الإشكاليون ( 3 ) :
كنا قد أوضحنا في حلقة سابقة مقصودنا من مصطلح (الإشكالية) ..
وفي ظل هذه الحلقة سنقوم بإيضاح المصطلحين الآخرين لتركيبة العنوان ، من ثم الدخول في إيضاح عام للعنوان .. من الإجابة على السؤال التالي :
لماذا ينطلق الإشكالي بهذه الطريقة من التساؤل المغلق والعقيم والذي يحمل تصوراً مبدئياً لقرار متعجل لرأي لم يروض بسباق التريث والاستدلال والتفكير العلمي العميق ؟؟
المصطلح الأول : الثقافة .
للثقافة عدة مفاهيم وتعاريف وشروح .. لكن ما يهمنا في هذا التناول معالجة جوانب ترتبط بجانب الإشكالية .. فالمثقف يفترض أن يحمل رسالة تنويرية للمجتمع .. وأن يحمل مصباح رؤية يمشي به أينما حل تفكيره وطرحه وحواره ، ويحاول دراسة الأطراف الأخرى والظروف والسياقات ليجعل رسالته تتناسب والموضوع والقارىء .. ليست الثقافة كما أشرنا هي حمل مجموعة من المعلومات والمعارف والأفكار والآراء .. ليأتي المثقف ليرمي بها من كل حدب وصوب .. وكأنه يقول : انظروا إلى ثقافتي واطلاعي وذكائي وصياغاتي .. وليست الثقافة هي التلاعب بالعقول بالأسئلة المغلقة .. أو أن يكون المثقف خاوٍ من المعلومات الهامة لرسالته ، ليستعرض بجهله (الذي لا يعلمه) بعضلات منفوخة .. ليغتر به الآخرون .. من ثم لاشيء .. غير النفخ !!!
الثقافة وكما أشرنا هي معلومة ووعي .. هدف ورؤيا بعيدة .. انطلاق خارج حدود الإقليم والزمن .. عمق وحفر في المصادر الأصيلة لأي مجال .. تجديد وتنمية للمفردة والتطبيق .. إنه مجموعة من عوامل ذهنية وسلوكية نشيطة .. يجمعها المثقف لتصل رسالته .. المثقف هنا يؤمن بالتخصص .. ويؤمن بالمعارف العامة .. يلتقط أنفاسه عند حد معين .. يعرف ما يأخذ .. يترك ما يعلمه .. يسأل حينما لا يعلم .. ويعلّم حينما يجد الوقت مناسباً .. يسكت عما يعلم إن استلزم ذلك .. يفكر ثم يتكلم .. ولا يتكلم ثم يفكر ليدافع عما وقع فيه وارتجله .. إنها صفات كثيرة لو استرسلنا فيها .. لكن أهم سمات المثقف .. الهدفية .. والأسلوبية .. والمعارف والمعلومات المتناسبة ومستوى الثقافة ..
لذلك أن أي مستوى في الطرح والمعالجة والتساؤل للمثقف لا بد أن يأخذ حجمه المتناسب وثقافته وحجمه الطبيعي .. ينبغي أن لا يحمل راية استفهام أكبر من شجاعته وفروسيته .. ليترك الراية لأهلها .. يجب أن يثير الغبار على المختصين والمتعمقين في هذا الجانب .. ليخوض فيما يناسبه ويتمكن منه .. ليكون أهلاً لثقافته .. ليتعلم كيف يمشي .. بدلاً من أي يقلد مشية المتسابقين المحترفين .. لينطلق في ثقافته مثلما يصعد كل منا الدرج والسلم .. ليؤمن بمعطيات الزمن والتجربة والتخصص والمعطيات ..
المصطلح الثالث : الهوية .
أشرنا في حلقة بأن الهوية على مستويات كثيرة أهمها ثلاثة ( إسلامية ، مذهبية ، ثقافية ) ...
وما يهم هنا أن المثقف الواعي يجب أن لا ينطلق في ظل هذه المستويات إلا بعد تشبع وتعمق من أسس المصادر .. ففي المستوى الإسلامي على جانب العقائد والفقه مثلاً هناك أساسيات وقواعد لا يجب تجاوزها ، لأنها تمثل الأسس الرئيسية لبيضة الإسلام .. نعم يحق للمتلقي السؤال والاستفهام عن كل شيء .. أولم يطرح القرآن والسنة التساؤل حتى عن الله ووجوده ؟ وعن صدق النبي (ص) وسنته ؟ وعن أسس عقائدية .. لكن طرحها ليتعلم المتلقي الطريق الصحيح للإجابة وليس لإغراء المتلقي بالجهل والتجاوز الخاطىء .. وفي هذا الإطار هناك اجتهادات في كتب التراث لحصر الإشكاليات العقائدية والفقهية والتاريخية .. تم تناولها من قبل مختصين وعلماء .. يحاول بعض المتثاقفين في عصرنا إعادتها ونبشها دون قراءتها من مصادرها جيداً .. ولو قرأوها لما رجعوا لأسلوب النبش والإغراء والفتنة .. على المستوى الإسلامي والمذهبي على حد سواء .. لكن من كانت له خزانة تراثية متينة لا تغره هذه المحاولات المهزومة ..
لكن لا بد من إيضاح أمر مهم في الهوية .. فهناك نص مقدس ( القرآن ، أحاديث أهل البيت (ع) ) وهناك اجتهاد لشرح هذه النصوص .. أما النص فهو ثابت .. والشرح والاجتهاد والفهم هو متغير .. والنص لا نعني بثبوته أنه كالجماد .. غنما يحمل في طياته متغيرات كل زمن وفيه مرونة ووجوه لعدة تناولات وشروح ومعاني وكلها تؤدي في ضوء القراءات الشرعية إلى فهم صحيح للنص ..
ولذلك تعددت رؤى الفقهاء في المسائل الشرعية .. والآراء العقائدية في الفروع .. وغيرها .. كما تعدد في الأصول في بعض الأحيان ..
وبعد الإطلالة السريعة لتركيبة العنوان .. أظن أن المفهوم العام للعنوان اتضح ، الآن نأتي إلى الإجابة على السؤالين التاليين :
# ما ربط الإشكالي بالهوية والثقافة ؟
# ولماذا نشكل على الإشكالي انطلاقاته الثقافية في قراءته ؟
في الإجابة على الأول ، نقول :
هناك بعض المثقفين لم تتضح لهم خريطة الهوية جيداً .. إنهم يتكئون على وهم أسس .. ووهم شعارات فضفاضة .. الحرية .. من حقنا التساؤل .. المساواة .. التحديث .. التطور .. نشر الثقافة التنويرية .. وكثير من الألفاظ الرنانة التي ازدحمت عقولنا من كثرة احتشادها في عصرنا على كافة تنوع الوسائل والاتصالات .. وهذه الشعارات ليست سلبية أو خاطئة في حد ذاتها .. إنما أخطر ما فيها توظيفها المتعسف بما يخدم المصالح الشخصية أو المغرضة أو الغامضة في أحايين أخرى .. لا يمكن قبول كل هذه الشعارات لكل من يطرحها كل بحسب مساره وثقافته على حد سواء .. فحتما سنتفق وسنختلف بطبيعة الحال في كل حالة .. ولو أرخينا العنان لكل صوت .. لما تحصلنا في النهاية على معنى دون نزاع .. ربما هذا الحال يرضي بعض التيارات التي تؤمن بالتعددية المفرطة والمفتوحة .. لكن في ظل نظام قانوني يظلل الجميع بحسب أهدافه وأسسه سنعيش في عبثية وفوضى .. لا أريد الوقوف عند إثبات ذلك ، فهذا الأمر واضح لكل عاقل ..
ماذا نفعل لإشكالي لا يراعي هويته الإسلامية والمذهبية .. وكأنه حصان شريد غاضب لا يلوي على هدف واضح أو أساس واحد يرتكز عليه ؟
ماذا نفعل لإشكالي يتخبط في إسلوبه ومنهجه .. لينوع لنا في كل طرح ثقافة معينة يلتقطها من هنا وهناك .. ومن ثم يدافع عن نفسه وما يطرحه .. وكأنه مسجون ويبحث عن محامي .. ولا يدري انه هو السجان المسجون ؟؟
إنها الشعارات التي انطلق منها الكثير من المتثاقفين .. وكأنهم يريدون تذليل حبل الوصال لشريحة واسعة من المتلقين لنكون لهم أبواقاً إعلامية نردد ما يقولون ، لسواد أعينهم فقط ..
ولإعطاء مثالين في هذا الإطار ...
صادفت مرة كتاباً يروي سيرة حسين مروة الثقافية .. وهذه الشخصية من أبرز من بشر بالشيوعية في وطننا العربي بعد انغرست في العرق قبل أكثر من نصف قرن تقريباً .. هذه الشخصية كان من المفترض أن يكون طالب حوزة ، لأن عائلته أرسلته للدراسة في النجف .. لكن مزاجه واستعداده لم يكن متوجهاً لذلك .. بل كان مولعاً بالثقافة والقراءة للفلسفات وعالم الأفكار .. وفعلاً لم يكمل مشواره بل التوى وأخذ يطلع على نتاج الشيوعية الذي كان يخترق حال العراق في ذلك الوقت .. وكأنه يتتلمذ على مدرستها باعتكاف وتفرغ متحمس .. حتى ثار على كل وضع وأخذ يدعو للشيوعية .. ويتلمذ لها آخرين مما جذبه هذا البريق المشتعل آنذاك ..
لكن ما لفت نظري ليس هذا .. إنما ما لفت انظري : ماذا كان مخزنا في ذهن حسين مروة عن الإسلام والتشيع والنص الديني والعلوم الشرعية ؟
هل هو مساوٍ للإطروحات الشيوعية في ذلك الوقت ؟ ما حجم التفرغ الذي وظفه حسين مروة للنتاجين ؟ هل هو قارن ؟ لم يحك الكتاب عن ذلك .. إنما حكى الكتاب عن حماسته وكأنه وقع على ظالته المنشودة ..
إن أي إشكال كان يحمله حسين مروة لاشك أنه كان محملاً بقرارات متحمسة شدته له إعلاميات الشيوعية .. والأمر المهم :
لماذا لم ينجرف بقية العلماء في ذلك الوقت لهذا البريق ؟ لماذا نجد فئة دافعت وبشراسة وقوة ودليل أنهض وأقوى ؟ ونجد آخرين انهزموا وانخذلوا وصاروا أذناباً للتيارات هذه ؟؟
لماذا نجا السيد فضل الله وشمس الدين ومصطفى جمال الدين والشيخ الفضلي والسيد الصدر ومحمد أمين زين الدين وغيرهما من هذا البريق ؟
هل هؤلاء لم يفهموا الخطاب الشيوعي كما فهم حسين مروة ؟ أم ماذا ؟
إنه الذهن الفارغ .. الحماسة العاطفية والتي تنطلق دون حسيب ورقيب عقليين ..
المثال الآخر : كتاب لعلي حرب يروي سيرته الثقافية ..
وهذا الآخر يظل يراوحك من تيار إلى تيار .. يبدأ بالشك في كل شيء .. ويظل المسكين يجعل عقله القاصر والمحدود والجاهل هو الحكم في كل شيء حتى للأشياء التي فوق قدراته العقلية أو فوق طبيعة عقلية كالغيبيات وخلفيان النصوص الشرعية .. ويظل يرسم ضياعه من مذهب إلى مذهب .. ومن فكر إلى فكر .. إلى أن ينتهي بخاتمة مفجعة .. وهو لاشيء يستحق الهوية والالتزام .. كن حراً .. كن ثورياً ضد كل شيء .. وها أنا ذا عشت هذه التجربة ، فهل تتفضل معي وتعيشها أخرى !! .. إنه المسكين الضائع .. لم يكفه ضياعه .. إنه يريد أن يكثر الضعاف المساكين أمثاله .. وهكذا في كتاباته الأخرى ..
الآن لننتقل إلى رحاب السؤال الثاني ، وهو :
# ولماذا نشكل على الإشكالي انطلاقاته الثقافية في قراءته ؟
... حسناً .. ما رأيك عزيزي القارى أن نرجىء الإجابة لحلقة أخرى .. فلقد أطلت عليك ، أليس كذلك ؟
ابن المقرب