أقدم لكم( مقال للشيخ الأستاذ طالب المريدين رعاه الله ) للفائدة فقط
بعنوان لكي لا نقع في شراك الليبرالية
بمناسبة ذكرى وفاة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ( 1424هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
من اَجلّ خصائص الرسالة المحمدية الوسطية وهي لا تعني المرحلة الدانية التي تبتعد بالمسلم عن الاستغراق في التفكير
والعمل والطلب الدائم اللازم للوصول إلى الكمال وقد قال الباري عزوجل مخاطباً نبيه {َقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً }طه114
والوسطية ترتقي بالأفراد لمستوى عالٍ كما أبرزه الخطاب الإلهي من خلال الآية الشريفة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}البقرة143 ،وهي تعني : الاعتدال (فلا إفراط ولا تفريط) ، فالزيادة المضرة حتى في العبادة مرفوضة كما أن التبلد عن الحد الأدنى لها مرفوضٌ أيضاً .
وكذلك في المجالات الأخرى ففي التعامل مع الآخرين وفي مسألة التقييم (مثلاً ) يرفض الإسلام إجحاف الآخرين حقوقهم ، وتكريم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسفانة بنت حاتم الطائي دليل على ما هو أكثر من ذلك .
وفي المقابل يرفض الإسلام التقديس لمن ليسوا أهلاً لذلك وهو أي( التقديس) لا يقتصر على الفعل الظاهري المبالغ فيه ، فالأخطر هو ما يمثل التعصب للرأي أو الشخصية في غير حق ، أم الطامة الكبرى فتكمن في ممارسة سياسة إسقاط الآخرين على أساس التقييم الشخصي الذي يعتمد على الفهم الارتجالي والظن والقيل والقال دون الاعتماد على الأدلة اليقينية .
وأما في الساحة الفكرية (كنموذج آخر) : فإن الإسلام يرفض كل إفراط وكل تفريط فمثلاً : يرفض الرأسمالية المرتكزة على الملكية الخاصة بلا قيود كما يرفض الشيوعية التي تجرد الفرد حتى عن ميراثه .
من أجل كل هذا ولتحقيق الاستقامة والعدل في كل المجالات بعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لينتشل كل ظلم عاشته الجاهلية القديمة وتمارسه الجاهلية الحديثة بمسمياتها الجذابة ... وأبين ذلك بمثال ( الليبرالية ) .
والليبرالية نظام يدعي الديموقراطية رغم علمانيته وتفريطه ، ومحوره الأساس في الاقتصاد توزيع الإنتاج في المجتمع مع تجريده للأفراد وهو بهذا يتعدى إلى ليبرالية اجتماعية إذ يعيد نفس نظام جاهلية ما قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو نظام السادة والعبيد .
وبعد عصر النهضة الأوربية في مرحلة من مراحل الاشتراكية نشأ هذا التقسيم بهذا المسمى الذي يجسد الاشتراكية بأحد صورها مع ادعائه الديموقراطية، وإلا فإن الاشتراكية لها أفرع عديدة بل يمكن أن يقال لها تطورات بِداً من الاشتراكية العلمية التي تبناها الحزب الشيوعي الماركسي وانتهاءً بالاشتراكية العربية التي تبناه حزب البعث الهالك .
ومن هنا يتجلى دور معالم الإنسانية وسيدها الذي جسد كل معاني العزة والسيادة الربانية القادرة على إزالة المفاسد فكرية أو اجتماعية أو سلوكية ، وقادرة على إيجاد النظم الصالحة لإدارة الحياة وإسعاد الإنسانية ، ودستور النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تكفل بحفظ ما بعد النبي من أجيال فكانت الحقوق محفوظة لكل الطبقات دون تمييز .
هذا النبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم الذي نمر بذكرى فقده المؤلم لابد أن يبعثنا إحساساً وتأملاً في واقعنا وفي كل ما حولنا لتضيف دمعة الحزن يقظة في وجداننا وطموحا متجدداً في إرادتنا ، ليعيش الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في واقعنا فكراً وروحاً وعملاً أو فلنراجع حساباتنا . لا سيما أن الأبعاد التي بعث من أجلها أوسع من مداركنا وتصوراتنا ( فالناقص لا يمكن أن يدرك الكامل) وإلا فإننا معنيون بالفئة التي ينبغي أن تلحق بمن سبقها وقد منح لها وسام العزة والكرامة والشرف – وأي شرف- أن يكون المربي هو رسول الله صلى الله عليه وآله ، و رسول الله صلى الله عليه وآله قد مارس أدواره التربوية بالإضافة إلى أدواره الإنقاذية والعلمية {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }الجمعة2 .ثم يقول الباري عز وجل{وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } الجمعة 3 وعلى هذا فإن العناية الخاصة قد تكون ممنوحة للكل مدى الأجيال حتى لو كانت على أيدي المربين السالكين نهج النبي صلى الله عليه وآله .
وهذا الأمر الهام المغفول عنه عند الكثير هو الذي يحقق الصيانة من الليبرالية وما يستجد غيرها ، وبه يتحقق الحذر من الوقوع في المشتبهات علمية أو سلوكية ، بل أن السيادة الربانية ستغيب عن واقعنا بغياب التطلع إلى هذا نهجه القويم ، ولا نعني هنا أن السيادة لا تتحقق لغير المحافظين ولكنها سيادة غير ربانية سرعان ما تُغرق صاحبها وتخسف به .
لذا ونحن نمر بهذا المناسبة لا بد أن نبحث عن الخطاب الإلهي لا النداءات الميكافيلية وغيرها فإحياء معاني العزة والسيادة الربانية لها قوانينها وقد تمثلت في خطاب الباري عز وجل لنبيه حين قال (( يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً )) سورة المزمل آية1، 2 حتى قال (( إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً )) سورة المزمل آية 5 .
ولذا فإن الإنسان المحمدي لا بد أن يمارس هذا النهج ويعلم أن الوقوع في الذنب السلوكي أو العلمي سيحرمه من الوصول الحقيقي ، وأما إذا غفل عن الذاتيات والميولات والمشتبهات أو سوغ لنفسه الاقتداء بمكافيلي وبرر وسائله من أجل الغاية – فيما إذا كانت الغاية نبيلة – فإنه سيصطدم مع القوانين الإلهية وسيتضح في الملأ الأعلى لو كشف له أن دوافعه وعمله كغثاء السيل .
آمل أن تجد كلماتي إلى قلبك هماً محموداً تعيشه لتعيش منبراً وضاءً يُشعل الحياة المحمدية قدر إمكانه ويساهم في تسطير معاني العزة في ذاته ومجتمعه
طالب المريدين
ذكرى وفاة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم – 1424هـ