موضوع دسم يا أخ أديسون وجدير بالاهتمام ، وقد اطلعت على بحث جيد يتضمن هذا الموضوع الحساس والمهم أحببت أن أنقله هنا لتعميم الفائدة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لا شك ان الزواج هو اسمى الروابط الانسانية التي سنتها الاديان السماوية وصدقت عليها الاعراف ونظمتها لتتفق مع الفطرة.. وكغيره من امور الحياة يحتاج الزواج الى التدقيق والتفكير والاسس السليمة التي تستقيم بها هذه الشركة حتى لا تشكل مصدر تعاسة او ضرراً لاطرافها، ومن هنا يكون الاهتمام اولاً بالاختيار المناسب والذي لا بد فيه من مراعاة عدة نقاط منها الدين والخلق والتكافؤ الاجتماعي واخيراً التوافق الطبي الذي لم يكن هناك اهتمام كبير به فيما مضى مع انه يؤثر على استقرار الحياة الزوجية وسلامة الاطفال الذين
يولدون.
وكون العادات والتقاليد العربية ينتشر فيها زواج الاقارب تتضاعف اهمية هذا الجانب لما ثبت علمياً من وجود احتمالات لولادة اطفال مصابين بامراض وراثية لذلك لا بد من اجراء الفحوصات الطبية اللازمة التي ان اعلنت عن وجود نسبة كبيرة من الخطر سنجد انفسنا عندها في مواجهة القرار واما المجازفة باتمام الزواج او الانفصال الذي لم يكن هنا بسبب ضغوط اجتماعية ولا اختلاف وشجار بل هو انذار طبي لا بد من اخذه بعين الاعتبار..
وقبل أن ندلف إلى صميم هذا الموضوع نود أن ننبه إلى أن القرآن الكريم والسنة الشريفة قد تناولا المحرمات على وجه التأبيد والمحرمات على وجه التأقيت ولكنهما لم يكشفا عن أسباب هذا التحريم أو حكمته إلا في حرمة الجمع بين الأختين ،وبين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها ، فعن عكرمة قال (( نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها ، فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ))اخرجه الطبراني
وعن عيسى بن طلحة قال (( نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ان تنكح المرأة على ذات قرابتها مخافة القطيعة))اخرجه عبدالرزاق وأبوداود في مراسيله
وعن أبي طلحة عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم (( أنهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن)) فتح الباري .
وقد حاول بعض العلماء استنكاه الحكمة التشريعية فيما وراء ذلك من المحرمات، ولكنهم على كل حال لم يشيروا من قريب أو بعيد إلى أن من أسباب التحريم أو حكمته، قصد المحافظة على سلامة النسل وخشية ميلاد أطفال معاقين.
بعد هذا التنبيه نقول: المقصود بزواج الأقارب هو زواج أبناء العمومة والخؤولة ،وبعبارة أوضح زواج الأبناء من بنات عمهم أوبنات عماتهم أو بنات أخوالهم أو بنات خالاتهم ونحوهن من القرابة ، حيث يدور جدل كبير حول هذا الموضوع في أوساط العلماء والأطباء والباحثين وعامة الناس في حسن هذا الزواج أو قبحه ،وسوف نجلي هذا الموضوع بعون الله تعالى في الفقه الإسلامي وفي العلم والطب الحديث.
آراء الفقهاء في زواج الأقارب:
اتفق الفقهاء على جواز زواج ابنة العم أو ابنة العمة أو ابنة الخال أو ابنة الخالة ،ولكنهم اختلفوا في الوصف الشرعي لهذا الجواز على ثلاث أقوال :
1- القول الأول : الكراهية:
وهو مذهب الشافعية والحنابلة وقد استدلوا بأدله كثيره منها :
أ- مايروى ان الرسول -عليه السلام قال : (( لاتنكحوا القرابة القريبة ،فإن الولد يخلق ضاويا)) وهو حديث ضعيف بل ساقط لا أصل له .
ب- مايروى ان الرسول -صلى الله عليه وسلم قال : (( اغتربوا لا تضووا)) وهو حديث ضعيف ايضا فقد روى مطلقا ، أي مجرد عن الراوي وعن السند، مرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ومرة عن أصحابة ، ومرة على انه من كلام العرب.
ج- واحتجوا بالأثر الذي يروى عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال (( يا آل السائب قد أضوأتم ،فأنكحوا في النوابغ)) وهذا الدليل يواجه أشكالا في المتن والسند ايضا .
2- القول الثاني : الاباحة :
وهو مذهب المالكية فاعتبر المالكية الكفاءة في الدين وسلامة الحال من العيوب الموجبة للرد فدل هذا على إباحة زواج الأقارب عندهم أيضا وقد استدلو بأدلة كثيرة منها :
أ- قوله تعالى (( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)) وجه دلالة هذا الدليل أن لفظ ((ما)) من ألفاظ العموم فيتناول جميع النساء ولا يخصص العام ألا بمتواتر أو مشهور أو خبر آحاد والأدلة الواهية كأخبار التغريب لا تقوى على التخصيص بالاتفاق فتبقى الآية على الإباحة بالنسبة لزواج القريبات.
ب- قوله تعالى(( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك..)) وهذه الآية من أقوى الادلة على الاباحة.
ج-زواج الرسول -عليه السلام - من ابنة عمته زينب بنت جحش .وقد اعترض الشافعية على هذا الدليل قال الرملي وغيره (( وتزوجه - صلى الله عليه وسلم- لزينب بنت جحش مع كونها بنت عمته ، لمصلحة حل نكاح زوجة المتبني)) ويمكن الجواب على هذا الاعتراض بأنه لا تلازم بين ذلك وذلك، ولكن ليس بلازم أن يجري ذلك على زينب بالذات ،ولو كان زواج الاقارب مكروها لا قتضت حكمة الله ـ تعالى ـ أن يجري على غير زيد وزينب رضي الله عنهما وعلى غير المصطفي -صلى الله عليه وسلم-.
د- تزويجه صلى الله عليه وسلم ابنته رقية من ابن عمها عتبة بن أبي لهب،وابنته أم كلثوم من ابن عمها عتيبة بن أبي لهب،، فلما نزلت سورة المسد قال أبو لهب لولديه (( رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتيه ففارقاهما ولم يكونا قد دخلا بهما فتزوج عثمان رضي الله عنه رقية فظلت معه حتى ماتت ، ثم بنى بأختها أم كلثوم حتى ماتت ( وعثمان أيضا قريب للرسول صلى الله عليه وسلم)
وكذالك تزويجه - صلى الله عليه وسلم- زينب من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع.
وايضا تزويجه - صلى الله عليه وسلم- فاطمة لعلى بن أبي طالب
ه- عن طلحة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول ((الناكح في قومه كالمعشب في داره )) وجه الدلالة مدحه عليه صلى الله عليه وسلم زواج الاقارب فقد شبه الذي يتزوج من قومه كمن يزرع العشب في عقر داره يأمن عليه، خيره له ، وكلمة قوم في الحديث تفيد قرابة الرجل وأهله. وقد اعترض على هذا الحديث بأن فيه أيوب بن سليمان بن جدلم، قال الهيثمي ( لم أجد من ذكره هو ولا أبوه وبقية رجاله ثقات)
والادلة عندهم كثيرة فلا يسعنى ذكرها هنا.
3- القول الثالث : الندب:
وهو مذهب الظاهرية والشيعة ، وقد استدل الظاهرية والشيعة بعموم الأدلة التي احتج بها أصحاب القول الثاني ولكنهم هنا حملوا فعل رسول الله -عليه السلام- على الندب بدل الإباحة كما هو ظاهر من كلام ابن حزم ((وإنما تخيرنا نكاح الأقارب ، لأنه فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم ، لم ينكح بناته ألا من بني هاشم وبني عبد شمس ، وقال تعالى (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) أما الشيعة فكما هو معروف تشبث الشيعة بعمل آل البيت . ويمكن مناقشة الظاهرية والشيعة بأنه يتعذر هنا حمل فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الندب توفيقا بين الأدلة ،فقد وقع التصريح بالآيات القرآنية بالحل والإباحة ،قال تعالى (( وأحل لكم ما وراء ذلكم)) وقال تعالى(( إنا أحللنا لك أزواجك..)) فدل هذا على أن فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- محمول على الإباحة ، دفعا للتعارض بينه وبين الآيات، ولان حمل الأدلة على الندب يوقع الناس في الحرج وهو خلاف مقاصد الشريعة .
أراء الاطباء في زواج الاقارب:
===============
- وتركيزاً على هذا النوع من الزواج يقول احد الاطباء الاختصاصيين ان الخطورة هي في الامراض الوراثية التي يحمل جيناتها الزوج والزوجة ومع ان الامراض من الممكن ان لا تظهر عليهما لا انها تورث بعد الزواج للاطفال والاحفاد منها التخلف العقلي، والغالكستوسيميا، ومرض الكبد (ويلسون).. اما امراض الدم الوراثية فهي فقر الدم المنجلي، وفقر دم البحر الابيض المتوسط، ومرض الكلية الذي يؤدي للفشل الكلوي.. كما يعتقد ان مرض الصرع والامراض القلبية وامراض الحساسية وداء السكري تزداد في بعض العائلات وتتضاعف احتمالات توارثها بالتزاوج من الاقارب.
- ويعلق الدكتور أحمد شوقي إبراهيم مستشار الأمراض الباطنية بمستشفي الصباح فيقول:
حتى نفهم هذا الموضوع فهما علميا نحاول أن نفهم أولا الأسس العلمية التي على أساسها تنتقل الأمراض الوراثية من الآباء إلي الذرية .
تتكون المنطقة في الرحم من أمشاج الذكر والأنثي وتحمل تلك الأمشاج العوامل الوراثية من كل ممن الأب والأم وهكذا تنتقل الصفات الوراثية من الآباء إلي الأبناء والأحفاد والي ماشاء الله ،وكل ذلك فى نظام متقن بديع يدل على قدرة الخالق البارئ المصور تبارك وتعالي .
ولا يتغير النظام الوراثي في الإنسان ومهما حدثت من طفرات وراثية ، فإن ذلك إن كان يغير بعض الصفات الخلقية إلا انه لا يغير مطلقا النظام الوراثي في الخلية البشرية . والعوامل الوراثية في معظمها إما سائدة وإما منتحية .
- والعامل الوراثي السائد : له القدرة علي الظهور والتعبير عن نفسه .
- والعامل الوراثي المتنحي : ليس له القدرة علي الظهور والتعبير عن نفسه إلا إذا أجتمع مع عامل وراثي متنح مماثل تماما .. حينئذ تظهر الصفة الوراثية التي يحملانها معا .
- وبوجود العوامل الوراثية السائدة والمتنحية التي تحمل الصفات الوراثية ، تظهر تلك الصفات في الأبناء فمنهم من يشبه الأم ومنهم من يشبه الأب أو العم أو الخال وروي البخاري والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : " لم يكن أحد منهم أشبه برسول الله من الحسن بن علي .
وأننا إذا افترضنا وجود مرض وراثي في أحد الوالدين ينقله عامل وراثي سائد فإنه يعبر عن نفسه في نسبة معينة من الأبناء ولا يظهر في الآخرين أما في حالة العوامل الوراثية المتنحية فلا بد أن تكون موجودة في كل من الأب والأم معا ، ليظهر المرض فى نسبة معينة من الأبناء ولا يظهر في الآخرين ، يظهر فيمن يجتمع لديهم عاملان وراثيان متنحيان ولا يظهر فيمن ينتقل اليه عامل وراثي متنح واحد ، وليست العوامل الوراثية السائدة أو المتنحية ، تحمل صفات غير مرغوب فيها أوأ مراضا فحسب فقد تحمل صفات مرغوبا فيها أيضا .
إن العوامل الوراثية المتنحية تجتمع في الأقارب في الجين الأول بنسبة 1 :8 وتقل هذه النسبة في غير الأقارب فإذا كان هذا الجين في المجتمع بنسبة :1000 فإن احتمال تواجد هذا الجين في أحد الزوجين 1:500 وإذا كان فى المجتمع بنسبة 1 :100 فان احتمال وجود هذا الجين فى أجد الزوجين 1 : 50 وفي كلتا الحالتين نجد أن نسبة تواجد الجين المتنحي في الأقرباء ( بنت العم أو العمة والخال والخالة ) يكون ثابتا 1 :8 وهذا يبين خطورة زواج الأقارب في ظهور الأمراض الوراثية وخاصة النادرة منها فإذا استمر الزواج بالأقارب جيلا بعد فإن العوامل الوراثية المتنحية تجتمع فيهم أكثر مما هي موجودة في المجتمع من حولهم فإن الرجل إذا تزوج بابنة عمه أو ابنة خاله وكان كل منهما يحمل نفس العامل الوراثي المتنحي لصفة صحية أو مرضية فإن 25 % من أولادهما ستظهر عليهم تلك الصفة و 50% منهم يحملون العامل الوراثي المتنحي و 25% منهم لا يحملونه .
أما إذا كانت درجة القرابة بعيدة فإن احتمال تواجد الجينات المماثلة أقل وبالتالي يكون احتمال حدوث المرض في الذرية أقل من هذه النسبة كأن يكون مثلا 1 : 16 والعكس صحيح إذا كانت درجة القرابة بين الزوجين أقرب كما في بعض المجتمعات الهندية التي تسمح بزواج الرجل من بنت أخيه أو أخته فإن احتمال تواجد الجينات المماثلة يكون أكثر من 1 - أي 1 ك 4 وهذا النوع من الزواج ممنوع في الإسلام .