عرض مشاركة واحدة
قديم 03-06-2011, 02:18 PM   رقم المشاركة : 54
طالب الغفران
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية طالب الغفران
 







افتراضي الحلقة 13

الحلقة 13

التوحيد وأقسامه

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم

انتهيتُ معكم من الحديث حول المعنى الأول للتوحيد الذاتي وهو التوحيد الذاتي الواحدي، والآن حان الوقت للحديث حول المعنى الآخر للتوحيد الذاتي وهو التوحيد الذاتي الأحدي.

المعنى الثاني: أنّ ذاته تعالى بسيطة ومنزهة عن أي نوع من أنواع التركيب ، والكثرة العقلية ، والخارجية، وهو ما يسمى بالتوحيد الأحدي.

سوف أنقل لكم تفاصيل هذه الحلقة كاملةً ً من كتاب التوحيد لآية الله السيد كمال الحيدري – أدام الله بقاءه- .

ذكر السيد الحيدري حول موضوع التوحيد الأحدي عدة نقاط وهي كالتالي - مع بعض الاختصار- :-

النقطة الأولى: ضروب التركيب (أقسام التركيب ) :-

ذكر سماحته أن للتركيب عدة أقسام واختار الحديث عن قسمين فقط وهما: التركيب الخارجي والتركيب الذهني أو العقلي.

أ‌-التركيب الخارجي:ذكر السيد بعض الأمثلة للتعريف بهذا القسم من التركيب .

عند تحليل الماء لمعرفة عناصره نجده مركّباً من مادّتي الأوكسجين والهيدروجين، وكذلك الحال بالنسبة لأيّ مركّب كيميائي آخر. هذه الحالة هي التي يُطلَق عليها التركيب الخارجي، حيث ينطوي الشيء على التعدّد في الواقع الخارجي.
من أمثلة التركيب الخارجي من حيث المثال العرفيّ اللون على الجدار، إذ هو يتألّف من موصوف هو الجسم، ومن صفة له غير الجدار هي البياض.

ب‌-التركيب الذهني أو العقلي: يقول سماحته حول هذا القسم من التركيب:

في هذا الضرب من التركيب ليس هناك اثنينية في الواقع الخارجي كما عليه الحال في التركيب الخارجي، وإنّما يتميّز التركيب بحسب التحليل العقلي وتبعاً لمختبر الذهن لا المختبر الكيميائي.
مثاله «الإنسان» كمحمّد وعلي، فهذا الإنسان يشير في واقعه الخارجي إلى حقيقة واحدة، بيدَ أنّ هذه الحقيقة عندما تأتي إلى الذهن يمارس عليها العقل عملية تحليل وتجزئة، فيحدّد العناصر المشتركة التي تجمعه مع موجودات أخرى ليميّزها عمّا يختصّ به هذا الموجود.
فهذا الإنسان الخارجي الذي هو محمد مثلاً، يتألّف من جسم، ولكن الجسمية ليست خاصّة به بل هي داخلة في الموجودات الأخرى. هو يتّصف بالنمو والحركة بيدَ أنّ هذين الاثنين لا يختصّان به بل يدخلان في نطاق العناصر المشتركة التي تجمعه مع الموجودات الأخرى.

وفي التحليل العقلي ذاته يرسو الذهن على مواصفات تميّز هذا الإنسان عن غيره ويختصّ بها دون بقيّة الموجودات. فبهذه المواصفات يتميّز هذا الإنسان عن باقي أفراد النوع، وعن بقيّة الأنواع التي تدخل تحت جنس واحد.
عندما ننظر إلى محمد وعلي فهذان فردان، ولكنّهما يدخلان تحت حقيقة واحدة يعبَّر عنها بالإنسان، فالإنسان نوع وهذان فردان لذلك النوع. أمّا إذا وضعنا اليد على الإنسان بمختلف أفراده وأصنافه وطبقاته، ووضعنا أيدينا على الغنم فنجد أنّ هذين النوعين مشتركان في حقيقة واحدة، هي التي يعبَّر عنها اصطلاحاً بـ «الجنس». فالجنس هو الجهة المشتركة بين الإنسانية والغنمية في هذا المثال.
أمّا «الفصل» فيعبِّر عن جهة الاختصاص والتميّز، لذلك عندما نقول إنّ الإنسان حيوان ناطق، فإنّ الحيوانية هي الجنس والناطقية هي الفصل.
ما يلحظ في هذا النوع من التركيب هو عدم وجود اثنينية في الخارج كما كان الحال في التركيب الخارجي الذي مثّلنا له بالجدار والبياض، أو كما هو الحال في المركبات الكيميائية والعناصر المعدنية وغير ذلك من المركبات المتعدّدة خارجياً، إنما العقل هو الذي استطاع أن يحلّل هذا الشيء إلى جنس وفصل.

النقطة الثانية: الدليل العقلي:- يقول سماحته حول هذه النقطة:-

أحسب أنّ الدليل العقلي من الواضحات، وسنعرض له من خلال وجهين:

الوجه الأوّل: ويتوقّف على بيان مقدّمة فحواها أنّ كلّ مركّب يحتاج في وجوده إلى وجود أجزائه، فما لم تتحقّق تلك الأجزاء لا يمكن أن يوجَد. على سبيل المثال يتألّف الماء ـ كمركّب ـ من الأوكسجين والهيدروجين، فلكي يوجد الماء لابدّ من وجود هذين العنصرين، وإلاّ لا يتحقّق وجود الماء. وبذلك يحتاج هذا المركب في وجوده إلى هذين العنصرين.
وحاجة كلّ مركب إلى أجزائه التي يتركّب منها هي قاعدة عقليةعامّة.
ننتقل الآن إلى واجب الوجود سبحانه، فحيث ينصّ القانون العقلي على حاجة كلّ مركب إلى أجزائه، فقد سقط الوجوب عنه بثبوت الاحتياج إذا ما افترضناه مركّباً، لأنّ الاحتياج علامة الفقر، والفقر لا ينسجم مع الوجوب بالذات.
بتعبير آخر: إنّ الفقير هو المحتاج إلى الغير، فإذا كان محتاجاً إلى الغير لا يكون واجب الوجود، وقد ثبت أنّ الله سبحانه غنيّ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ ) فاطر: 15.، فإذا ثبت تركيبه ثبت فقره، وهو ينافي الغنى الذاتي لله سبحانه.

الوجه الثاني: ينطلق وفاقاً للتقرير التالي: إمّا أن تكون الأجزاء التي تركّب منها الواجب سبحانه واجبة جميعاً, أو أن تكون ممكنة جميعاً. إذا كانت واجبة جميعاً، فإنّ مآل ذلك إلى تعدّد الآلهة، ومن المفروض أنّنا نفينا التعدّد في التوحيد الواحدي، وتقرّر لدينا أنّه سبحانه واحد لا شريك له.
أمّا إذا كانت الأجزاء ممكنة, فيلزم من ذلك أن يكون الواجب سبحانه ممكناً أيضاً، لأنّه محتاج لهذه الأجزاء الممكنة، وإذا صار ممكناً يكون محتاجاً إلى الغير، وبذلك فإنّ ما فرضناه واجباً لا يكون واجباً، بل سيكون هناك ممكن معلول لممكن آخر، وفقير معلول لفقير آخر.
تبقى الحالة الثالثة المتمثّلة في أن يكون بعض الأجزاء واجباً وبعضها ممكناً، فهذا معناه أن يرجع الأمر إلى ما عليه في الصورة الثانية تبعاً للقاعدة المعروفة التي تنصّ على أنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين.
وبهذا يُثبت لنا الدليل العقلي بطلانَ التركيب بكلّ وضوح.

النقطة الثالثة: الدليل النقلي:-

أوّلاً: البُعد القرآني:-

من الآيات التي تمّ الاستدلال بها لإثبات التوحيد الواحدي والتوحيد الأحدي ما ورد في سورة الإخلاص، حيث قوله سبحانه: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) الإخلاص: 1 ـ 4.
فهذه السورة تريد أن تثبت التوحيد الأحدي بنفي التركيب عنه سبحانه وإثبات بساطته. والقرينة على ذلك ما ورد في خاتمة السورة (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ). فلو كانت الأحدية في صدر السورة وخاتمتها بمعنىً واحد للزم التكرار. وما دامت هناك قاعدة تفيد أنّ التأسيس أولى من التأكيد، بمعنى أنّ مقتضى الظاهر الأوّلي لكلام المتكلّم أنّه لا يريد التأكيد إلاّ إذا قامت قرينة على ذلك، فسيكون صدر السورة بصدد نفي التركيب (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) بقرينة خاتمتها (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) التي هي بصدد التعدد والكفؤ والنظير والندّ والثاني.

فبقرينة الآية الأخيرة في السورة يثبت أن صدر السورة هو بشأن نفي التركيب، ثمّ إثبات بساطة الحقّ سبحانه وتوحيده الأحدي. يعين على هذا المعنى ما ذهب إليه البحث في تاريخ النزول من أنّ السورة نزلت لردّ عقائد المسيحيين، التي تؤمن بالتركيب والتعدّد (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) المائدة: 73.
إذا كان الأمر كذلك يتضح أنّ السورة المباركة ناظرة إلى إثبات بعدَي التوحيد الذاتي معاً؛ الصدر لنفي التركيب، والذيل لنفي التعدّد.

ثم تكلم سماحته عن المكانة التوحيدية لسورة الإخلاص، فقال:-

قد تعود كثرة الأحاديث المرويّة عن الفريقين في أهمّية السورة وأنّها تعدل (ثلث القرآن ) - في الحديث الشريف: (مَن قرأ قل هو الله أحد مرّة واحدة فكأنما قرأ ثلث القرآن) توحيد الصدوق، مصدر سابق، ص95 - إلى المكانة التي تحظى بها توحيدياً، حيث ورد في الحديث الشريف عن عبد العزيز بن المهتدي، قال: سألت الرضا عليه السلام عن التوحيد، فقال: (كلّ من قرأ (قل هو الله أحد) وآمن بها فقد عرف التوحيد) الأصول من الكافي، مصدر سابق، ج1، ص91، الحديث الرابع.

والرائع في حقّ هذه السورة ما جاء عن الإمام عليّ بن الحسين السجّاد عليهما السلام، فعن عاصم بن حميد، قال: سُئل علي بن الحسين عليهما السلام عن التوحيد، فقال: (إنّ الله عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) والآيات من سورة الحديد إلى قوله (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) فمن رام وراء ذلك فقد هلك) الأصول من الكافي، ج1، ص91، الحديث الثالث.

ثانياً: البُعد الروائي:-

بشأن الجانب الروائي نعود إلى سؤال الأعرابي للإمام علي عليه السلام في يوم الجمل، حينما قال له: يا أمير المؤمنين؛ أتقول إنّ الله واحد؟ فقد ذكر الإمام في جوابه: «إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه، فقول القائل: (واحد) يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد» وهذا نفي للوحدة العددية وإثبات للوحدة الحقة الحقيقية، ومن ثَمَّ فهو دليل على التوحيد الواحدي.

ثم ينتقل الإمام عليه السلام إلى الوجه الثاني الذي لا يجوز على الله سبحانه ليعبِّر عنه بقوله: «وقول القائل: (هو واحد من الناس) يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز عليه». في هذا النصّ ينفي الإمام أمير المؤمنين التركيب ويثبت البساطة، حيث يبيّن أنّ الله سبحانه ليس مركباً من جنس وفصل، وبعبارة أوضح: من أمور مشتركة وأخرى مختصّة، كما هو الحال في الإنسان مثلاً الذي يتألّف وجوده من الحيوانية وهي عنصر مشترك مع موجودات أخرى، والناطقية التي هي عنصر يختصّ به.

وحيث ينفي حديث الإمام التعدّد والتركيب عن الله سبحانه بنفيه هذين الوجهين، يعود ليثبت له سبحانه وحدته الحقّة وبساطته، في تتمّة حديثه إلى الرجل، وهو يقول: (وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا، وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم) التوحيد، مصدر سابق، ص83 ـ 84.


إلى هنا وصلتُ وإياكم أيها الإخوة والأخوات إلى نهاية المطاف في موضوع التوحيد الذاتي، وسوف يكون الحديث بعد ذلك عن التوحيد الصفاتي – إن شاء الله تعالى - .

 

 

 توقيع طالب الغفران :

"العالم بزمانه لا تَهجمُ عليه اللَّوابس"

الإمام الصادق عليه السلام


الحلقة 13
طالب الغفران غير متصل   رد مع اقتباس