عرض مشاركة واحدة
قديم 17-09-2010, 11:22 AM   رقم المشاركة : 2
سلمان الفارسي
شاعر وكاتب وباحث قرآني قدير






افتراضي رد: ( ووجدك ضالا فهدى )

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الآية الشريفة من الآيات التي يكثر السؤال فيها لأن ظاهرها يثير الشبهة ،ومثل هذه الآية الشريفة آيات أخرى ،كقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً }الإسراء74وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }الزمر65وينبغي أن يعلم أن للقرآن الكريم طريقة يجب أن تعلم والجهل بها يوقع في المزالق ،وقد نص على هذه الطريقة الإمام الصادق عليه السلام فيما روي عنه،ففي تفسير نور الثقلين عن أصول الكافي قال:محمد بن يحيى عن عبدالله بن محمد عن على بن الحكم عن عبدالله بن بكير
عن أبي عبدالله عليه السلام قال :نزل القرآن بإياك أعني واسمعي ياجارة
أقول:فإذا رأيت خطابا لايصح أن يكون موجها للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بوجه وقد وجه له فاحمله على ذلك فيما تحمله .هذا أولا.

ثم اعلم أن للفظ الضلال دلالتين في القرآن الكريم ،أما الدلالة الأولى فهي الدلالة اللغوية وهي الهلاك كماوقع في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ }السجدة10،فليس الضلال هنا نقيض الهدى الشرعي الاصطلاحي،قال الشيخ الطوسي قدس سره: وأصل الضلال الهلاك ومنه قوله (أئذا ضللنا في الأرض) أي هلكنا، ومنه قوله تعالى (وأضل أعمالهم) أي أهلكها.انظر تفسير سورة الفاتحة من التبيان.

أقول :وقد يراد به في اللغة غلبة شيء على شيء حتى يغيب فيه،قال الشيخ الطوسي: وكل شئ غلب عليه غيره حتى يغيب فيه، فقد ضل فيه، قال الأخطل:
كنت القذى في موج أكدر مزبد
قذف الأتي به فضل ضلالا

انظر تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }السجدة6من التبيان.هذه هي الدلالة اللغوية .
وأما الدلالة الشرعية الاصطلاحية فهي العدول عن الطريق المستقيم الذي دل عليه الله سبحانه وتعالى في كتابه وهذا معنى لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحال من الأحوال لما ثبت في محله من بحوث علم الكلام من أنه صلى الله عليه وآله كان على الهدى قبل البعثة أيضا .وشرح ذلك يطول فليراجع في مظانه .

والمعنى الذي يجوز عليه صلى الله عليه وآله –فيما يبدو لفهمي القاصر-هو المعنى اللغوي الذي ذكرناه آنفا فإنه صلى الله عليه وآله وسلم عاش في وسط قوم يعبدون الأصنام ويشربون الخمر ويسفكون الدماء وغير ذلك مما لاترضى به الشريعة وكان صلى الله عليه وآله يحرم هذا وهم لايعرفون لهذا التحريم قيمة ،ولالهذا الإنسان قيمة فهو ضال بينهم أي ضائع لايعرف له قدر ،ولم يضل لقصور فيه ،كلا وألف كلا وإنما جهله القوم ،فهو عالم ضاع بين جهال .فغلب حالهم على حاله حتى صار غائبا غير معروف.

وقد ذكر الشيخ الطوسي معاني عدة لهذه الآية ،وكان مما ذكر قوله:
ورابعها - وجدك مضلولا عنك فهدى الخلق إلى الإقرار بنبوتك والاعتراف بصدقك فوجدك ضالا بمعنى مضلول كما قيل ماء دافق بمعنى مدفوق، وسر كاتم بمعنى مكتوم.
أقول :وهذا ماقلناه فيما سلف.وممايرجح هذا المعنى قوله:فهدى بحذف المتعلق ،وهذا يجعلنا نحتمل أن المتعلق هو القوم ،أي فهدى القوم إليك فعرفوك .ونحتمل أيضا أن المتعلق هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،أي فهداك بأن جعلك معروفا القيمة والقدر.
وورد في الرواية : في تفسير على بن إبراهيم عن أحمد بن أبى عبدالله عن أبيه عن خالد
بن يزيد عن أبى الهيثم الواسطى عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام في قول الله : " ألم
يجدك يتيما " فآوى إليك الناس " ووجدك ضالا فهدى " أى هدى إليك قوما لا
يعرفونك حتى عرفوك ووجدك عائلا فأغنى أي وجدك تعول أقواما فأغناهم بعلمك قال
على بن ابراهيم : في قوله عزوجل " ألم يجدك يتيما فآوى " قال : اليتيم الذى
لا مثل له ، ولذلك سميت الدرة اليتيمة لأنه لا مثل لها " ووجدك عائلا فأغنى " قال :
فأغناك بالوحي فلا تسأل عن شئ أحدا " ووجدك ضالا فهدى " قال : وجدك ضالا في
قوم لا يعرفون فضل نبوتك فهداهم الله بك .
وفي عيون الإخبار في باب ذكر مجلس الرضا عند المأمون في عصمة
الأنبياء عليهم السلام حديث طويل يقول فيه عليه السلام للمأمون وقد قال الله عزوجل لنبيه محمدصلى الله عليه وآله : " ألم يجدك يتيما فآوى " يقول ألم يجدك وحيدا فآوى إليك الناس " ووجدك
ضالا " يعنى عند قومك " فهدى " أي هداهم إلى معرفتك " ووجدك عائلا فأغنى " يقول : بأن
جعل دعاءك مستجابا قال المأمون بارك الله فيك يابن رسول الله .
أما سؤالك عن الوجدان في الآية فليس من شرطه أن يكون قبله فقدان ،فقد يكون الوجدان ابتدائيا ،وقد يكون بعد فقدان ،فمثلا قوله تعالى: {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ }الرحمن7هل يقتضي أن السماء كانت موضوعة ثم عمد إليها فرفعها أم أنه ابتدأها بالرفع وإن لم تكن موضوعة ؟غير أن النقيض مرة يلتفت إليه المتكلم لأنه من شأنه ومرة لايلتفت إليه لأنه ليس من شأنه بل من شأنه ماهو فيه الآن .والله العالم بأسرار كتابه.

وثمة آراء هي محل للدراسة في الآية لكن حسبك من الكأس مايرويك.

 

 

سلمان الفارسي غير متصل   رد مع اقتباس