لقد حقق المسلمون في معركة بدر نصرا ً عسكريّا ً و عقائديّا ً وإعلاميّا ً واسعا ً، وطمست قريش بالذلّ والمهانة، ممّا أدّى إلى تفاعل حقدهم وكيدهم، فلم يكن لهم غير التفكير بالحرب، وإعادة الحملة على النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) وأصحابه؛ كي يحقـّقوا نصرا ً عسكريا ً يعيد لهم المعنويات المنهزمة، ويغيّر الآثار النفسيّة التي خلّفتها معركة بدر. فجمّعوا جموعهم، ودقّت طبول الحرب، ووضعوا خطّة للهجوم على المدينة، فكتب العبّاس بن عبد المطـّلب عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يخبره بخطّتهم وقرارهم، لكي يأخذ حذره ويعدّ العدّة للمواجهة.
وجريا ً على عادته، فقد شاور الرسول (صلى الله عليه وآله) أصحابه في الأمر وأخبرهم بخطّة قريش، فاتـّفق الجميع على صدّ العدوان ومقاتلة المشركين. واستمرّت المشاورة في كيفيّة المواجهة وطريقة المنازلة.
وكان من رأيه (صلى الله عليه وآله) أن لا يخرج المسلمون من المدينة، بل يُدخلوا العدو إلى داخلها فيتشتـّت جمعه وقواه في شوارع المدينة وأزقـّتها، ويضرب المعتدون من كلّ مكان، ويشترك في المعركة الرجل والمرأة والشيوخ والصبية؛ إذ أنّ حرب المدن في هذه المعركة أفضل للمسلمين من حرب الصحراء المكشوفة لتفوّق العدو في العدد والعدّة. وقَبـِل هذا الرأي عدد من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولكن عارضه أكثرهم، وقالوا: نخرج إليهم خارج المدينة ونقاتلهم هناك ولم يُلزم الرسول أصحابه برأيه، وقد غاب عنهم قدرته على تشخيص المصلحة، وحكمته في التقدير والتدبير. وما أدركوا ذلك إلاّ بعدما استعدّ الرسول (صلى الله عليه وآله) للخروج والمنازلة، فطلبوا منه البقاء فرفض (صلى الله عليه وآله) وقال: «لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لامتهُ فيضعها حتـّى يقاتل»
فسار الرسول (صلى الله عليه وآله) بجحافل الجهاد يحثـّها إيمانُها على مواجهة الشرك والطغيان، عبدة الأوثان، غير أنّ حركة النفاق بقيادة عبد الله بن أ ُبي بن سلول انسحبت وسط الطريق لكي تحدث هزيمة في نفوس المسلمين، وكان عددهم ثلاثمائة منافق، ولكن واصل الرسول (صلى الله عليه وآله) مسيرة الجهاد والعزم على منازلة العدو بسبعمائة مقاتل، وقد أضحى عددهم أقلّ من ربع قوّات العدو.
والتقى الفريقان عند جبل اُحد، ورسم الرسول (صلى الله عليه وآله) خطّة المعركة، وحدّد مواضع جيشه، حيث وضع الرماة عد رأس الشعب، وكانوا خمسين مقاتلا ً، وأمرهم أن لا يتركوا مواقعهم أبدا ً لكي يغطّوا المسلمين بحماية من خلفهم، ويمطروا المشركين بوابل سهامهم، ولئلاّ تفتح ثغرة يتسلسل منها العدو. وبدأت المعركة، وكان النصر حليف المسلمين، وانهزم العدوّ، وحازوا مغانم كثيرة، فاستهوت الغنائم النفوس، فترك الرماة مواضعهم، واندفعوا نحو الغنائم، ولم يبق إلاّ قائدهم ومعه جماعة قليلة، فالتفّ خالد بن الوليد على المسلمين من خلفهم ممّا تسبب بارتباك الجيش الإسلامي وانهزامه. ولم يبق مع الرسول (صلى الله عليه وآله) غير قليل من الصحابة مثل حمزة بن عبد المطـّلب ومصعب بن عمير وعليّ بن أبي طالب الذي كان يذبّ عن الرسول (صلى الله عليه وآله) بكلّ ما لديه، وما ا ُوتي من قوّة. وكانت الهزيمة كبيرة، والخسارة فادحة؛ إذ خسر المسلمون حمزة بن عبد المطـّلب ومصعب بن عمير. هذا وقد مثــّلت هند – زوجة أبي سفيان – بحمزة، إذ شقـّت بطنه وقطعت أنفه وأذنيه، بل وتناولت كبده ولاكتها بأسنانها إنتقاما ً وتشفـّيا ً.
فسلام عليك يا عم رسول الله وناصره
اللهم احشرنا مع النبي واهل بيته الاطهار عليهم السلام
حمزة بن عبد المطلب ( عليه السلام )
عمُّ النبي ( صلى الله عليه وآله )
اسمه ونسبه :
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف .
ولادته :
ولد حمزة قبل ولادة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بسنتين ، وقيل : بأربع سنوات .
إسلامه :
أسلم في السنة الثانية من البعثة ، وقيل بأربع سنين .
سيرته وجهاده :
روي أن حمزة بن عبد المطلب كان أخاً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الرضاعة . وبعد أن أعلن حمزة إسلامه هاجر مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة المنورة ، وكان الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قد آخى بينه وبين زيد بن حارثة . وروي أن أول لواء عقده الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في المدينة كان لحمزة ، إذ بعثه في سريَّة من ثلاثين راكباً لإعتراض قافلة فريش التي كانت قادمة في ثلاثمِائة راكب من الشام بقيادة أبي جهل ، ولم يقع قتال بين الطرفين ، فعادت سريَّة حمزة إلى المدينة . وكذلك حمل حمزة في السنة الأولى من الهجرة لواء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في غزوة بواط ، والأبواء ، وبني قينقاع . وبالغ حمزة في نصرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في معركة بدر الكبرى ، وأبلى فيها بلاءً حسناً ، وقَتَل فيها سبعة من صناديد قريش .
قصة شهادته :
شهد حمزة بن عبد المطلب معركة أُحُد ، وله فيها صولات مشهودة . ولأنه – كما أشرنا – قَتَل في بدر صناديد العرب فقد ترك اللوعة والأسى في قلوب مشركي مكة ، فأضمروا له الكيد وأخذوا ينتهزون الفُرَص للانتقام منه . وكانت هند بنت عتبة قد بعثت إلى وحشي بن حرب قبل معركة أُحُد ، وكان عبداً من أهل الحبشة ، فأغرته بالأموال إن هو قتل حمزة ، وذلك طلباً لثأر أبيها وأخيها اللذان قُتلا ببدر . وكان وحشي مشهوراً برمي الحربة ، ولم تكن العرب آنذاك تعرف هذا السلاح الذي كان خاصاً بأهل الحبشة ، وتُسمى هذه الحربة عند العرب بـ ( المزراق ) ، وهي : عبارة عن رمح قصير . فقال وحشي وهو في أرض أُحُد : إني والله لأنظر إلى حمزة وهو يهذ الناس بسيفه ، ما يلقى شيئاً يمر به إلا قتله ، فهززتُ حربتي ودفعتها عليه ، فوقعت في ثنته [ أسفل بطنه ] ، فخرَّ صريعاً ثم تنحَّيت عن العسكر . بعد أن بلغ هند مقتل حمزة ( عليه السلام ) جاءت فَبَقَرَتْ كبدَهُ فَلاكَتْه ، فلم تستطع أن تَسِيغَه فَلَفِظَتْه . ولما انتهت المعركة وُجد حمزة ( عليه السلام ) ببطن الوادي من الجبل وقد مُثِّل به . وعندما رآه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكى ثم قال : لن أُصاب بمثلك ، ما وقفتُ موقفاً قَطّ أَغْيَظُ عَليَّ من هذا الموقف ، وأمر ( صلى الله عليه وآله ) به فَدُفِن . وكانت شهادته ( عليه السلام ) في السنة الثالثة للهجرة النبوية المشرِّفة ، وقد رثاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكلمات مؤثرة ، نذكر منها : ( يا عمَّ رسولِ الله ، وأسدَ الله ، وأسدَ رسولِ الله ، يا حمزةَ ، يا فاعل الخيراتِ ، يا حمزة ، يا كاشف الكُرُبَاتِ ، يا حمزة ، يا ذابّاً يا مَانِعاً عن وجه رسول الله .. ).
المصدر:
http://www.najaf.org/relative/a_19.php?l=ARA