الشعر فى بعده الفكري
محسن العوني
<span style='color:red'>
"اعصر لنا من مقلتيك الضياء
فإننا مظلمون!
...
وعر هو المرقى إلى الجلجلة (1)
والصخر، يا سيزيف ما أثقله
سيزيف...إن الصخرة الآخرون!"
</span>
<span style='color:darkblue'>
هذه صرخة أطلقها بدر شاكر السيّاب فى قصيدته "رسالة من قبر"..صرخة لم يخفّ دويّها...بل زاد ولم تبرد حرارتها...بل اشتدّت...هى صرخة تحفر فى وعى كلّ حيّ ينشد كمال وجوده ويصدّع كيانه البون الشاسع بين المنشود والموجود والعالم القائم بين الذّات والموضوع ويتحطّم قلبه وهو يرى آماله تتقلّص ولا تتحقّق.. وقد ورد فى مطلع هذه القصيدة:
"من قاع قبرى أصيح/حتى تئن القبور/من رجع صوتى وهو رمل وريح/من عالم فى حفرتى يستريح/مركومة فى جانبيه القصور/وفيه ما فى سواه/إلا دبيب الحياه/حتى الأغانى فيه حتى الزهور/والشمس، إلا أنها لا تدور/والدود نخار بها فى ضريح/من عالم فى قاع قبرى أصيح/لا تيأسوا من مولد أو نشور".
حينما تناول كولنجوود تطور الفكرة التاريخية فى الفكر الألمانى بادئا بهردر وعمانويل كانط، أفسح لشيلر مكانا بينا تماما كفخته وهيجل "وكان الشاعر شيلر هو الوريث المباشر للفيلسوف كانط فى نظريته فى التاريخ" (2). إن شاعرية شيلر لم تسجنه فى ميدان اللغة والأدب ولكن جعلته شاعرا مفكرا وإذا كانت الفلسفة بتعبير هيجل هى الفكر الذى يفكر، فإن الشعر العظيم هو أيضا ضرب من الفكر الذى يحس. يقول جورج جرداق: الفيلسوف يشاهد ويراقب ويقيس ثم يسجل وأداته فى ذلك العقل وحده، والعقل شيء "من الانسان الحى بل قل هو جانب منه. والأديب يتفاعل مع الكون والحياة تفاعلا مباشرا مستمرا إذ يحس ويستلهم بعقله وشعوره وخياله ومزاجه وذوقه جميعا أى بجملة كيانه" (3).
إن قصيدة الشاعر تيوتس كاروس فى طبيعة الأشياء قد أهلته لأن يدرس كأبيقورى أصيل وكجزء من التراث الفلسفى اليونانى الروماني. والكوميديا الالاهية لدانتى قد رفعته الى مصاف مفكرى عصر النهضة الكبار، أما أبو الطيب المتنبى الذى تخطى بشعره حجاج الجدل الشكلى الذى سقط فيه المتكلمون الى اكتشاف جدل الواقع والوقائع الذى عبر بدقة متناهية عن سمات بداية الخط الهابط فى الحضارة الاسلامية العربية فلا يزال رهين المحبسين (حبس قصور الحس الأدبي، وحبس قصورالحس الحضارى فى دراساتنا الاجتماعية)... فالمتنبى الذى ملأ الدنيا وشغل الناس بالوزن والقافية والحلاوة والطلاوة والرونق وكثرة الماء وحسن الديباجة هو نفس الشاعر الذى اقتدر على تحويل الفكرة الى شعور متدفق وتحويل الشعور مرة أخرى الى فكرة فلسفية متكاملة تتخطى صورية المنطق الشعرى عند الشعراء الآخرين الى جدل يستمد لحمته من تجربته الذاتية وحياة عصره المتقلب المتلون الممزّق(4).
إن الشيء اللافت لنظر الدارس للأدب العربى هو خلوّه من الدراسات التى تنكب على علم الاجتماع الادبى الذى يتناول صلة التعبير الفنى بالشخصية بالبنية الاجتماعية بالمزاج الحضارى السائد سيما فيما يتعلق بالتراث.. إن أزمة مناهج النقد الادبى فى الدراسات العربية ليست إلا الصورة المصغرة للمحنة القاسية التى تعانيها مناهج الدراسات الاجتماعية فى البلاد العربية مما يعنى تغييب عنصر الآخر وعدم الوعى به وعيا حضاريا إيجابيا مما يقود حتما الى تغييب الأنا الذاتية والجماعية وفى هذا يقول المستشرق الفرنسى جاك بيرك Jacque Berque: "لكى تكون أنت، عليك أن تكون الغير".
إن الاحساس الدقيق باتجاهات الزمان عند المفكر أو الفنان هو الذى يكسب الفكر قيمة تاريخية وجمالية على مدى توالى العصور ولعل هذا ما يميز المتنبى عن غيره من الشعراء وبوأه مكانة الشاعر المفكر أو الحكيم كما قيل قديما "الذى أحس بأزمة روح التاريخ فى عصره ونقل هذه الأزمة الى إطار الجمال...إنها عملية جبارة شاهدة على عقل جبار يسبر الأغوار ويجوب الأعالى ويعود من هذه وتلك بقواعد موضوعية فى عمق ذاتيتها إنسانية فى ذاتية موضوعيتها...وكان بوعيه الحاد محبطاً أشد الإحباط عاشق يدرك قبل الوقوع فى العشق أن لا سبيل الى الوصال.
"ومن لم يعشق الدنيا قديما/ولكن لا سبيل الى الوصال/وحيد من الخلان فى كل بلدة/إذا عظم المقصود قل المساعد/أتى الزمان بنوه شبيبة/فسرهم وأتيناه على الهرم".
إن عجز المتنبى الأبدى ليس مرده قصور كامن فى ذات المتنبى ولكن قصور قد خلع عليه من الخارج فكل سعى من قبل الذات يقابله ردع وهدم من قبل الموضوع المتمثل فى الحضارة العربية.
ولهذا خاصم المتنبى عدوه اللدود الذى هو عصره لأنه لم يكن فى مستوى فكره التقدمى الطموح:
</span>
[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
"بم التعلّل لا أهل ولا وطن =ولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمنى ذا أن يبلغني=ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
لا تلق دهرك إلا غير مكترث=ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يديم سرور ما سررت به =ولا يرد عليه الفائت الحزن
مما أضر بأهل العشق أنهم= هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا
تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم=فى أثر كل قبيح وجهه حسن
كم قد قتلت وكم قدمتّ عندكم=ثم انتفضت فزال القبر والكفن
قد كان شاهد دفنى قبل قولهم=جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا
ما كل ما يتمنى المرء يدركه=تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن"
[/poet]
يتبع ===>>