الحلقة 15
التوحيد وأقسامه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم
كان الكلام في الحلقة الماضية حول الآراء المختلفة لعلماء الإسلام في صفات الله عز اسمه ، وذكرتُ لكم رأيين وبقي رأيان آخران ، وهما محور الحديث في هذه الحلقة.
ج- نفي الصفات ونيابة الذات عنها: وتتبنى هذا الرأي فرقة المعتزلة، "وهي فرقة كلامية من أهل السنّة، ظهرت في بداية القرن الثاني الهجري، واعتمدت على العقل في تأسيس عقائدها، وتميزت بثرائها الفكري، والعلمي وأطلقت عليها مسميات متعددة كالعدلية، والموحدة، والمفوضة، والقدرية، والمعطلة وغيرها" ( شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام)، حيث يرون " خلوّ الذات عن الصفات ولكن تنوب الذات مكان الصفات في الآثار المطلوبة منها ، وذلك لأنّهم رأوا أنّ الأمر في أوصافه سبحانه يدور بين محذورين.
1 ـ لو قلنا بأنّ له سبحانه صفات كالعلم ، وجب الاعتراف بالتعدد و الإثنينية ، لأنّ واقع الصفات هو المغايرة للموصوف .
2 ـ إنّ نفي العلم والقدرة و سائر الصفات الكمالية يستلزم النقص في ذاته أولاً ويكذبه اتقان آثاره وأفعاله ثانياً.
فالمخلَص والفر من هذين المحذورين يتلخّص عندهم في انتخاب نظرية النيابة ، وهي القول بأنّ الذات نائبة مناب الصفات ، و إنّ لم تكن هناك واقعية للصفات وراء الذات ، فما يترقب من الذات المقرونة بالصفة ، يترتب على تلك الذات النائبة مقامها " (مذاهب إسلامية - موقع شبكة عقيدتي ).
ويرد على هذا الرأي بما يلي:-
"مناقشة هذا الرأي تتم على مستويين، هما:
المستوى الكلامي: عند الرجوع إلى الآيات والروايات فيما تصف به الله سبحانه من أنّه حيّ، عليم، سميع، بصير، مريد، متكلِّم، فإنّها تبغي من وراء ذلك أنّ تثبت لله هذه الصفات حقيقة. ففي صفة العلم يصرّح القرآن الكريم أنّ الله عالم حقيقة لا أنّ فعله فعل العالم.
إذا ما ابتغى هؤلاء صرف هذا الظهور القرآنيّ خلافاً لما هو عليه، فلابدّ من وجود دليل يثبت استحالة أن يكون الله عالماً. فإذا أثبت الدليل استحالة أن يكون عالماً متّصفاً بصفة العلم، فعندئذ يصار إلى توجيه هذه الظواهر. لكن لما لم يكن ثَمَّ وجود لهذه الاستحالة ـ وإن تصوّر هؤلاء خلاف ذلك ـ فإنّ الظواهر تجري على حالها.
المستوى العقلي: ينطلق من السؤال عن الصفات الذاتية هذه وهل هي صفات كمال؟ لنأخذ العلم كمثال: فهل العلم صفة كمال؟ إذا لم يكن صفة كمال فهو منفيٌّ عن الواجب أساساً. أمّا إذا ثبت أنّ العلم صفة كمال وقلنا بسلبه عن الواجب سبحانه فمعناه أنّه اتصف بنقيضه، وهو أنّه ليس بعالم وإن كان فعله فعل العالم. وهذا محال.
يقول السيد الطباطبائي: «وأمّا القول الرابع المنسوب إلى المعتزلة، وهو نيابة الذات عن الصفات، ففيه: أنّ لازمه فقدان الذات للكمال، وهي فيّاضة لكلّ كمال، وهو محال» (نهاية الحكمة، مصدر سابق، ص28 ) .إذن لا الدليل النقلي ولا الدليل العقلي ينهضان بتأييد نظرية المعتزلة في الصفا" (التوحيد بحوث تحليلية في مراتبه ومعطياته تقريراً لدروس السيد كمال الحيدرى -جواد علي كسار ،الجزء الأول).
د- صفات الله عين ذاته: ويتبنى هذا الرأي الشيعة الإمامية ، حيث يذكر السيد كمال الحيدري أنه " بعد أن ثبت أنّ الله سبحانه بسيط حقيقةً، وواحد حقيقةً، وأن وحدته غير عددية، سيثبت أنّه لابدّ أن يكون واجداً لكلّ صفة كمال في مقام الذات لئلاّ يكون مركّباً من وجدان وفقدان، ولابدَّ أن تكون هذه الصفات عين الذات حتّى لا يلزم أن تكون الوحدة وحدة عددية" (التوحيد بحوث تحليلية في مراتبه ومعطياته تقريراً لدروس السيد كمال الحيدرى -جواد علي كسار ،الجزء الأول).
وهذا الرأي هو رأي علماء المذهب ، والذي سوف يتم تناوله بالتفصيل في الحلقات القادمة.
وفقكم الله لمرضاته