عرض مشاركة واحدة
قديم 27-01-2009, 07:49 PM   رقم المشاركة : 5
ابن المقرب
كاتب قدير







افتراضي رد: الإشكاليون بين مأزق الثقافة والهوية

الإشكاليون ( 2 ) :
شكراً للأخوة الأعضاء وتعليقهم الجميل .. والحديث يطول في هذا .. لكني أحببت أن أكتبه على شكل حلقات ليسهل التناول ويصل للهدف المنشود ، وقد تجد أفكاراً من هنا وهناك ، ليس لعدم التنظيم والمنهجة إنما الهدف هو الإشارة والقارى تكفيه الإشارة للأهم ..
أشرنا في مقالنا السابق عن مأزق (الإشكال ) كمفردة ثقافية لدى الكثير من المتثاقفين ، والذين لا عمل لهم سوى لي عنق الأسئلة إلى جهة إثبات الذات ، وتصحيح مسارهم في كل كلمة يطلقونها ..
وقلنا بأن المعلومة قد تختفي عن الأنظار ، فيأتي المثقف ليفتح الستار ، وينالها بالأساليب المتنوعة ، بينما (الإشكاليون) يظلون يراوحون الأسلوب الاستفهامي العقيم علهم يحصلوا على زيف معلومة يتلبسونها أينما حلو وارتحلو في ساحات الحوار والمكاشفة .. وليس الخطأ في السؤال كأسلوب ثقافي ، إنما في توظيفه إلى جهة تبعد المثقف عن الحقائق والمعارف الحقة .
في حياة الإنسان يواجه الكثير من المجهولات والأشياء الغامضة .. والمتحفز لسباق المعرفة لا يسكته ذلك حتى يخلق سؤالاً يربطه سؤال ليكشف عن ظلمة المجهول والغموض ليستكين للجواب ..
ولكن قد يتعجل المثقف الجواب فيحرز ثمرات غير ناضجة ، أو قد يتعبه المسير فيختصر المسافات ، لكن لا يفتأ إلا ويكتشف أنه أشد بعداً ومزاراً عن قدس الحقائق والمعارف ..
وقبل الدخول في لب الموضوع أحببت أن أمهد لحلقاتنا هذه بمقدمة مهمة لشرح ثلاثة مصطلحات استعملناها في الحلقات ، وهي :
الإشكال / الثقافة / الهوية ..
لن نستخدم منهجاً علمياً لتعريف المصطلحات ، هدفنا من الحلقات تبسيط الأفكار ، وليس استقراء المطالب الفكرية ، ونحن نستعمل هذه المصطلحات لغرض واحد ، وسنوضحه ، وأظن أن هذا كافٍ ، بدلاً من أن نشعل ضجيجاً في رحى رأس القارىء ..
وقبل الإيضاح ، نطرح سؤالاً عله يتردد في ذهن القارىء :
لماذا هذه المصطلحات الثلاثة بالذات .. لبيان مشكلة (الإشكاليين) الثقافية ؟
وللإجابة ، نقول :
في حياة المثقف هناك مثلث يتكىء عليه نشاطه الثقافي والمعرفي :
الضلع الأول : الهدف
فكل مثقف يحمل هدفاً سواء كان يكشفه عبر خطابه ، أو نستنتجه نحن من خلال قراءتنا لمنتجه .. وهذا الهدف يرشدنا إلى هوية المثقف ورسالته الفكرية .
والهوية ذات مستويات عدة ، أهمها :
المستوى الإسلامي (الديني)
المستوى المذهبي
المستوى الثقافي
الضلع الثاني : المعلومة
المعلومات أو المعارف أو الآراء أو الأفكار هو اللب الرئيس لمعارك المثقف ، ونستطيع التعرف على مصادر ثقافة الباحث ، ونوعية معلوماته ومستوى الأفكار والآراء من خلال كلمه ببساطة .. وقد يكون المثقف ناقلاً للمعلومات فيكون أشبه بالخزان الذي ما أن يمتلأ فهو يطفح ، وما إن يفرغ حتى يلجأ للمصادر للتعبئة فقط .. وهناك مثقفين بهذه الصورة .. وهناك فئات تضيف الوعي والإدراك والتفكير والسؤال للتخزين ، فتعرف ماذا تخزن ؟ وكيف ؟ وإلي أين ؟ وماذا تستعمل ؟ ... وهكذا .. فتراها تنبش كل مصدر وتستنتج وتربط وتتفكر وتتأمل في كل وقت لتستنبت الأفكار والآراء وتضارب ببعضها ، وهنا بالذات يبدأ المثقف باستعمال منهجيات وأساليب ثقافية كثيرة ليصل للمآرب القصوى .
الضلع الثالث : الأسلوب
الأسلوب مهم في تمثيل المعلومة ، والصياغات التعبيرية كذلك .. نوعية الخطاب .. لغة الحوار .. قوالب نقل المعلومة .. ولكل أسلوبه وطريقته في تلقي الثقافة وتمثيلها .. ونحن قد اخترنا إسلوب (الإشكال) لدى فئة كبيرة من المثقفين الدينيين واللادينيين ..
أظن الآن اتضح مثلث المثقف .. واتضحت أضلاعه .. وتبين لنا أن أسلوب (الإشكال) أحد الأساليب الثقافية والتي عن طريقها نستطيع التوصل من المجهولات إلى المعلومات أو من التعقيد إلى الحلول ..
الآن نعود لإيضاح مقصودنا من المصطلحات الثلاثة :
الإشكال / نعني به في حلقاتنا .. الإسلوب الذهني الذي ينتهجه المثقف أثناء تفكيره أو قراءته أو تلقيه المعلومة .. بمعنى أنه يميل جهة تفكيره إلى التساؤل المغلق .. ويبدأ يحفز ذهنه بما يحويه من معلومات متقاربة ومتماثلة ومتناقضة إلى افتراض مشكلة وغموض .. مما يحفز ذهنه مرة أخرى على البحث في الجواب .. وربما يغلق ذهنه بحسب مستوى الإشكال فيطرحه كإشكال ثقافي عجز عن إيجاد حل له .. وهذا الإشكال في حد ذاته سيربك الطرف المقابل ليحاول إيجاد حل له ... ثم يرتفع مستوى الإشكال بعد ذلك إلى قرار ذهني ومحصلة ثقافية ، تتراكم مع الزمن فتشكل في النهاية في صنع ثقافة وهوية محددة لمن طرح الإشكال .
هذا ببساطة توضيحنا للمصطلح ... وسأضرب مثالا للتوضيح :
جاءني ذات مرة احد الأصدقاء ، وجرنا الحديث إلى مسألة عقائدية ( التوسل) وصرح لي بأنه غير مقتنع بـ(التوسل) الموجود في مذهبنا (الشيعة) .. وأخ يترسل في الكلام ، بأنه من الأفضل الدعاء لله والتوجه لله .. وقال : كيف وأهل البيت يأمروننا بالتوجه لله ، وهم لم يخلقوا إلا لأجل تربيتنا وتوجيهنا لله و ....
.... أما أنا فكنت أسمعه إلى أن انتهى كلامه ... بعدها حاولت تبسيط فكرة التوسل .. لكنه لم يبد قناعة مما قلته له .. وكررت المحاولة .. لكني لم أنجح ( ربما كان أسلوبي غير مناسباً له وغير واف المعلومات ، أو ربما كان هو قد كبر من حجم الإشكال فصار لا يستقبل حلاً ؟!!) .. في نهاية المطاف ، قلت له : لدي كتاب للشيخ جعفر السبحاني عن التوسل ، فهل تتفضل بقراءته ، لعله يحل الإشكال ؟؟ ... وفعلاً وافق الصديق ... بعد أيام ألتقيته ... فسألته : ما الخبر ؟ فكان يجيب مبتهجاً ومسروراً : الآن عرفت لماذا نتوسل ؟ وعرفت فضل أهل البيت واحتياجنا لهم في كل حاجة لنجعلهم الوسيلة لله دائماً ..... وو ...
فقلت له : أنا عندي نصيحة ..
قال لي : تفضل ..
قلت له : إذا راودك إشكال عقائدي في ذهنك .. لا تجب نفسك بنفسك وأنت لا تملك العدة والعتاد اللازم .. من الأفضل أن تبسط سؤالك وتتعلم وتسأل من يمتلك المعلومة ( مصادر المعلومة تتنوع ولا تتحدد في إنسان ) .. فأنت مثلاً قد اتخذت حكماً قراراً يسيء للمذهب وقمت بإيراد الإشكال والحكم عليه دون أن تكلف نفسك بطرح السؤال على من هو أعلى منك ثقافة ومعلومة .. وها هو كتاب صغير في حجمه كبير في قيمته .. يحطم صنم إشكالك .. إن مذهبك قوي ومتين وصلب .. فلا تثقبه بإشكال بسيط .. ( المذهب لا يثقبه إشكال مثل هذا ، إنما من يثقب ذهن حامله .. فتأمل ) ..
لنحاول تحليل ما جرى .. فهو بتفكيره طرح سؤالاً .. والسؤال وسيلة من وسائل المعرفة .. لكن ولأنه لا يمتلك الجواب .. فإن تفكيره انغلق فتعقد السؤال وصار إشكالاً .. وتعقد فأصبح يحكم بإشكاله ويبني ثقافة جديدة من الرفض والدفاع ضد مذهبه وثقافته .. ولو لم يبرؤ جرح إشكاله لظل ينزف إشكالاً تلو الإشكال .. ومن يدري إلى أين يصل به ( الحبة تتحول إلى قبة أحياناً) ..
إذن كل إشكال يندفع بأي وسيلة من وسائل الثقافة والمعرفة بحسب المنهجية التي يمشي عليها المثقف .. لذا نجد في الأحاديث المباركة لأهل البيت توصيات في هذا الشأن ( سل تفقهاً ولا تسل تعنتاً ) ( اسأل تعلم ) ( حسن السؤال نصف العلم ) وعن وصف المؤمن : ( واستفهامه تعلم ) ( العلم خزائن ومفتاحها السؤال ) .... وكلها إشادة وتعظيم للسؤال .. فنحن ليس ضد السؤال وليس ضد أي جانب نسأل فيه .. إنما علينا أن نمشي بخطوات منظمة وعلمية لنستفيد من السؤال ..
يتبقى لنا مصطلح الثقافة والهوية نرجؤه إلى حلقة قادمة (إن شاء الله ) ...
ابن المقرب

 

 

 توقيع ابن المقرب :
رد: الإشكاليون بين مأزق الثقافة والهوية
ابن المقرب غير متصل   رد مع اقتباس