بسم الله الرحمن الرحيم
العصمة في سورة الفاتحة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد:
فإن العصمة من المفاهيم الكلامية التي اتفق علماؤنا على مجملها ،وقد أشبعت بحثا في المظان الكلامية وبحسبك أن تطل إطلالة سريعة على المكتبة الكلامية فإنك لا تلبث أن تجد عشرات من الكتب والأبحاث قد تناولت هذا البحث ،وقد خطر ببال هذا العبد الحقير أن يدلو بدلوه في قليب هذا البحث ،غير أنني أخذت على نفسي أن ابتكر الطريقة في ذلك ،وأن أكون أبا عذرة هذا البحث،لكنني والحق يقال قد اهتديت بنائرة كتاب الألفين للعلامة الحلي فقد سرحت فيه فكري فوجدته يغريني ويفتق في خلدي الفكر الجديدة ،ولا غرو فهو من هو علما ومعرفة .وكنت قد ألقيت هذا البحث مرتجلا في بعض المجالس ،لكنني تركته شرودا حتى أزمعت تقييده الآن ،فخذوه فعسى أن يكون ذا نفع وفائدة ومن الله أستمد العون والتوفيق.
قال تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الفاتحة2
ابتدأ الله عز وجل هذه الآية بقوله: الْحَمْدُ،وهي كلمة معرفة بلام التعريف ،فما نوع هذه اللام؟قال الزمخشري في الكشاف:فإن قلت :ما معنى التعريف فيه ؟قلت :هو نحو التعريف في أرسلها العراك ،وهو تعريف الجنس ،ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو،والعراك ما هو،من بين أجناس الأفعال،...ج1ص112.
فالزمخشري يرى هاهنا أن اللام هي اللام الدالة على الجنس،ومقتضى ذلك أن كل ضروب الحمد له سبحانه ،وأنه خلو من كل ضروب الذم ،ولازم ذلك أنه لايفعل إلا المحمود بل لايدع ماكان في تركه ذم له سبحانه وتعالى،فهو محمود في أخذه ومحمود في تركه،وهو محمود في عقابه ومحمود في ثوابه وهكذا دواليك.وقد تسأل فتقول :إن هذا المقتضى هو مقتضى لام الاستغراق لالام الجنس فما الجواب؟فأقول:إن الجنس يقتضي إطلاق لفظه على كل فرد من أفراده ،فقولك :إنسان ،لفظ جنس ولكنك قد تطلقه على كل فرد من أفراده ،وقد تعنى به كل أفراده على نحو الاستغراق ،فتأمل ،وقد قيل في تعريف الجنس إنه: اسم دال على كثيرين مختلفين بأنواع .
وكلي مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب ما هو من حيث هو كذلك فالكلي جنس.(انظر التعريفات للجرجاني).والله أعلم.وقد ذكروا في الفرق بين لام الجنس ولام الاستغراق أنهما من حيث اللفظ والمدلول متحدتان ،ومن حيث الدلالة غير متحدتين لأن لام الجنس تدل على جنس الشيء بالمطابقة وتدل على جميع أفراده بالواسطة ،أما لام الاستغراق فتدل على جميع أفراد الشيء بالمطابقة.(انظر: رسائل الكركي ج3 ص165الهامش.
فعلى هذا –إن صح-فإننا نريد الوجه الذي اتفقتا عليه ،فالجنس إذن استغراق في جهة من جهاته.والله أعلم.
عود:فإذا كان الأمر على ما قدمت لك فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق وهو بين أمرين إما أن يرشدهم ،وإما أن يدع إرشادهم ،ولازم الثاني ضلالهم وهذا قبيح يذم عليه ،فعليه يلزمنا الأول وهو أن يرشدهم ،وإرشادهم إما أن يكون بمعصوم أو بغير معصوم ،ولازم الثاني الخطأ والسهو والنسيان والغفلة وغلبة الشهوة ثم عدم الرشاد ومقتضى ذلك أن يذم الله تعالى –والعياذ بالله-فيلزمنا الأول وهو المطلوب والله العالم وإلى لقاء آخر .