الإشكاليون ( 4 ) :
أهلاً بكم في ضيافة الحلقة الرابعة .. وأرجو أن يبقى الوله والشوق حاريين لاستقبال هذه الخميرة النابضة ..
كنا طرحنا في ذيل الحلقة السابقة هذا السؤال :
لماذا نشكل على الإشكالي طريقته الثقافية هذه ؟
إننا نشكل عليه طريقته ، لأنه يريد بتر الحقيقة والهدف ، بهذا المنهج ، ولأنه لا يتخذ الطريق العلمي لإشفاء غليل سؤاله .. ولأنه يراوح نفسه ومن تأثر حدوهم فقط .. نريد تنبيهه ليكشف التناقض والنقص الذهنيين الليذين يعيشهما دون أن يعي ذلك .. فبدلا من أن يهاجمنا باستفهاماته ، علينا مجابهته بنفس الأسلوب .. وهو مجابهة إشكاله بإشكال آخر .. ليعيد ترتيب بناء ذهنه المقفل ..
فلو قال لنا : لماذا التوسل ( على نحو الاستنكار )
قلنا له : ما تعريف التوسل ؟
ولو قال لنا : لماذا هذه الشعائر الحسينية والحسين لا يحتاج إلى كل ذلك ؟
قلنا له :
لماذا تضيق مشاعر الناس وتفاعلهم مع الشعيرة بنظرتك المحدودة ؟
إننا نحطم سؤاله بسؤال ..
وحينما يلتوي ذهنه ليجيب .. فلربما يكتشف خواء سؤاله ..
والسؤال الأهم :
ما الدواعي والأسباب التي جعلت الإشكالي يفكر بهذه الطريقة ، وينتهج هذا الأسلوب في إيصال ثقافته ورسالته ؟
فالإشكالي بمنهجه هذا يعيش مأزقاً وأزمة بين ثقافته المتنوعة والخليطة ، وبين هويته التي يشكلها كل حين بحسب الأجواء والظروف والأفكار .. إنه ببساطة لا هوية لديه .. يقفز ميدان إلى ميدان .. دون أن تعرف له هوية وهدفاً محدداً .. لماذا ؟
لأنه يوهم نفسه أن المعلومات التي تحصل عليها من هنا وهناك كفيلة بأن ترسم له هوية كافية وواضحة ..
لا يدري بأن التأسيس الفكري للشخصية الثقافية أمر مهم قبل أن استعراض حجم المعلومات والمعارف والأفكار والآراء .. فنشاط كل مثقف رهين بهويته وهدفه العميق .. فمتى اتضح الهدف وكشفت الأسس التي ينطلق منها وإليها .. أصبح القارىء والمتابع على ثقة واطمئنان لاستقبال الثقافة ..
ولعل أهم سبب في رأيي هو التقليد لنماذج ثقافية إعلامية لها مال لها من الجهود والأنشطة الثقافية المكثفة ..
فحينما يظن المثقف باطلاعه على كتب علمانية – مثلاً- أو ليبرالية .. أو غربية مترجمة .. بدون أسس وضوابط مهمة .. يوهم نفسه أنه داخل سور وبرج لا تأتيه التأثيرات من بين يديه ولا رجليه .. هكذا دأب الشباب المنطلق .. إنه يتابع ويستقبل كل شيء .. معللاً أننا في عصر المعلومات وتنوع المصادر .. وأن لا بد للمثقف أن يتنور ويتنوع في ثقافته .. وما يدري المسكين أنه يعمل على خليط متناقض .. وبناء متضعضع حينما يجمع الغث والسمين دون دراية ووعي وعلم وسوابق تأسيسية .. فحينما يطلع المثقف – مثلاً – على كتاب : أحمد الكاتب .. دون أن يقرأ عن الإمام المهدي (عج) ولا كتاب في المذهب الإمامي .. ماذا تسمي ذلك ؟
هل هذا تنور .. ثقافة .. لماذا لا تبدأ بالكتب الإمامية .. من ثم تنطلق في كتب المخالفين ؟ لماذا تمشي بالمقلوب ..
ولا بأس هنا بنقل موقف قصير حدث بيني وبين أحدهم ، حينما تناولنا على عجالة سريعة كتاب أحمد الكاتب .. فقال لي : بغض النظر عن النتائج التي خرج بها المؤلف .. لكنه طرح أسئلة حرية بالبحث والتناول والتفكير ..
قلت له : هل قرأت كتاباً عن الإمام المهدي (عج) ؟
قال : لا
فلت له : لو قرأت .. لما قلت بأن أسئلته حرية بالبحث والتناول والتفكير ...
فصمت فترة .. ثم قال : ربما !!!
ويبدأ المثقف بالتأثر دون أن يعلم ويعي ..
إنها خطورة الأفكار والتفكير .. ولقد ورد في مضمون كلام للإمام علي (عليه السلام) أنه قال لأحدهم ألا ترى الناس لو كانت في مكان مظلم وهي تأكل كيف تتلمس بيدها الكل وتختاره على حذر وبطء .. لماذا لا يحذرون من دخول الأفكار إلى أذهانهم ..
أو أن المثقف يتأثر بطريقة وبإسلوب معين لعلماني أو غيره من التيارات .. ويدافع عن أفكاره وكأنه المقدس البديل .
إن هذا المثقف يقع في تناقض مع نفسه .. فهو تراه ينتقد المثقف الديني بأنه يقدس شخصيات وأفكار .. بينما هو الآن يقع فيما حذر منه .. فهو يقدس أفكاراً وشخصيات أخرى .. وكأنه يعيش فكرة التقديس ذاتها .. لكنها نقلها من شخصيات دينية إلى شخصيات ثقافية أخرى .. ويفترض بنا أن ننطلق من حدود الشخصية إلى أفق الفكرة ، لا أن نقسر الفكرة بحدود عقل صاحبها ..
الإشكاليون قد يقعون في شرك الجذب للشخصية وتقديس جميع ما تنتج والدفاع المستميت عنها ، وما دروا أنهم يقعون في الخطأ ذاته فهم يقدسون أصحاب الفكرة أكثر من الفكرة ذاتها ، أو أنهم يقدسون الفكرة لأنها انطلقت من ذهن هذه الشخصية ولا بد من الدفاع عنها لأنه تحمل هالة الشخصية ومقامها ..
يقترض هنا أن نأخذ الفكرة بغض النظر عن قائلها وصاحبها ومؤسسها لتدرس .. من ثم نعطي الحكم ...
قال لي أحد الأصدقاء ، أنه جرى بينه وبين أحد من يسمي نفسه بالعلماني نقاشاً حول شخصية الأديب محمد العلي المعروف ، فقام ذاك يدافع ويدافع .. ثم قاطعه صديقي مثيراً نقد ونقاشاً حول محمد العلي .. وصار يستشهد ببعض الآيات القرآنية مدعماً رأيه .. فانطلق ذاك غاضباً :
من أنت لتناقش محمد العلي أنت تحتاج إلى سنوات لتفهمه فضلاً عن نقده ونقاشه ..
ليس هذا فقط .. بل أنه تجرأ على الآية القرأنية واصفاً إياها : إنها وجهة نظر ( يا لله !!! الآية وجهة نظر ؟!! ) ..
فقال له صديقي :
هل الآية وجهة نظر .. إنه كلام الله
أما كلام محمد العلي فهو صعب الفهم والنقاش .. وكانه وحي منزل ..
.. حسناً .. احكم بنفسك قارئي ..
ومرة حدث نقاش عابر بيني وبين أحد المعلمين .. ما يهم منه أنه قال بأن الله لا يبتلي عبده المؤمن .. فكيف يحبه ويبتليه ؟؟؟ إنه يثير تساؤلاً ..
فقمنا باستعراض كثير من الشواهد والأمثلة على أن الله يبتلي عباده المؤمن والكافر .. وأن المؤمن يستفيد من البلاء الكثير الكثير ..
بينما هو مصر على أن الله إذا أحب عبداً أعطاه ووفقه ..
دون دليل .. فقط رأي استحسنه ..
قلت له : عرف لي البلاء ؟
لم يجب .. بل قال البلاء واضح ولا يحتاج لتعريف ..
كررت السؤال وتهرب لجهة أخرى ...
قمت بدوري بالاستشهاد ببعض الآيات الكثيرة التي تنص على أن الله يبتلي عباده ..
لكنه قال لي :
لا تحتج لي بالقرآن ، فالقرآن حمال ذو أوجه ..
أعطيني دليلاً عقلياً ..
لم يخيفني كلامه ..
قلت له : حسناً .. هلا أرشدتني إلى الفهم الخاطىء لمعنى الآية .. كي آتيك بدليل آخر ؟؟ فمادمت تقول أن النص القرآني لا يحتج به .. قلي فقط أن فهمك خاطىء وأوضح لي ذلك ..
لم يجب .. تملص
قال له الجالسون أجب .. إنه استدل بآية .. وأنت تقول دليل عقلي ..
قلت له : وما دخل الدليل العقلي هنا ؟
كيف تستحسن شيئاً .. ثم تنكر استحسان الآخرين ساقهم دليلهم العقلي إلى القرآن .... ؟؟؟!!
أما عن الأسباب على نحو مختصر ، نذكر منها :
1ـ ظاهرة العلمنة الشاملة والجزئية :
إن تيار العلمانية هو من أهم الاتجاهات التي يتكىء عليها الإشكاليون في مسارهم الثقافي ، لأن العلمانية في مفهومها القديم فصل الدين عن الدولة أو الحياة .. أي تبديل السلطة الدينية بسلطة العلم .. والتجارب .. والمعارف غير المرتبطة بالدين عامة ..
وقد تسربت هذه الاتجاهات للوطن العربي والمجتمعات الإسلامية .. وأخذوا يقايسون الدين الإسلامي بالمسيحي .. وبدأت الظاهرة بالانتشار بفعل عوامل أخرى كثيرة لسنا بصددها ..
أما العلمانية الحديثة فهي الجزئية ، وهي فصل القيم الأخلاقية والإنسانية عن الحياة .. وهي أشد خطورة .. لأن معتنقها قد يكون مسلماً متعبداً .. لكن تفكيره حر ، يأخذ ما يقنع به أو ما يهواه حتى دون قناعة .. يمجد العلم التكنولوجي .. أحياناً يمازج بين التفكير الديني والعلماني لينتج لنا بأفكار لا إسلامية ولا علمانية ..
وهنا تبدأ المشكلة بالتعقيد ..
أتذكر موقفاً نقله لي أحدهم .. قال :
كنا في جلسة مع العلامة الشيخ الفضلي ( حفظه الله ) وكنا نطارحه الأسئلة ، وكان من بيننا شاب يكثر الأسئلة على الشيخ على نحو غريب .. حتى أثار الشيخ ، وقال له مستفهماً : عفوا ً .. هل الأخ سني ؟!
فأصيب المجلس بالوجوم .. وسكت ذلك الشاب .. بعدها قاموا بعتابه بعد المجلس ..
لاحظ هنا .. أن هذا الشاب .. كان مرتبكاً في صياغة أسئلته إلى درجة أن الهوية المذهبية ضاعت من بين يديه وهي يكيل الإشكالات والشبهات .. مما حدا بالشيخ أن يتأكد هل هذا الذي أمامه شيعي أم سني ؟!!
2ـ شيوع ظاهر النقد الثقافي للمثقف عامة :
شاع في هذا العصر تيار النقدية .. ومحاسبة الذات الجمعية .. والنقد ظاهرة صحية إن أحسن المثقف استخدامها .. لكن أن يصبح المثقف ديدنه النقد والنقد .. وكأنه خارج اللعبة .. فهذا ما يوقعه في المثالية والخروج عن ميدان الحياة .. وكأنه المحاكم الوحيد والسلطة العليا والتي لا بد أن يشك خيط بإبرة إلا وينظر فيه ويحكم فيه .. ولذلك للنقد هدفان : هدمي ، وبنائي .. فالهدمي وسائله الشك .. وإثارة الشبهات والإشكالات وتكديسها على نحو يضعف الطرف الآخر دون أن يشعل ضوءاً للنجاة وللإيجاب والجانب التنويري ..
3ـ ظاهرة الانتقائيين :
يحدث أحياناً وبفعل تأييد المثقف لناحية معينة من الأفكار والشخصيات نراه يتحيّز مسبقاً له ولأفكاره ويأتي بالمقدمات والأدلة ويقسرها للدفاع عنه وعن أفكاره .. وهذا النوع ينتقي بعض المعلومات التي يريدها ليخرج بالنتيجة التي يريدها ..
وهذا ما حاول أحمد الكاتب استعماله في كتابه ، حيث يختار النص والكلمات التي تخدم فكرته ويقوم بقصها وأحياناً حذفها وأحياناً إلصاقها بمصدر أو قائل لم يقلها .. كل ذلك لأجل خدمة هدفه .. وقد اكتشف ذلك كل من رد على شبهاته المسروقة من كتاب الشافي للإمامة للشريف المرتضى حينما نقلها عن من يناقشه في كتابه ..
4ـ هناك تيار يريد الانتقام من الثقافة السائدة في محيطه ومجتمعه .. فيلجأ لإشعال الإشكالات والشبهات ليضعف نشاط السائد ، ويبرز هو على أنقاض الآخرين
5ـ يظن الكثير أن البقاء والثبات على أصول ثقافية وأسس هو تخلف وتقليدية ، فتراه يتبدل ويتغير بحسب الأجواء .. وكأن الأفكار عنده كالأطعمة واللباس ، غير واعٍ بأن الأساليب هي التي تتغير باستمرار ، وفهمنا للأفكار الأساسية ، وبعضاً منها ، وليس كل الأفكار الأساسية التي نقوم عليها ..
فلأنه غير مقتنع – مثلاً – باللطم .. أو تقبيل الأضرحة .. فتراه يخجل من ذلك ولا يمارسه .. كي لا يتهم بشيء هو يخافه ..
وهنا نحب أن ننقل موقفاً حدث لأحدى الأخوات المسكينات المتأثرات بهذه الأجواء .. حيث كانت في رحلة إلى إيران .. ومرة قالت للنساء : لماذا هذا الاهتمام بالذهاب لضريح الإمام الرضا (ع) وتقبيله وزيارته هناك للمزاحمة .. لماذا لا تزرنه في السكن .. والزيارة حتماً ستصل .. بعدها ثارت النساء عليها فسكتت .. لكن النساء لم يجبنها بالشكل الصحيح .. فقال لي أحد الأصدقاء بأن زوجته نقلت له هذا الموقف ، فقال لها : قولي ليه (يعني زوجته) لماذا العناء للسفر إليه ؟؟ لماذا لم تجلس في بيتها الأحساء وتزوره ؟!!
6ـ الفهم الخاطىء والمستعجل ، فالمثقف هنا يعيش في زمن الوجبات السريعة ، وعصر السرعة والفضاء ، يريد أن يفهم الفلسفة في يومين ، ويردي منازلة مرجع ديني في ليلة وضحاها .. ويريد فهم النص الدين بقراءة عابرة ، ويريد تخطئة حديث بفكرة طارئة .. ويريد التنازل عن بعض عقائده أحياناً مقابل أن يرضى عنه الأطراف الآخرون .. يريد الانغماس وتغطية وجهه كي لا يكشف أفكار مذهبه أو ثقافته مثقف مخالف ..
وللحديث بقية ......
ابن المقرب