في ذكرى مولد الزهراء (عليها السلام)
صباحٌ مشرق وشمعة تحترق
جاء الامر الإلهي من العلي الاعلى الى نبيه
محمد (ص) بان لايذهب الى بيته اربعين صباحاً؛ ذلك البيت
الذي توجد فيه زوجته العزيزة الى قلبه "خديجة بنت خويلد".
التزم النبي الاكرم بذلك الامر لانه يعلم انه من اجل شيء عظيم
فيه الخير، وذهب الى بيت "فاطمة بنت اسد" والدة الامام "علي" (عليه السلام).
ومع مرور الايام اشتاقت السيدة الطاهرة الى رؤية زوجها النبي العظيم، واشتاق هو الى رؤيتها.
وكان النبي يصوم النهار ويقوم الليل، فلما كان في كمال
الاربعين، هبط جبرئيل بطبق من السماء مغطى بمنديل وقال
للنبي:" ان الله عز وجل يأمرك ان تجعل افطارك هذه الليلة من هذا الطعام".
وعندما جاء وقت الافطار جلس النبي ليأكل ولم يسمح لأحد ان
يفطر معه لانه محرم على غيره ولما كشف المنديل وجد في
الطبق عذق من رطب وعنقود من عنب، فأكل النبي منه حتى
شبع وشرب بعده الماء، ولما اراد ان يغسل يديه افاض عليه
الماء جبريل وغسل يده ميكائيل وتمندله إسرافيل، وارتفع فاضل
الطعام مع الاناء إلى السماء وحينما قام النبي ليصلي اقبل عليه
جبرئيل وقال: "اذهب الى بيت زوجتك خديجة فإن الله قدر ان
يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة".
نعم هكذا كانت مقدمات تكوّن "فاطمة الزهراء" لان الله شاء ان
تخلق من طعام الجنة بذلك الترتيب الإلهي.
وبعد الحمل المبارك دخل رسول الله يوما فسمع خديجة تتحدث،
فقال لها: "ياخديجة من تحدثين؟ قالت: الجنين الذي في بطني
يحدثني ويؤنسني، فقال لها يا خديجة هذا جبرئيل يبشرني انها
انثى وانها النسلة الطاهرة الميمونة، وان الله تبارك وتعالى
سيجعل نسلي منها وسيجعل من نسلها ائمة ويجعلهم خلفاءه في ارضه بعد انقضاء وحيه".
فلم تزل السيدة "خديجة" على هذا الحالة الى ان حان وقت
الولادة، فوجهت الى نساء قريش وبني هاشم ان تعالينَ لتلينَّ
مني ما تلي النساء من النساء، فأرسلن اليها: انت عصيتنا ولم
تقبلي بقولنا، وتزوجت محمداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له.
ولم يلبوا طلبها فاغتمت "خديجة" لذلك وبينما هي حزينة إذ
دخل عليها اربع نسوة ففزعت منهن، فقالت إحداهن: "لاتحزني
ياخديجة، فإنا رسل ربك إليك ونحن اخواتك، انا سارة وهذه
آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران
وهذه كلثم اخت موسى بن عمران بعثنا الله إليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء".
فجلست واحدة عن يمينها واخرى عن يسارها والثالثة بين يديها
والرابعة خلفها، فولدت السيدة "خديجة" النور الساطع والبدر
اللامع، "فاطمة الزهراء" (عليها السلام)، ولما سقطت الى
الارض اشرق منها النور حتى دخل بيوت مكة، ولم يبق في
شرق الارض ولاغربها موضع الا اشرق فيه ذلك النور.
ودخلت عشر من الحور العين كل واحدة منهن معها طشت
وابريق من الجنة، وفي الابريق ماء من الكوثر فغسلت احدى
النساء الزهراء بماء الكوثر واخرجت خرقتين اشد بياضا من
اللبن واطيب ريحاً من المسك والعنبر، فلفتها بواحدة وقنعتها
بالثانية، ثم استنطقتها فنطقت "فاطمة" بالشهادتين، وتباشرت
الحور العين وبشر اهل السماء بعضهم بعضا بولادة "فاطمة"
وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك.
و
قالت النسوة: خذيها يا "خديجة" طاهرة مطهرة زكية ميمونة بورك فيها وفي نسلها.
ولقد رأت السيدة "خديجة" في وليدتها "فاطمة" انها صورة من
ابيها العظيم فسرها ذلك الشبه الكبير وشكرت الله تعالى على نعمه وفضله.
ولدت الزهراء في العشرين من جمادي الآخرة بعد البعثة بسنتين
او خمس سنين في يوم الجمعة، في مكة المكرمة.
فتحت الزهراء عينيها في وجه الحياة لتشاهد وجه ابيها
الرسول، وترضع من امها السيدة "خديجة" الحليب الممزوج بالفضائل والكرم.
كانت الزهراء (عليها السلام) تنمو في بيت الوحي وتنبت في
مهبط الرسالة نباتاً حسنا، يعلمها ابوها الرسول (ص) العلوم
الإلهية ويفيض عليها المعارف الربانية ويدرسها أحسن دروس
التوحيد وارقى علوم الإيمان اجمل حقائق الاسلام، ويربيها
افضل تربية وأحسنها، إذ وجد الرسول في ابنته المثاليه كامل
الاستعداد لقبول العلوم ووعيها، ووجد في نفسها الشريفة ا
الطيبة كل الروحانية والنورانية والتهيؤ لصعود مدارج الكمال.
الى جانب هذا شاءت الحكمة الإلهية للسيدة فاطمة الزهراء ان
تكون حياتها ممزوجة بالمكاره، مشفوعة بالآلام والمآسي منذ
صغر سنها، فإنها فتحت عينيها في وجه الحياة واذا بها ترى
اباها خائفاً، يحاربه الأقربون والأبعدون ويناوئه الكفار والمشركون.
فربما حضرت فاطمة في المسجد الحرام فرأت اباها جالساً في
حجر اسماعيل (عليه السلام) يتلو القرآن، وترى بعض
المشركين يوصلون اليه انواع الأذى ويحاربونه محاربة نفسية،
وحضرت يوما فنظرت الى بعض المشركين وهو يفرغ سلا الناقة ـ الكيس الذي يتكون فيه الجنين ـ على ظهر ابيها الرسول وهو ساجد.
كانت الزهراء تشاهد ذلك المنظر المؤلم وتمسح ذلك عن ظهر
ابيها وثيابه، وهم يضحكون على ذلك المنظر.
وعن ابن عباس قال: "ان قريشاً اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا
باللات والعزى ومناة: لو رأينا محمداً لقمنا مقام رجل واحد،
ولنقتلنه، فدخلت "فاطمة" (عليها السلام) على النبي (ص) باكيةً وحكت مقالهم...
واشتدت الازمة وزادت المحنة حتى اضطر الرسول (ص) ان يختفي في شعب ابي طالب، ورافقته عائلته وآل ابي طالب الى
ذلك المكان يعيشون في جو من الإرهاب الشديد، ففي كل ليلة
يتوقعون هجوم المشركين عليهم، وخاصة بعد ان كتب
المشركون الصحيفة القاطعة، وحاصروا بني هاشم حصارا
إقتصاديا، فلا يبيعون ولا يشترون شيئاً حتى المواد الغذائية، بل
ومنعوا إيصال الطعام اليهم، فأستولى الجوع عليهم وأثر في
الاطفال اكثر واكثر، فلا عجب اذا كانت اصوات بكاء الاطفال
تصل الى مسامع اهل مكة، فبين شامت بهم مسرور وبين متألم حزين.
وطالت المدة ثلاث سنين وشهورا، وكانت السيدة فاطمة من الذين شملتهم هذه المآسأة.
هذه المآسي أيقظت في السيدة "فاطمة" روح الجهاد والاستقامة
والمثابرة، كأنها فترة التمرين والتدريب للمستقبل القريب.
فبعد ان قارب عمر الزهراء الثمان سنين واذا بفاجعة تطل على
حياتها وتتراكم الاحزان على قلبها وهي وفاة امها السيدة
خديجة، تلك الأم البارّة الحنون الجليلة النبيلة الاصيلة.
وقد ولدت السيدة خديجة قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة
وتوفيت السنة العاشرة من البعثة في يوم العاشر من شهر رمضان بعد وفاة ابي طالب بثلاثة ايام.
ومن جملة فضائلها انها كنت اول إمرأة آمنت برسول الله (ص)
وقد شيد الله دينه بمال خديجة، كما قال (ص): "ما قام ولا
استقام ديني إلا بشيئين مال خديجة وسيف علي بن ابي طالب
(ع)"، وروي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية (وَوَجَدَكَ عَائِلًا
فَأَغْنَى) يعني وجدك فقيراً فأغناك بمال "خديجة.
وكان (ص) في زمان حياتها إذا غلب عليه الحزن نظر الى وجه
خديجة فيسّر بذلك، كما انه يسر بمجرد سماع اسمها، وكان
ايضا إذا اشتد حزته نظر الى "فاطمة" وسر سرورا عظيماً.
وقبل ان تفارق الدنيا نظرت الى ابنتها الصغيره"فاطمة" نظرة
حزن وتألم وتأثر، لأنها تعلم ان الزهراء ستفجع بأمها العطوفة
الكريمة، كانت السيدة "خديجة" تتأوه وتبكي فقالت لها "اسماء
بنت عميس": اتبكين وانت سيدة نساء العالمين؟ وانت زوجة
النبي؟ مبشرة على لسانه بالجنة؟ فقالت: مالهذا بكيت، ولكن
المرأة ليلة زفافها لابد لها من إمرأة تفضي إليها بسرها
وتستعين بها على حوائجها، و"فاطمة" حديثة عهد بصبا،
واخاف ان لايكون لها من يتولى امرها حينئذ!
فقالت اسماء: ياسيدتي لك عهد الله ان بقيت الى ذلك الوقت ان اقوم مقامك في هذا الامر..
فلما كانت ليلة زفاف "فاطمة" جاء النبي (ص) وأمر النساء
فخرجن، قالت اسماء فبقيت انا فلما رأى رسول الله سوادي قال
من انت، فقلت "اسماء بنت عميس"، فقال ألم آمرك ان
تخرجي، فقلت بلى يارسول الله فداك ابي وامي وما قصدت
خلافك ولكنني اعطيت خديجة عهداً هكذا، فبكى رسول الله وقال:
بالله لهذا وقفت، فقلت نعم والله، فدعا لي.
كانت السيدة "فاطمة الزهراء" تعيش تحت ظل والدها الرسول
في المدينة بعد ان مرت بها عواصف شديدة وحوادث مؤلمة،
من موت امها خديجة وهجرة ابيها الرسول من وطنه ومسقط
رأسه وهجوم الأعداء على الدار وهجرتها من مكة الى المدينة
ومطاردة الأعداء لها، فهل انتهت تلك الحوادث والمصائب؟
كلا، بل كانت تلك القضايا بداية مآسٍ اخرى وكوارث متسلسلة
متعاقبة، فلم تمض سنة واحدة على الهجرة واذا بالمشركين
يجتمعون في مكة ويقصدون التوجه الى المدينة لمحاربة
الرسول والمسلمين فنزل جبرائيل واخبر النبي بالمؤامرة،
وخرج الرسول بالمسلمين من اهل المدينة وبمَن التحق به من المهاجرين من اهل مكة ليستقبل العدو في اثناء الطريق قبل
وصولهم المدينة، فوصلوا الى منطقة بين المدينة ومكة يقال لها (بدر).
وهناك التقوا بالمشركين وكان عدد المشركين ثلاثة اضعاف
المسلمين، ولكن كانت الغلبة والانتصار للمسلمين والهزيمة
والاندحار للمشركين فرجع النبي إلى المدينة مظفراً منصوراً.
ومع تلك الحوادث الشديدة التي تعرض لها الرسول الكريم
والمسلمون القلائل كانت الزهراء تعيش مكرمة عزيزة سعيدة
مع والدها رسول الله (ص) الذي كان لا يترك مناسبة الا بين
فيها للمسلمين مكانتها عند الله عز وجل ورسوله