تابع...
ولم أتردد في مغادرة الغرفة .. بعد أن ألقيت على الشهيد النظرة الأخيرة .. كان الضباب خارج الغرفة يغطي الفضاء بحيث أن الرؤية إلى ما بعد مترين كانت مستعصية تماماً ، وكان المطر يهطل .. ولكنني منت متيقناً بأني سوف أصل رغم الضباب والمطر والظلام .. لقد وعدني أهل البيت عليهم السلام بذلك .
ما خاب من تمسك بكم .. وأمِنَ من لجأ إليكم .
وكان زمان مغادرتي الغرفة يوم الأربعاء ليلاً..
وأخذت أمشي وأحثّ السير في الإتجاه الذي أتينا منه وأعتقد أنه هو الإتجاه الصحيح .
رغم الظلام والمطر والضباب .. وفجأة لمحت جسماً غريباً يمشي أمامي ولم أستطع أن أتبيّنه بسبب الظلام والضباب ولكنه كان يسير أمامي سيراً حثيثاً وأنا أسير خلفه وأحتذي به .. ولم أخف ، فقد ذهب الخوف عني كلياً ، لأنني كنت واثقاً بأهل البيت عليهم السلام ومعتمداً عليهم ، واستمر هذا السير طوال الليل .. وما ان انجلى الصباح قليلاً وانقشع الضباب حتى تأملت أمامي لكي أتبين هذا الذي كان يسير أمامي كل الليل فوجدته ضبعاً كبيراً جداً .. وكأنه كان يرشدني الى الطريق الصحيح ..ثم اختفى بعد قليل ولم أعد أراه ..
فاستمريت أنا في المسير طوال النهار حتى جنّ عليّ الليل فوصلت الى تلة عليها بيت صغير .. فأخذت حذري ولكن بندقيتي إحتكت بصخرة فأحدثت ضجيجاً فلزمت مكاني وراقبت البيت فإذا برجل يخرج منه وقد حمل فانوساً وبندقية صيد ثم أخذ يفتش حول البيت فلم يجد شيئاً فعاد الى بيته ، وأنا مختيىء في مكاني بحيث لا يراني ، فنهضت وأكملت طريقي حتى وصلت الى نهر كبير وهنا أدركت أني أضعت الطريق ووقفت أراقبه وأنا محتار في كيفية إجتيازه ..
ولكنني أذكر أنني اجتزته .. كيف ؟ لا أدري ، لقد كانت هناك قوة غير طبيعية تساعدني على السير الحثيث وصعود المرتفعات وهبوط المنزلقات الخطرة وعبور الماء .. وكنت كأنني مسيّر فقد السيطرة على نفسه .. وفجأة بعد خروجي من النهر وقعت في جبّ من شوك العليق .. وكان عميقاً وكثيفاً فبذلت جهداً جهيداً في التخلص منه والخروج ..
ثم أخذت أصعد الى جبل وفيما أنا أصعد فوجئت بضوء ساطع في وجهي فعلمت أنه موقع من مواقع الأعداء فتراجعت ومكثت منتظراً بزوغ الصبح حتى استمر في سيري .
أدركني الصباح وأنا أستريح الى سفح جبل وقد تورّمت قدماي من كثرة المسير فلم تعد تقوى على السير أضف إلى آلام الجراح والى الثلج الذي أصبح جليداً فلم يعد السير عليهم ممكناً .. وأصبحت كل حركة تعني الإنزلاق على الجليد ولكني كنت أعتمد على بندقيتي فأضربها في الأرض حتى أثبت مكاني وأمنع نفسي من الإنزلاق ..
ورغم كل شيء حثثت السير حتى وصلت الى بيت فرأيت ماشية كثيرة أمامه …
وعندما وصلت إليها خرج صاحبها من البيت وأخذ ينظر إليّ مرعوباً فخاطبته حتى يأنس بوجودي ولكنه لم يتكلم بل وقف يحدّق فيّ خائفاً فقلت له : هل يوجد عندك طعام ؟فلم يتكلم بل أخرج من كيس معه رغيفاً فيه بطاطا مطبوخة باللحم فأخذت آكلها وهو ينظر، إليّ وعيناه لا تفارقني أبداً ..
وما أن فرغت من أكلها حتى أحسست بألم لا يطاق في معدتي وأمعائي مما دفعني الى الصراخ من شدة الألم وارتميت أرضاً وأنا أكاد أتقطع من شدة الوجع في بطني .. ولم أتخلّص من هذا الألم حتى تقيأت كل ما أكلته وعادت إليّ حالتي الطبيعية ، فشربت قليلاً من الماء ثم طلبت منه أن يعيرني حماره لعلّه يعينني على السير فأرتاح من السير على قدميّ الجريحتين ..
فناولني لجام حماره بدون أن يتكلم أيضاً .. ولكنني لم أوفّق في ركوبه فقد أبى وأسقطني عن ظهره وسبّب لي آلاماً أخرى إضافية .. فتركته وفارقت الرجل وقطيعه وتابعت سيري ومضت ساعات على السير وأنا منهك خائر القوى حتى وصلت الى طريق معبّدة فأخذت أحثّ السير الى أن ظهرت بيوت .
وما أن وصلت إليها حتى أبصرت شخصين على شرفة منزل فيها يتحادثان ثم رأيت أحدهما يشير إليّ .. وهنا انهارت قواي وسقط على الأرض .. وكأن تلك القوة المستعارة ببركة أهل البيت عليهم السلام والتي حملتني وعبرت بي الجبال والوديان من يوم الأربعاء مساءً إلى يوم الجمعة عصراً قد نفدت .. فكأنها مؤقتة كي تحملني إلى هنا فقط .
سقطت أرضاً من شدة الألم في ساقيّ الجريحتين .. وعادت آلامي كما كنت حين أصابتني الميركافا .. فأغمي عليّ ولم أحسّ بشيء مما يجري حولي ..
وفتحت عيني في المستشفى فوجدت شخصاً واقفاً قرب سريري ينظر إليّ .. سألته ك من أنت ؟ وعندما أجابني باسمه تذكرت كلّ ما جرى لي بالتفصيل وتذكرت وصية الشهيد وكلام الإمام الحسين والإمام المهدي عليهما السلام خصوصاً فيما يتعلّق بالعميل الإسرائيلي فإن هذا الشخص الذي يقف فوق رأسي الآن هو نفس الشخص الذي طلب مني الشهيد بأمر من الإمام الحسين والإمام المهدي عليهما السلام أن أخبره بموضوع العميل وحَصَرا الإخبار به دون غيره ..
وفعلاً فأول كلمة قلتها له : يقول لك الشهيد إن فلان عميل لإسرائيل .. وهذا بأمر من الإمام الحسين وصاحب الزمان عليهما السلام .. فدهش لهذا المعلومات وطلب مني أن ألتزم الصمت ولا أخبر أحداً بذلك ..
اعتقال هذا العميل بعد ذلك واعترف بجريمته ولزمت أنا الصمت سنوات طويلة حتى كتابة هذه الكلمات ..
وقد تم ولكنني وفاءً لتعهدي الذي قطعته للشهيد بأن أخبر كلّ من يسألني بقصة لقائه بالإمام الحسين وصاحب الزمان فقد دوّنت هذه القصة ، قصّة من قصص رجال المقاومة الإسلامية الأحرار ، أحرار هذه الأمّة وسبب عزّتها وصون كرامتها .
( نقلاً عن كتاب قصص الأحرار )