عرض مشاركة واحدة
قديم 04-02-2011, 07:14 PM   رقم المشاركة : 43
طالب الغفران
مشرف سابق
 
الصورة الرمزية طالب الغفران
 







افتراضي الحلقة التاسعة

الحلقة التاسعة

التوحيد وأقسامه

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم

وصلتُ معكم أيها الإخوة والأخوات إلى موضوعات التوحيد وأقسامه، وسوف أبدأ الحديث معكم حول إثبات الوحدانية لله عز وجل، وبعد ذلك سوف أتناول أقسام التوحيد المتمثلة في : التوحيد الذاتي ،التوحيد الصفاتي ، التوحيد الأفعالي والتوحيد في العبادة، وقد أتطرق إلى بعض الأقسام الأخرى والتي أدرجها بعض علمائنا الكرام تحت التوحيد الأفعالي.

أسأل الله لي ولكم التوفيق، كما أتمنى أن تعذروني على تأخير هذه الحلقة لانشغالي بعدة أمور كالبحث والمطالعة في موضوعات السلسلة المطروحة بين أيديكم وأمور أخرى.


إثبات وحدانية الله عز وجل: يذكر آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه: "نفحات القرآن ج3 " عدة أدلة لإثبات الوحدانية لله جل وعلا، وإليكم ملخص لما ذكره :-

أولاً:شهادة الفطرة على وحدانية الله ( عزّوجلّ ):-

إنّنا وفي أعماق الروح والقلب لا نسمع نداء وجوده فحسب بل لا يوجد في أعماق الروح نداء آخر .
فعندما تبلغ المشكلات والإبتلاءات ذروتها وحينما توصد أبواب عالم الأسباب أمامنا يقرع أسماعنا هدير التوحيد في أعماق وجودنا ويدعونا إلى ( المبدأ الواحد ) ذي القدرة التي تفوق المشكلات وتتجاوز عالم الأسباب كلّه .
ثم ذكر دام ظله عدة أدلة من القرآن الكريم على ذلك ، وهي كالتالي:-

قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }العنكبوت65.

وقال تعالى:{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{40} بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ{41}} سورة الأنعام.

وقال تعالى:{ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ{53} ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ{54}} سورة النحل.

ثانياً: تناسُق العالم:-

من السبل التي سلكها علماء العقيدة والفلسفة للوصول إلى وحدانية ذات الله المقدّسة هي دراسة عالم الوجود الذي هو عبارة عن مجموعة متناسقة وكتلة مترابطة ، هذه الوحدة وهذا التناسق ينبئان عن وحدانية الخالق ، ولذا أُطلق على هذا الدليل ( برهان الوحدة والتناسق ) وقد يُطرح هذا البرهان بصورة أُخرى حيث يقال : إذا كانت هناك إرادتان تحكمان عالم الوجود ، ولو كان في عالم الخليقة تدبيران لظهر الفساد واللانظام حتماً ، وبما أنّنا لا نشهد لا نظاماً ولا فساداً فيه ، كان ذلك دليلاً على وحدة الخالق والمدير والمدبّر لعالم الخليقة ، ولذا أطلق على الإستدلال عنوان ( برهان التمانع ) .

ثم ذكر دام ظله عدة أدلة من القرآن الكريم على ذلك ، وهي كالتالي:-

قال تعالى:{ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ{3} ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ{4}} سورة الملك.

وقال تعالى:{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ{21} لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ{22}} سورة الأنبياء.

وقال تعالى:{ {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ }المؤمنون91.

ثم نقل دام ظله الروايتين التاليتين :-

ورد في حديث أنّ ( هشام بن الحكم ) سأل الإمام الصادق (عليه السلام ) : ما الدليل على أنّ الله واحد ؟
فأجاب الإمام (عليه السلام) : « اتّصال التدبير وتمام الصنع كما قال الله عزّوجلّ : لو كان فيها آلهة إلاّ الله لَفَسدتا ».

وفي حديث آخر نقله الكليني (رحمه الله ) في الكافي عن هشام أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال في مسألة التوحيد جواباً للرجل الزنديق : « لمّا رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً والتدبير واحداً والليل والنهار والشمس والقمر دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد ».

ثالثاً: دليل صرف الوجود:-

ولهذا الدليل شقان هما:-

إن الله سبحانه وتعالى حقيقةٌ لا متناهية ، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال النقاط التالية:-

1- محدودية الوجود تعني التقارب مع (العدم) فلولا العدم لا يستقرّ مفهوم للمحدودية، فعندما نقول: إنّ عُمْرفلان محدود فإنّه يعني أنّ عمره سينتهي إلى العدم ومقرون بالعدم، وهكذا بالنسبة لمحدودية القدرة أو العلم وأمثالها.
2- الوجود ضدّ العدم ولو كان الشيء مقتضياً للوجود ذاتاً فإنّه لا يقتضي العدم أبداً .
3-ثبت في برهان العلّة والمعلول أنّ سلسلة العلّة والمعلول في هذا الكتاب ( كتاب الوجود ) يجب أن تنتهي إلى نقطة ثابتة وأزلية نسمّيها واجب الوجود ، أي وجوده ناشيء من أعماق ذاته لا خارجها ، وعليه تكون العلّة الاُولى للكون تقتضي الوجود ذاتاً .

•الحقيقة اللا متناهية واحدة قطعاً:-

بعد أن ثبت أنّ الله عزّوجلّ وجود غير محدود وغير متناه ، هنا نقول : أنّ مثل هذا الحقيقة تأبى الإثنينية ولا تكون إلاّ واحدة لما قلنا مراراً أنّه لا يمكن تصوّر شيئين غير محدودين أبداً ، حيث تقترن الإثنينية بالمحدودية دائماً وهذا أمر واضح لأنّ تصوّر الوجودين ممكن حينما يكون كلّ وجود منفصلا عن الآخر ، فكلّ واحد ينتهي عند الوصول إلى الثاني ويبدأ الآخر .
وإختبار هذا الأمر يسير ، تصوّر على سبيل المثال ضوء غير مقيّد أو مشروط بزمان أو مكان أو سعة أو مصدر وغير محدود من أيّة جهة ، فهل يمكنك أن تتصوّر ضوءً ثانياً مثيلا له ؟! فبالتأكيد سيكون الجواب : كلاّ ، لأنَّ كلّ ما تتصوّره هو الأوّل إلاّ أن تضيف إليه شرط أو قيد وتقول : الضوء هنا أو هناك من هذا المصدر أو ذاك .
بعبارة أخرى عندما نقول : يوجد ضوءان في الخارج فإنّه إمّا بملاحظة زمانيهما أو مكانيهما أو مصدريهما أو شدّة نوريهما ، ولو تجرّدا من كلّ قيد أو شرط فإنّهما سيكونان واحداً قطعاً ( فتأمّل جيّداً ) .

ثم ذكر دام ظله عدة أدلة من القرآن الكريم على ذلك ، وهي كالتالي:-

قال تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }آل عمران18.

وقال تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }يوسف39.

ثم نقل دام ظله الروايتين التاليتين :-

عن الإمام السجّاد ( عليه السلام) حيث قال : « إنّ الله لا يوصف بمحدودية ، عظُم ربّنا عن الصفة وكيف يوصف بمحدودية من لا يُحد ».

عن الإمام الرضا ( عليه السلام) : « هو أجلّ من أن تدركه الأبصار أو يحيط به وهم أو يضبطه عقل » فسأل سائل : فما حدّه ؟ فقال (عليه السلام) : « انّه لا يحدّ ، قال : لِمَ ؟ قال (عليه السلام) : لأنّ كلّ محدود متناه إلى حدّ ، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة ، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان ، فهو غير محدود ، ولا متزايد ولا مُتَجزٍّ ولا متوهّم ».

رابعاً: دليل الفيض والهداية:-

إنَّ الله سبحانه وجود كامل ، ومثل هذا الوجود يكون مصدراً للفيض على الآخرين وكمالهم ، فهل يعقل أنَّ مصدر الكمال يحرمُ الموجودات الاُخرى من فيضه ولا يعرّفهم ـ على الأقل ـ نفسه ؟ مع أنّ هذه المعرفة سبب لرقيّهم وكمالهم يدفعهم نحو ذلك الوجود الكامل والفيّاض .
وعلى ضوء هذا البيان يتّضح أنّه لو كان هناك عدّة آلهة لوجب أن يكون لكلّ إله منهم رسل ، وأن يعرّف نفسه إلى مخلوقاته ، وأن يشملهم بفيضه التكويني والتشريعي .
والنتيجة هي : أنّنا لو وجدنا أنّ الرسل بأجمعهم يخبرون عن إله واحد ، لاتّضح أنّ غيره لا وجود له .

ثم ذكر دام ظله عدة أدلة من القرآن الكريم على ذلك ، وهي كالتالي:-

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }الأنبياء25.

وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ }الزخرف45.

وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الأحقاف4.

ثم ذكر دام ظله الرواية التالية:-

تحدّث الإمام علي (عليه السلام) في وصيّته المعروفة إلى الإمام الحسن (عليه السلام) عن هذا البرهان ببيان جميل وواضح حيث قال : « واعلم يابني أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه ».

إلى هنا وصلتُ معكم إلى ختام الحديث حول أدلة إثبات وحدانية الله عز وجل.

وفقكم الله

 

 

 توقيع طالب الغفران :

"العالم بزمانه لا تَهجمُ عليه اللَّوابس"

الإمام الصادق عليه السلام


الحلقة التاسعة
طالب الغفران غير متصل   رد مع اقتباس