وصيّة الإمام ((عليه السلام)) :
ومضى سمّ السيف بأثره في جسد الإمام ((عليه السلام)) فأيقن برحيله الى الرفيق الأعلى، عهد عهده الى أهل بيته واُمّته، وكان أول ما عهد بالإمامة الى ولده الإمام الحسن ((عليه السلام)) لمواصلة المسيرة ورعاية شؤون الرسالة الإسلامية والاُمّة وأشهد على ذلك الحسين ((عليه السلام)) ومحمّداً وعدداً من الصحابة المخلصين، ثمّ دفع إليه الكتب التي فيها العلم الذي توارثه عن رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) وسلاحه، وقال له: «يا بني، أمرني رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) أن اُوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليّ رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم))... ثمَّ قال: يا بني، أنت وليّ الدم فإن عفوت فلك وإن قُتلت فضربة مكان ضربة»(3).
كما أوصى الإمام ((عليه السلام)) ولديه الحسن والحسين ((عليهما السلام)) وجميع أهل البيت بوصايا عامّة فقال:
«اُوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء ممّا زوي عنكما، وقولا للحقّ واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، واعملا بما في الكتاب، ولا تأخذكما في الله لومة لائم»(1).
ولم يمهل الجرح بأمير المؤمنين طويلاً رغم شدّته وعظيم وقعته، فقد دنا الأجل المحتوم، وكان آخر ما نطق به قوله تعالى: (لمثل هذا فليعمل العاملون) ثمّ فاضت روحه الطاهرة الى جنّة المأوى.
دفن وتأبين الإمام ((عليه السلام)) :
نهض الإمامان الحسن والحسين ((عليهما السلام)) بتجهيز أمير المؤمنين وما يترتّب عليهما من إجراءات الدفن من غسل وتكفين، ثمّ صلى الإمام الحسن ((عليه السلام)) على أبيه ومعه ثلّة من أهل بيته وأصحابه، ثمّ حملوا الجثمان الطاهر الى مثواه الأخير، فدفن في النجف قريباً من الكوفة، وتمّت كلّ الإجراءات ليلاً(2).
ثمّ وقف صعصعة بن صوحان يؤبّن الإمام ((عليه السلام)) فقال:
هنيئاً لك يا أبا الحسن، فلقد طاب مولدك، وقوي صبرك، وعظم جهادك، وظفرت برأيك، وربحت تجارتك، وقدمتَ على خالقك فتلقّاك الله ببشارته وحفّتك ملائكته، واستقررتَ في جوار المصطفى فأكرمك الله بجواره، ولحقتَ بدرجة أخيك المصطفى، وشربت بكأسه الأوفى، فأسأل الله أن يمنَّ علينا بإقتفائنا أثرك، والعمل بسيرتك، والموالاة لأوليائك، والمعاداة لأعدائك، وأن يحشرنا في زمرة أوليائك، فقد نلتَ ما لم ينله أحد، وأدركت ما لم يُدركه أحد، وجاهدت في سبيل ربّك بين يدي أخيك المصطفى حقّ جهاده، وقمت بدين الله حقّ القيام، حتى أقمتَ السنن وأبرتَ الفتن واستقام الإسلام وانتظم الإيمان، فعليك منّي أفضل الصّلاة والسّلام.
ثمّ قال: لقد شرّف الله مقامك، وكنت أقرب الناس إلى رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)) نسباً، وأوّلهم إسلاماً، وأوفاهم يقيناً، وأشدّهم قلباً، وأبذلهم لنفسه مجاهداً، وأعظمهم في الخير نصيباً، فلا حرمنا أجرك، ولا أذلّنا بعدك، فوالله لقد كانت حياتك مفاتح الخير ومغالق الشر، وإنّ يومك هذا مفتاح كلّ شر ومغلاق كلّ خير، ولو أنّ الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنّهم آثروا الدنيا على الآخرة(1).
المصدر : المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
الفصل الخامس علي عليه السلام شهيد المحراب