الفصل الثالث
المهدي المنتظر غي غيبته
متى وكيف وأين غاب الإمام المهدي (عليه السلام)؟
الغيبة الصغرى
الغيبة الكبرى
وجه الإنتفاع به عليه السلام في غيبته
ألطافه عليه السلام في غيبته
رؤيته عليه السلام في غيبته
المهدي المنتظر في غيبته
للامام المهدي غيبتان
صغرى وكبرى
الغيبه الصغرى ::::
إن الاستتار والاختفاء كان ملازما لحياة الامام المهدي (عليه السلام) منذ اوائل عمره , وعلى هذا يمكن لنا أن نقول : إن الغيبه الصغرى ابتدأت مع حياة الامام (عليه السلام) أي : كانت حياته منذ الولاده مقرونه بالاستتار عن الناس , ويمكن أن نعتبر السنوات الخمس التي قضاها الامام المهدي (عليه السلام) مع والده الامام الحسن العسكري (عليه السلام) من ضمن الغيبه الصغرى , تبعا للشيخ المفيد وغيره .
ولقد كانت الغيبه الصغرى مقدمه تمهيديه ومدخلا للغيبه الكبرى والغيبه الكبرى مقدمه للظهور , وإليك شيئا من التفصيل :
كان الناس بصوره عامه , والشيعه بصوره خاصه , بإمكانهم أن يلتقوا بالائمة الطاهرين (عليه السلام) في أي وقت شاءوا , وفي أي مكان أرادوا , في المسجد في الطريق , في مواسم الحج , في بيوت الائمه (عليه السلام) .
واستمرت هذه الحاله من زمان الامام الهادي (عليه السلام) حيث اشتدت فيه الرقابه على الامام من قبل السلطه الجائره للحكام العباسيين , بعد أن جمدت نشاطاته , فكانت العيون تراقب حركاته بكل دقه وتراقب اتصالاته ولقاءاته بالافراد .
فكان الخليفه بصوره عامه يفكر – دائما- في كيفية القضاء على تلك الشخصيات المقدسه , وتحطيم معنوياتهم , وتشويه سمعتهم , وتجميد نشاطاتهم وملاحقة أصحابهم .
فكان الامام الهادي (عليه السلام) يراعي الظروف , ويخطط للتخلص من مضاعفات تلك الرقابه .
ومن جملة الطرق والوسائل الحكيمه التي اختارها الامام (عليه السلام) للتخلص من مشاكل الرقابه هي : أنه عين بعض الثقات من شيعته في بغداد ليكون وكيله , ويكون مرجعا لقضايا الشيعه , ومصدرا لامورهم الدينيه والدنيويه .
فكانت الأموال تحمل الى الوكلاء , والمسائل الدينيه تسلم إليهم فكانوا يقومون بالوساطه بين الامام الهادي (عليه السلام) وبين الشيعه .
وقد اختار الوكلاء بعض المهن تغطية لهذا المنصب الخطير .
واستمر الامر على هذا المنوال سنوات , حتى تعود الناس على مراجعة الوكلاء في بغداد , الى ان استشهد الامام الهادي (عليه السلام) وبقيت الوكاله نافذة المفعول عند الوكلاء , فكانوا همزة وصل بين الشيعه وبين الامام العسكري (عليه السلام) .
ولما استشهد الامام العسكري (عليه السلام) أبقى الامام المهدي (عليه السلام) الوكلاء على وكالتهم .
وهكذا فإن بعض سفراء ووكلاء الامام المهدي (عليه السلام) في الغيبه الصغرى كانوا وكلاء جده وأبيه مثل الشيخ عثمان بن سعيد العمري الاسدي – والعمري الثاني – وهو ولد العمري الأول .
وآخرين ممن اختصوا فقط بوكالاة الامام المهدي (عليه السلام) هما :
1- النوبختي : الحسين بن روح .
2- السمري : علي بن محمد .
وبوفاة السمري رابع السفراء انتهت الغيبه الصغرى وذلك من خلال رسالة وجهها الامام المهدي (عليه السلام) للسمري قبل وفاته مكتوب فيها :
"بسم الله الرحمن الرحيم"
ياعلي بن محمد السمري , أعظم الله أجر إخوانك فيك , فإنك ميت مابينك وبين ستة أيام . فاجمع أمرك , ولاتوصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك , فقد وقعت الغيبة التامة , فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره .
فكانت مدة الغيبه الصغرى 69 سنه والتي استوفيت أغراضها عند هذا الحد من تعويد الناس على الغيبه امتثالاً لقضاء الله من جهه , وابتغاء تعويدهم على أخذ أمور دينهم من مراجعهم الدينيه من جهة ثانيه , ومن أجل تدريب العقول المرنه على قبول مايقضي به الله تعالى .
وقدر الله أن تكون الغيبه الصغرى قبل وقوع الغيبه الكبرى , ليستأنس الشيعه بمعرفته , وليسمعوا فتاواه في الدين , وليطلعوا على تواقيعه الشريفه فتترسخ عقيدتهم في قلوبهم , بعد أن يتأكدوا من وجوده , ويعرفوا ما تكون عليه غيبته الكبرى وعهد الانتظار المر .
الانتفاع به في غيبته
هنا يتبادر السؤال وهو : ما الفائدة من وجود الإمام الغائب , وكيف ينتفع الناس به؟؟
ولافرق بين وجود الامام المهدي مع غيبته وبين عدم وجوده ففي كلا الحالتين لا يمدنا بشيء؟!
والبعض الآخر يقول : بما إننا لا نستفيد منه وهو غائب فلا ضرورة من وجوده , لذلك لا مانع من القول بأن الامام المهدي (عليه السلام) يولد في آخر الزمان.
علينا أن نعرف معنى الغيبة حتى يتوضح لنا إن كان ينافي تصرف الغائب في شؤون الناش أو لا؟
ولكن للغيبة هنا معنيان:
الاول: إنه لا يعيش في المجتمعات البشرية , ولا يكون في متناول الناس , بأن يقصده الناس أو يلتقي به كل أحد , ويراه القريب والبعيد كما هو شأن الإنسان العادي المتعارف.
الثاني: الإختفاء عن عيون – حسب إرادته – فلا تراه العيون مع كونه موجودا , كما أن العيون لاترى الأرواح , ولا الملائكة ولا الجن , مع تواجدهما في المجتمعات البشرية .
وقد تظهر الارواح بشكل مرئي لبعض الافراد , كما هو المشهور عند الذين يمارسون إحضار الأرواح . وقد تظهر الملائكة لغير الأنبياء كما ظهرت لسارة زوجة إبراهيم عليه السلام ولمريم بنت عمران ...
وقد ظهرت الملائكة يوم بدر للمسلمين وغيرهم .
ولعل قائلا يقول : إن الملائكة أجسام لطيفة , ومن شأنها أن لا ترى بهذه العيون إلا في ظروف خاصة , وليس البشر كذلك.
فنقول : كان مقصودنا التشبيه بالكائنات التي لها القدرة على الظهور للناس , والإختفاء والاستتار عن العيون.
وأما بالنسبة لاختفاء الامام المهدي (عليه السلام) عن العيون فإنها تعتبر معجزة , وكل من توفق للقاء الامام كان مختوما لقاؤهم بغيبة الامام المهدي عن أنظارهم.
وإن غيبة الامام بعد اللقاءات كانت دليلا واضحا على أنه هو الامام لأن الفرد العادي كيف يستطيع أن يستتر ويختفي أو يغيب عن العيون في طرفة عين؟
الامام المهدي معلم الشيعه
قال العلامه المجلسي في بحار الأنوار : أخبرني جماعه عن السيد الفاضل أمير علاَم قال : كنت في بعض الليالي في صحن الروضه المقدسه بالغري على مشرفها السلام وقد ذهب كثير من الليل , فبينما أنا اجول فيها إذ رأيت شخصا مقبلاً نحو الروضه المقدسه فأقبلت إليه , فلما قربت منه عرفت أنه أستاذنا الفاضل العالم التقي الذكي مولانا أحمد الأردبيلي قدس الله روحه .
فأخفيت نفسي عنه حتى أتى الباب وكان مغلقا فانفتح له عند وصوله اليه ودخل الروضة , فسمعته يكلم كأنه يناجي أحدا , ثم خرج وأغلق الباب , فمشيت خلفه حتى خرج من الغري وتوجه نحو مسجد الكوفة , فكنت خلفه بحيث لا يراني حتى دخل المسجد وصار إلى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين عليه السلام عنده ومكث طويلا ثم رجع وخرج من المسجد وأقبل نحو الغري .
فكنت خلفه حتى قرب من الحنانة فأخذني سعال لم أقدر على دفعه فالتفت إلى فعرفني وقال: أنت أمير علاُم؟ قلت نعم , قال: ما تصنع ههنا؟ كنت معك حيث دخلت الروضة المقدسة إلى الآن , وأقسم عليك بحق صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة من البداية إلى النهاية.
فقال: أخبرك على أن لا تخبر به أحدا ما دمت حيا , فلما توثق ذلك مني , قال: كنت أفكر في بعض المسائل وقد أغلقت عليُ , فوقع في قلبي أن آتي إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) وأسأله عن ذلك , فلما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت , فدخلت الروضة وابتهلت إلى الله تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك , فسمعت صوتا من القبر: أن ائت مسجد الكوفة وسل من القائم عليه السلام فإنه إمام زمانك , فأتيت عند المحراب وسألت عنها وأجبت , وها أنا
أرجع إلى بيتي.
الإمام المهدي(عليه السلام) يسدد ويصوب حركة الشيعة
عدة حوادث جرت مع بعض علمائنا تلفت إلى أن الإمام المهدي عليه السلام يراقب حركتهم ويتدخل عند الحاجة.
الشيخ المفيد والفتوى:
سئل الشيخ المفيد ذات يوم عن امرأة حامل ماتت فهل تدفن مع ولدها أم يجب إخراجه منها؟
فظن أن الولد ميت في بطنها فقل: لا حاجة لفصله عن أمه بل يجوز أن يدفن معها وهو في بطنها.
فلما حملت إلى قبرها أتى النسوة آت وقال: إن الشيخ المفيد يأمر بأن يشق بطن الحامل ويخرج الجنين إذا كان حيا منها , ثم يخاط الشق ولا يحل أن يدفن معها فعملت النسوة بما أوحي إليهن.
ثم أُخبٍر الشيخ بما وقع فأُسقٍطً في يده بأنه أخطأ في الفتوى وأخذ يفكر فيمن انتبه لهذا الخطأ فتداركه!!! فسمع هاتفا من خلفه يقول: أفد يا مفيد فإن أخطأت فعلينا التسديد! فالتفت فلم يبصر أحدا , فتيقن أن الهاتف والذي أوحي إلى النسوة هو الإمام الغائب عجل الله فرجه.
الإمام المهدي (عليه السلام) يرعى أمور الشيعة
ورد في رسالة المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد قوله: ونحن وإن كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك مادامت دولة الدنيا للفاسقين , فإنا نحيط علما بأنبائكم , ولا يعزب عنا شئ من أخباركم , ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم , قد جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعا , ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون , إنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم , ولولا ذلك لنزل يكم اللأواء واصطلمكم الأعداء.
إن الامام المهدي (عليه السلام) موجود بجسده الشريف في هذه الدنيا وهو يتنقل من مكان إلى آخر , غاية الامر ان الناس لا يعرفونه أنه المهدي من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وبعض الروايات تشير إلى أنه عند ظهوره عليه السلام يقول الناس قد رأيناه من قبل.
والإمام عليه السلام يأتي إلى الخواص من الشيعة ويكلفهم بتكاليف يترتب عليها مصالح للإسلام وللمسلمين. فهو عليه السلام ليس غائبا عنا , بل نحن عنه غائبون , وقد قرأت في رسالته للشيخ المفيد قوله عليه السلام: إنا غير مهملين لمراعاتكم .
وما جرى مع علمائنا قدس الله أسرارهم أعظم شاهد على ذلك وإليك بعض النماذج :
الإمام المهدي )عليه السلام( والشيخ الصدوق
ذكر الشيخ الصدوق قدس سره في أول كتابه كمال الدين وتمام النعمة قال:
إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي : إني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا عليهما السلام رجعت غلى نيشابور وأقمت بها , فوجدت اكثر المختلفين الي من الشيعة قد حيرتهم الغيبة ودخلت عليهم في امر القائم عليه السلام الشبهة , وعدلوا عن طريق التسليم الى الاراء والمقاييس , فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالاخبار الواردة في ذلك عن النبي والائمة عليهم السلام , حتى ورد الينا من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلدة قم طالما تمنيت لقاءه , واشتقت إلى مشاهدته لدينه وسديد رأيه واستقامة طريقته , وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن .
فلما أظفرني الله تعالى ذكره بهذا الشيخ الذي هو من أهل هذا البيت الرفيع , شكرت الله تعالى ذكره على مايسر لي من لقائه , وأكرمني به من إخائه , وحباني به من وده وصفائه .
فبينما هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفه والمنطقيين كلاما في القائم (عليه السلام) قد حيره وشككه في أمره , لطول غيبته وانقطاع أخباره , فذكرت له فصولا في إثبات كونه (عليه السلام) , ورويت له أخبارا في غيبته عن النبي والأئمه (عليه السلام) , سكنت إليها نفسه , وزال بها عن قلبه ماكان عليه من الشك والإرتياب والشبهه , وتلقى ماسمعه من الآثار الصحيحه بالسمع والطاعه والقبول والتسليم , وسألني أن أصنف له في هذا المعنى كتابا , فأجبته إلى ملتمسه , ووعدته جمع ما أبتغي , إذا سهل الله تعالى لي العود إلى مستقري ووطني بالري .
فبينما أنا ذات ليله أفكر فيما خلفت ورائي من أهل وولد وإخوان ونعمه , إذ غلبني النوم فرأيت كأني أطوف حول بيت الله الحرام , وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه وأقبله وأقول : أمانتي وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاه .
فأرى مولانا القائم صاحب الزمان (عليه السلام) واقفا بباب الكعبه فأدنو منه على شغل قلب وتقسم فكر , فعلم (عليه السلام) ما في نفسي بتفرسه في وجهي , فسلمت عليه فرد علي السلام .
ثم قال لي : لِمَ لا تصنف كتابا في الغيبه حتى تكفي ما أهمك ؟
فقلت له : يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبه أشياء .
فقال (عليه السلام) : ليس على ذلك السبيل , آمرك أن تصنف الآن كتاباً في الغيبه وأذكر فيه غيبات الأنبياء .
ثم مضى (عليه السلام) , فانتبهت فزعا إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر , فلما أصبحت إبتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلاً لأمر ولي الله وحجته , مستعيناً بالله متوكلاً عليه ومستغفراً من التقصير وماتوفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
شفاء الحر العاملي ببركة صاحب الزمان (عليه السلام)
ذكر الحر العاملي صاحب كتاب وسائل الشيعه في كتابه إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات : إني كنت في عصر الصبا وسني عشر سنين أو نحوها , أصابني مرض شديد جداً , اجتمع اهلي وأقاربي وبكوا وتهيأوا للتعزيه وأيقنوا أني أموت تلك الليلة .
فرأيت النبي والائمه الإثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين وأنا فيما بين النائم واليقظان , فسلمت عليهم وصافحتهم واحداً واحداً , وجرى بيني وبين الصادق (عليه السلام) كلام , ولم يبقَ في خاطري إلا أنه دعا لي .
فلما سلمت على الصاحب (عليه السلام) وصافحته بكيت وقلت : يامولاي أخاف أن أموت في هذا المرض ولم أقضِ وطري من العلم والعمل .
فقال (عليه السلام) : لاتخف فإنك لاتموت في هذا المرض بل يشفيك الله تعالى وتعمر عمراً طويلاً , ثم ناولني قدحاً كان في يده فشربت منه وأفقت في الحال وزال عني المرض بالكليه , وجلست وتعجب أهلي وأقاربي ولم أحدثهم بما رأيت إلا بعد أيام .
رؤية الإمام المهدي (عليه السلام)
بعد ذكر نبذه ممن توفقوا لرؤية المهدي (عليه السلام) يتبادر إلى الذهن هذا السؤال هل يمكن رؤية الإمام في عصر الغيبه ؟
إن موضوع التشرف بلقاء الامام المهدي (عليه السلام) أصبح غريباً حتى في عقر داره ...
كثيراً ما تسمع التشكيك بإمكانية رؤيته (عليه السلام) , أو الجزم بعدم ذلك أو التعاطي مع قصص التشرف , بمنتهى الإستخفاف .
إن ثمة خللاً كبيراً في علاقتنا بالامام المهدي (عليه السلام) أرواحنا فداه يرقى إلى مستوى ضعف العقيده , ويتجسد هذا الخلل في مجالين :
الأول : عدم الإحساس بالإنتماء إليه .
الثاني : إنكار إمكانية التشرف بلقائه (عليه السلام) .
وخير دليل على الأول إننا نعيش الإنتماء إلى أسرنا , وعشائرنا , أكثر ما نعيش الإنتماء للإمام صاحب الزمان (عليه السلام) .
بل لابد أن يكون ذكر الإمام و إحساسنا بالإنتماء إليه أكثر بكثير , لأنه باب الله الذي منه يؤتى [ ولكل قوم هاد ] .
وأما إنكار إمكانية الرؤيه , والتشرف بلقائه , وخاصة مع وجود الشبهة التي أثارها فيهم السمري ...
وإن هذا الإنكار يبقى لحسن الحظ ضمن الدوائر التي تزعم أن المنهج العقلي يتنافى مع المنهج الغيبي , ولذلك ترفض المغيبات بتعالٍ وازدراء .
وبديهي أن قصص التشرف بلقاء الامام المهدي (عليه السلام) تلحق بالمغيبات , ولذلك يأتي الموقف منها سليباً عند هؤلاء .
والواقع أن هؤلاء ابتلوا بالجهل المركب الذي يقع فيه من يدعون أنهم ينتصرون للعقل , فيفصلون بينه وبين الغيب ... في حين أن القرآن الكريم يحدثنا بوضوح عن الإيمان بالغيب بإعتباره الحقيقه التي يقود إليها العقل .
إن العقل يقودنا إلى الإعتقاد بالله المطلق ... الذي هو على كل شيء قدير وعندما نريد الحكم بإمكان وقوع أمر غريب خارق للعادة فإن العقل هو الذي يأخذنا بأيدينا إلى التسليم بذلك .
الله على كل شيء قدير .
وهذا الأمر الخارق للعاده شيء
فالله تعالى على هذا الشيء قدير .
إذن , من الممكن أن يقع بإذن الله , أما إنه هل وقع أم لا , فإن العقل يفسح المجال هنا للتثبيت , ليأخذ طريقه , ويقدم لنا الإجابه بالنفي أو الإثبات , إلا إنها إجابة حول وقوع أمر لاشك في إمكانية وقوعه .
ولاشك إن الذي ينكر الأمور الغريبه الخارقه للعادة , لمجرد استغرابه لها , واستبعاد وقوعها , لايحترم عقله على الاطلاق , أما الذي يتعامل مع الامور الغريبه , على قاعده الإمكان ويتثبت من وقوعها بطرق التثبت المتعارفه , ليرفض كل مالم يثبت , ويتبنى ماثبت .
فهو يحترم عقله , ويحقق في شخصيته الإنسجام بين المنهج العقلي , والمنهج الغيبي , بإعتبارهما منهجاً فكرياً واحداً .. يرفض الاجتزاء .
وأما توقيع السَمُري :
روى الشيخ الصدوق وغيره أن السمري آخر السفراء الأربعه عليهم الرحمه أخرج إلى الناس توقيعاً - رساله – من صاحب الزمان هذا نصه :
((بسم الله الرحمن الرحيم))
ياعلي بن محمد السمَري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت مابينك وبين ستة أيام , فاجمع أمرك , ولاتوصي إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبه الثانيه , فلا ظهور إلا بعد اذن الله عز وجل , وذلك بعد طول الأمد , وقسوة القلوب , وامتلاء الأرض جوراً , وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهده , إلا فمن إدعى المشاهده قبل خروج السفياني والصيحه فهو كاذب مفتر , ولاحول وقوة إلا بالله العلي العظيم .
هل يمكننا أن نرى الإمام المنتظر (عليه السلام) في عصر الغيبه الكبرى ؟ أم ذلك ممتنع نظراً لما جاء في هذا التوقيع ؟
والجواب : لاشك في أن النيابه الخاصه , بمعنى أن يكون شخص على صلة مستمره به (عليه السلام) , يعرض الناس مشاكلهم عليه , ويعرضها بدوره على الامام , كما كان الأمر في الغيبه الصغرى , أمر انتهى بانتهاء تلك الغيبه .
وكل روايه تنفي إمكان الرؤيه والمشاهده في عصر الغيبه الكبرى ينبغي حملها على نفي هذا النوع من المشاهده المقترنه بنيابة خاصه , وقد صرح بهذا جمع من كبار العلماء - رضوان الله عليهم - وتدل نصوصهم بكل وضوح على أن التشرف بلقائه ممكن , بل صرح أكثرهم بوقوعه .
وإليك جانباً من أقوالهم :
1- الشيخ الطوسي
إن الأعداء , وإن حالوا بينه وبين الظهور على وجه التصرف والتدبير , فلم يحولوا بينه وبين لقاء من شاء من أوليائه على سبيل الاختصاص , وهو يعتقد طاعته ويوجب اتباع أمره .
2- العلامه الحلي
بين قصص اللقاء , قصة تشرف العلامه الحلي برؤية الامام المهدي (عليه السلام) وهي موجوده في كتاب قصص العلماء للتنكابني العالم الجليل .
3- الحر العاملي صاحب وسائل الشيعه
أورد في كتابه إثبات الهداة , القصة التي يتحدث فيها عن رؤيته لصاحب الامر (عليه السلام) بين النوم واليقظه , ثم قال بعد إيراد عدة قصص مشابهة : وقد أخبرني جماعه من ثقاة الأصحاب أنهم رأوا صاحب الأمر في اليقظه وشاهدوا منه معجزات , وأخبرهم بعدة مغيبات ودعا لهم , وأنجاهم من أخطار مهلكات , وكلها من أوضح المعجزات .
((.. وهذا جزء من أقوال العلماء ففي الكتاب الكثير ولكن اختصرت لكم هذه الاقوال ..))
إذن المشاهده التي ينفيها الامام (عليه السلام) أمران :
الأول : أن يدعي شخص النيابه الخاصه , على غرار ما كان الامر عليه في الغيبه الصغرى .
الثاني : ان يدعي ظهوره (عليه السلام) , وانتهاء الغيبه الكبرى التي لا تنتهي إلا بالسفياني والصيحه .
وكل المشاهدات التي تثبتها قصص اللقاء , لا تنافي ذلك , لأنها قصص عن رؤية الغائب صلوات الله وسلامه عليه .
أتمنى لكم قراءه ممتعه ومفيده وجعلنا الله وإياكم ممن نتشرف بلقاء الامام (عجل الله فرجه الشريف)
اعذروني على التاخير لظروف خارجه عن ارادتي
هناك بقيه
انتظروني