- أما الكلام على سورة آل عمران فإليكه:
قال الصابوني:
سورة آل عمران من السور المدنية الطويلة ، وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على ركنين هامين من أركان الدين هما :
الأول : ركن العقيدة وإقامة الأدلة والبراهين على وحدانية اللـه جل وعلا .
الثاني : التشريع وبخاصة فيما يتعلق بالمغازي والجهاد في سبيل اللـه .
أما الأول فقد جاءت الآيات الكريمة لإثبات الوحدانية ، والنبوة ، وإثبات صدق القران ، والرد على الشبهات التي يثيرها أهل الكتاب حول الإسلام والقرآن ، وأمر محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا كانت سورة البقرة قد تناولت الحديث عن (الزمرة الأولى ) من أهل الكتاب وهم "اليهود وأظهرت حقيقتهم ، وكشفت عن نواياهم وخباياهم ، وما انطوت عليه نفوسهم من خبث ومكر، فإن سورة آل عمران قد تناولت (الزمرة الثانية) من أهل الكتاب وهم "النصارى الذين جادلوا في شأن المسيح وزعموا ألوهيته ، وكذبوا برسالة محمد وأنكروا القران ، وقد تناول الحديث عنهم ما يقرب من نصف السورة الكريمة ، وكان فيها الرد على الشبهات التي أثاروها ، بالحجج الساطعة ، والبراهين القاطعة، وبخاصة فيما يتعلق بشأن مريم وعيسى عليه السلام ، وجاء ضمن هذا الرد الحاسم بعض الإشارات والتقريعات لليهود ، والتحذير للمسلمين من كيد ودسائس أهل الكتاب .أقول:وقد أجملت الفاتحة ذلك فإنك إن تدبرت قوله تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الفاتحة2لدلك على التوحيد ،فإن الآية الشريفة قد وصفت الله سبحانه وتعالى بأنه رب العالمين فأفردته بذلك ودلت على أن المدبر واحد ،ولو كان ثمة مدبر آخر لادعى هذا المدبر ربوبيته للعالمين دعوى لاتنقض لاكدعوى فرعون كما في قوله تعالى على لسانه: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى }النازعات24فإن المدبر للعالمين ليس من شأنه الغفلة والاشتغال بشيء عن شيء وإلالأصبح مدبَرا لامدبِرا،وورد في نهج البلاغة مايشبه هذا الاستدلال قال {عليه السلام} في وصية له لولده الإمام الحسن{عليه السلام} :واعلم يابني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله،ولرأيت آثار ملكه وسلطانه،ولعرفت أفعاله وصفاته،ولكنه إله واحد كما وصف نفسه...وورد في الدعاء كما في رواية في الكافي عن أبي عبد الله الصادق{عليه السلام}:يامن لايشغله شيء عن شيء،ولا سمع عن سمع، ولا بصر عن بصر.على أنك لو تأملت أيضا قوله تعالى : {الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ#مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }إلى تمام السورة لاهتديت إلى الاستدلال على التوحيد فاهتد بما قلت لك تجده إن شاء الله هاديا .أما النبوة فإن بحث العصمة دال عليها ،وكاشف لغطائها فعد إليه فهوقمن برد سؤلك ،ونقع غليلك إن شاء الله عزوجل.أما إثبات صدق القر آن الكريم فإن الهداية التي طرحتها السورة في قوله تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ#صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة6-7هي الدالة على ذلك ،فإنك لو نظرت إلى ما تطرحه العقول المفكرة من نظريات لاتلبث أن تؤول إلى البطلان ،ورأيت كيف أن الهداية القرآنية لاتزال تثبت أنها هي الحق الذي لايعتوره بطلان ،ولا يشوبه هوى لعرفت كيف أن هذا الكتاب الذي: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت42هو الكتاب الصادق.وكل هذا وما سبقه من بحث هو رد على مايثار من شبه غير أنه من طرف خفي .أما كلام السورة عن أهل الكتاب فانظر ماقلناه في سورة البقرة.
ثم قال الصابوني:
أما الركن الثاني فقد تناول الحديث عن بعض الأحكام الشرعية كفرضية الحج ، والجهاد، وأمور الربا وحكـم مانع الزكاة ، وقد جاء الحديث بالإسهاب عن الغزوات كغزوة بدر، وغزوة أحد والدروس التي تلقاها المؤمنون من تلك الغزوات ، فقد انتصروا في بدر، وهزموا في أحد بسبب عصيانهم لأمر الرسول (ص) وسمعوا بعد الهزيمة من الكفار والمنافقين كثيرا من كلمات الشماتة والتخذيل ، فأرشدهم تعالى إلى الحكمة من ذلك الدرس ، وهي أن اللـه يريد تطهير صفوف المؤمنين من أرباب القلوب الفاسدة ، ليميز بين الخبيث والطيب ، كما تحدثت الآيات الكريمة بالتفصيل عن النفاق والمنافقين ، وموقفهم من تثبيط همم المؤمنين ، ثم ختمت بالتفكر والتدبر في ملكوت السموات والأرض وما فيهما من إتقان وإبداع ، وعجائب وأسرار، تدل على وجود الخالق الحكيم ، وقد ختمت بذكر الجهاد والمجاهدين في تلك الوصية الفذة الجامعة ، التي بها يتحقق الخير، ويعظم النصر ، ويتم الفلاح والنجاح [يا آيها الذين امنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ، واتقوا اللـه لعلكم تفلحون ].
أقول:أما الحديث عن بعض الأحكام الشرعية كفرضية الحج ، والجهاد، وأمور الربا وحكـم مانع الزكاة فانظر ماقلناه عن مثل ذلك في سورة البقرة. وأما الحديث بالإسهاب عن الغزوات كغزوة بدر، وغزوة أحد والدروس التي تلقاها المؤمنون من تلك الغزوات فإن بلوغ الهداية التي طرحتها سورة الفاتحة قد يحتاج إلى ضربي الجهاد وأعني بهما جهاد النفس وجهاد العدو في الخارج،وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69،وعلى هذا فإن سؤال الهداية من الله قد يكون سؤالاللجهاد الذي ربما ختم لفاعله بالشهادة ،فانظر كيف دلتك السورة على هذا المعنى!!!
أما الحديث عن النفاق والمنافقين فإن سؤال الهداية مقتضاه طلب الابتعاد عن النفاق، والنفاق نقيض الهداية لأنه ضلال والضلال نقيض الهداية بلاريب ،ألاتراه سبحانه وتعالى قد قال: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }النساء88أقول:ووجه الاستدلال واضح بين بحمد الله.
أما الحديث عن التفكر والتدبر في ملكوت السموات والأرض وما فيهما من إتقان وإبداع ، وعجائب وأسرار، تدل على وجود الخالق الحكيم،فإن ذلك تفصيل لقوله تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }الفاتحة6؛لأن من أكبر طرق الهداية أن تنظر في عظيم خلق الله وإبداعه ،فإن ذلك يوقظ في ذوي الفطر السليمة الإيمان والتوحيد واليقين ،ألاترى كيف أن الله تعالى يستدل في كثير من آيات القرآن الكريم ببديع صنعه ،وعظيم خلقه ،ولم يكن ذلك لولاأنه {سبحانه وتعالى}علم عظيم أثر ذلك في النفوس فدونك القرآن الكريم تجده بذلك زعيما ،من مثل قوله تعالى {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ# وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ# وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ# وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}17-20الغاشية:أما الجهاد فقد ذكرناه آنفا .والله العالم.