الحلقة 16
التوحيد وأقسامه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم
مازال الحديث مستمراً حول التوحيد في الصفات
النقطة الثانية: معنى التوحيد في الصفات:-
" حينما نقول : إنّ توحيد الصفات هو فرع من فروع التوحيد فإنّ مفهومه هو : كما أنّ ذات الله عزّوجلّ أزلية وأبدية فانّ صفاته كالعلم والقدرة وأمثالها أزلية وأبدية أيضاً ، هذا من جهة ، ومن جهة اُخرى ، هذه الصفات ليست زائدة على ذاته فلا يوجد فيها عارض ومعروض بل هي عين ذاته .
ومن جهة ثالثة لا تفصل الصفات عن بعضها ، أي أنّ علمه وقدرته شيء واحد والإثنان عين ذاته !
بيان : عندما نراجع أنفسنا نرى أنّنا كنّا نفقد الكثير من الصفات ، فلم نملك حين الولادة علماً ولا قدرة ، ولكن هذه الصفات نمت فينا تدريجيّاً ، ولذا نقول: إنّ هذه اُمور زائدة على ذواتنا ، ولذا يمكن أن يمرّ بنا اليوم الذي نفقد فيه القوّة العضلية والعلوم والأفكار التي نملكها ونرى بوضوح أيضاً إنّ علمنا وقدرتنا منفصلتان ، فالقدرة الجسمية في عضلاتنا ولكن العلم موجود في الروح !
ولا يتصوّر في الله أي معنى من هذه المعاني ، فذاته كلّها علم وقدرة وكلّ شيء في ذاته واحد ، ونسلّم طبعاً بأنّ تصوّر هذه المعاني ـ بالنسبة لنا نظراً لفقداننا لهذه الصفة ـ معقّد وغير مألوف ولا سبيل إليه إلاّ قوّة المنطق والإستدلال الدقيق واللطيف" ( نفحات القرآن ج3 – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي) .
النقطة الثالثة: أدلة التوحيد في الصفات العقلية والنقلية:-
الأدلة العقلية:-
1- " ثبت في الأبحاث السابقة أنّ الله غير متناه من جميع الجهات ولذا لا توجد خارج ذاته أيّة صفة كمال ، فكلّ ما يوجد مجموع في ذاته ، وعندما نرى أنّ صفاتنا حادثة أو أنّها غير ذاتها فإنّ السبب هو أنّنا موجودات محدودة ، ولهذه المحدودية تكون الأوصاف والكمالات خارج ذواتنا وهي ممّا نكتسبها أحياناً ، أمّا ذات الله وهو الكمال المطلق فأي صفة يمكن تصوّرها خارج ذاته المقدّسة؟" ( نفحات القرآن ج3 – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي) .
2 ـ " لو قلنا بأنّ صفاته مضافة إلى ذاته أو اعتقدنا بأنّ صفاته كالعلم والقدرة منفصلة عنه فإنّ النتيجة هي التركيب ( تركيب من الجوهر والعرض بل عوارض متعدّدة ) في حين ثبت مسبقاً أنّه لا سبيل لأي تركيب في ذاته خارجياً أو عقليّاً .
وقد أشار أمير المؤمنين ( (عليه السلام) ) إلى هذا المضمون في الخطبة الاُولى من نهج البلاغة بعبارة جميلة جدّاً في باب توحيد الصفات :
« وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله » " ( نفحات القرآن ج3 – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي) .
3- " إنّ « الصفات والذات » في الممكنات وإن كانت تتمتع بنوع من الاتحاد في كل الموارد ولكن كيفية الاتحاد في مورد « الصفات والذات الإلهية » تختلف عن الاتحاد في الممكنات.
فإنّ علم زيد وإن كان متحداً مع ذاته بنوع من الاتحاد ولكن علمه لا يتحد مع ذاته في جميع مراحلها ، بل يتحد معها في بعض مراحل الذات ، بدليل أنّ زيداً كان في مجتمعه - ذات يوم ـ ولم يكن معه ذلك العلم فكانت الذات متحققة ولم يكن العلم معها ، وهذا يشعر بأنّ ذاته أي ما به يكون زيد ، زيداً غير علمه ، وهذا يشعر بأنّ ذاك الاتحاد ليس بمنزلة يجعل الصفات في مرتبة حقيقته وذاته.
وبعبارة أُخرى فإنّ ملاك إنسانية زيد والعناصر المكونة لذاته هي ما يوجد في الآخرين سواء بسواء فإنّ ملاك الإنسانية ، والعناصر المكونة لحقيقة الأفراد الآخرين هي « الحيوانية والناطقية » التي تتكون منهما ذات زيد ، أما « علمه » فما هو إلاّ « حلية » توَّجت إنسانيته ، وزينتها ، وفضلتها على الآخرين ، ولتوضيح الحقيقة نفترض « بناء » قد تم وبقي طلاؤه الذي يطلى به ظواهر البناء وخارجه وأبوابه وجدرانه.
وفي هذه الصورة ، فإنّ كل ما ينقش على جدران هذا البناء ، يضيف إلى جمال البناء جمالاً إضافياً ، لكن هذا الطلاء رغم أنّه ليس منفصلاً عن البناء وجدرانه وأبوابه ، إلاّ أنّه لا يشكل حقيقة البناء ، لأنّ العناصر والمواد المنشئة لذلك البناء هي الحديد والاسمنت والجص والآجر ، وليست الأصباغ والطلاء.
وعلى هذا فإنّ اتحاد الأبواب والجدران مع الطلاء (عندما نقول الجدار أزرق) لا يعني أنّ اللون جزء من واقعيته وذاته ، بل غاية ما في الأمر أنّ الألوان قد اتحدت بظاهر الجدار لا أنّها اتحدت بذاته وحقيقته ، وعلى هذا النمط يكون بياض الصدف وحمرة التفاح وصفرة الليمون ، كما أنّ على غرار هذا يكون اتحاد علم زيد بذاته.
على هذا فالمقصود من « وحدة صفات اللّه مع ذاته » ليس على هذا النمط من الاتحاد بل وحدة آكد وأشد بمعنى أنّ « صفات اللّه تؤلِّف ذاته » سبحانه فهي « عين » ذاته وليست عارضة عليها ، وبالتالي ليس يعني ، أنّ ذاته شيء وصفاته شيء آخر ، بل صفاته هي ذاته وحقيقته ، فعلم الإنسان بشيء إنّما هو بعلم زائد على ذاته فهو بالعلم الزائد يطّلع على ما هو خارج عن ذاته فيدرك المرئيات والمسموعات عن طريق « الصور الذهنية » التي تدخل إلى الذهن بواسطة الحواس الخمس ، وإذا أخذت منه هذه « الصور الذهنية » لم يعد قادراً على درك ما هو خارج عن ذاته ولكنه يحتفظ بذاته مع فقد علمه ، وبما أنّ ذات اللّه عين علمه ، وليس العلم بزائد على ذاته ، فهو تعالى يدرك جميع المبصرات والمسموعات بنفس ذاته بحيث يكون فرض سلب العلم والقدرة عنه تعالى مساوياً لفرض نفي ذاته.
وعلى هذا فالمقصود من « اتحاد صفات اللّه مع ذاته » هو عينية الصفات للذات في عامة مراحلها ، وكون العلم الإلهي عين الذات الإلهية ، وكذا القدرة والحياة ، وغيرها من صفات الذات فهي عين ذاته سبحانه ، لا أنّ الذات شيء وحقيقة مستقلة ، والصفات حقائق طارئة على الذات وعارضة لها " ( مفاهيم القرآن ج1 – الشيخ جعفر السبحاني ).
الأدلة النقلية:-
1- قال أمير المؤمنين: (وَكَمَالُ الإِخْلاصِ له نَفْيُ الصِفاتِ (الزائدة) عَنْهُ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَة أنّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أنّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللّهَ (أي بوصف زائد على ذاته) فَقَدْ قَرَنَهُ (أي قرن ذاته بشيء غيرها) وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنّاهُ، وَمَنْ ثَنّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ) ( الإلهيات على هدى الكتاب والسنة ج2- الشيخ جعفر السبحاني ، نقلاً عن نهج البلاغة ، الخطبة الأولى).
2- " الإمام علي (عليه السلام): أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده
نفي التشبيه عنه، جل عن أن تحله الصفات؛ لشهادة العقول أن كل من حلته
الصفات مصنوع، وشهادة العقول أنه - جل جلاله - صانع ليس بمصنوع.
بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالنظر تثبت حجته. جعل
الخلق دليلا عليه، فكشف به عن ربوبيته. هو الواحد الفرد في أزليته، لا
شريك له في إلهيته، ولا ند له في ربوبيته، بمضادته بين الأشياء المتضادة
علم أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور المقترنة علم أن لا قرين له " ( موسوعة العقائد الإسلامية ج3 – محمد الريشهري ، نقلاً عن الإرشاد، الاحتجاج وبحار الأنوار).
3-"عن الإمام الصادق (عليه السلام) - لزنديق حين سأله: أتقول: إنه سميع بصير؟ -: هو سميع بصير،
سميع بغير جارحة وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه، وليس قولي: " إنه سميع بنفسه " أنه شيء والنفس شيء آخر، ولكني أردت عبارة
عن نفسي إذ كنت مسؤولا، وإفهاما لك إذ كنت سائلا، فأقول: يسمع بكله
لا أن كله له بعض؛ لان الكل لنا (له) بعض، ولكن أردت إفهامك والتعبير
عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك كله إلا أنه السميع البصير، العالم
الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف معنى" ( موسوعة العقائد الإسلامية ج3 – محمد الريشهري ، نقلاً عن الكافي، التوحيد وبحار الأنوار).
4-"عن الحسين بن خالد: سمعت الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) يقول:
لم يزل الله - تبارك وتعالى - عليما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا.
فقلت له: يا بن رسول الله، إن قوما يقولون: إنه عز وجل لم يزل عالما بعلم،
وقادرا بقدرة، وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر.
فقال (عليه السلام): من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس
من ولايتنا على شيء.
ثم قال (عليه السلام): لم يزل الله عز وجل عليما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا لذاته،
تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علوا كبيرا" ( موسوعة العقائد الإسلامية ج3 – محمد الريشهري ، نقلاً عن التوحيد والأمالي للصدوق،عيون أخبار الرضا ،الاحتجاج وبحار الأنوار).
إلى هنا وصلتُ معكم إلى نهاية هذه الحلقة .
وفقكم الله