم بكل شيء أن ينهض ويثور ، وأمر الإمام الحسن أن يصالح حتى يعرف الناس ظلم الحكام من بني أمية فينهضوا مع أخيه فيه حينه .
ولمعرفة هذا المعنى : سواء أنه بعلم الله وتعليمه ، أو بما تؤيده الظروف وأحوال الناس والحكام في زمانهم ، نتدبر كلام الإمام الحسن عليه السلام ، نعرف أن كل ما يعمله أئمة الحق هو بأمر الله سبحانه ، وبما به صلاح الدين والمؤمنين إلى يوم الدين .