بسمه تعالى
هل تأخذون بهذا البحث أيضاً بخصوص القاضي؟
ـ آية الله الحائري: الأمر هو نفسه بالنسبة للقاضي أيضاً؛ فالقاضي يقول: هذا محكوم عليه، وذلك مع يقينه بأن خصمه كان لصّاً وأنه سرق نقوده، ولكنه استطاع إقامة البينة بأية حيلة كانت، فماذا أفعل أنا؟ لقد أقام البينة، أو أن القاضي وصل إلى حد اليقين، ومع أنني صاحب الحق وعلى يقين من أمري فإنني لم أرغب في القسَم احتراماً لله تعالى ونكلت به، فإن القسَمَ سيأتي دوره عليه قطعاً، ومع أنه سارق فماذا يخشى من القسم وهو الذي لم يخشَ السرقة؟ فأقسم. فحكم القاضي بأن المال ماله. إنني على يقين بأن هذا مالي، وفي الوقت ذاته فإنه يحرم عَليَّ مخالفة حكم القاضي ولابد من إعطائه هذا المال! وهذا طبقاً لقول الرسول(ص): "لا شأن لي بمن ابتاع لنفسه النار". فالمهم هنا أنني على يقين بأن هذا جعل مبادئ القاضي خلافاً للواقع. وفي الوقت نفسه فإن القاضي يحكم ويجعل، وما عليّ إلاّ الاتّباع.
ـ ألا تُعتبر مخالفة القاضي وحكم الحاكم حكماً ثانويّاً في حد ذاتها؛ أي باعتبار من يقول: إن مخالفة القاضي تؤدي إلى الزعزعة وما إليها.
ـ آية الله الحائري: كلاّ، لا يصح؛ ففي الحقيقة فإنه صيّر من نفوذ حكم القاضي جعلاً، ولكنه يكون ممكناً باعتباره حكمة، والحكمة أيضاً فيها خطأ. إن الحكمة ليست كالعلّة التي لا ينبغي مخالفتها؛ فمن الممكن طرحه باعتباره حكمة. فالحكمة هي أن الشريعة قامت بهذا العمل، فأعطت الولاية للقاضي وجعلت حكمه نافذاً، وحتى على المحكوم عليه الذي هو على يقين بأنه مظلوم، فإن هذه هي حكمة الشريعة، وذلك لأنه إن لم تؤدِّ هذا العمل فإن القضاء لن يقام.
إن القاضي ليس بوسعه أبداً إعطاء فيصلة؛ وذلك لأنه كلما أصدر حكماً فإن المحكوم عليه يقول بأن الحكم خطأ. لقد كانت حكمة القضاء هي اعطاء الفيصلة، ولكن لم يكن إعطاؤها. فهذا يمكن طرحه على أنه حكمة. ولكنه لا يكون سبباً.
ـ وعلى هذا الأساس، فإن سماحتكم لا تقولون بجواز التقاصّ؟
ـ آية الله الحائري: كلاّ، فالتقاصّ لا يجوز بعد حكم القاضي. إن من الواجب طبعاً أن يأتي ويعترف ويعيد المال، فلو فعل هذا فإنني آخذه منه؛ ولكن ليس لي أن أذهب أبتداءً وأقوم بالتقاصّ، مع العلم بأن القاضي الجامع للشرائط قد أصدر الحكم.
ـ يرى سماحتكم بأن يكون ثمة جعل للولي الفقيه أو الحاكم أو القاضي، وهذا الجعل لازم الإطاعة، فمن أي رواية استنبطتم هذا الموضوع؟
ـ آية الله الحائري: من رواية "الرادّ عليه كالرادّ علينا" في باب القضاء، إذا كان مقصوده أننا نريد تفسيره "إذا حكم بحكمنا" على أنه حكم واقعي، فإن هذا يعدّ دائماً تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية فتفقد الرواية قيمتها تماماً. فمعنى "حكم بحكمنا" ليس هو الحكم الواقعي؛ بحيث يكون لي أن أقول إن هذا ليس "حكمَ بحكمنا" فيما لو أخطأ الحاكم. ولو كان الأمر كذلك لكان التمسك بهذه الرواية دائماً تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية. وهي أيضاً شبهة مصداقية نفس العام، وليست شبهة مصداقية مخصصة. وليس هناك من يجوّز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لنفس العامّ.
إذَن، فليس هذا هو معنى "حَكَمَ بحكمنا"، بل إن المعنى هو "حكم بموازين قضائنا". ولاشك هنا في أن الحكم جاء طبقاً لموازين القضاء. حسناً، فأنا على يقين الآن بأن هذا ليس حكماً إلهيّاً واقعيّاً، بل إنه "حَكَمَ بحكمنا"، وذلك لأنه حَكَمَ طبقاً لموازين القضاء. ولهذا كان "الرادّ عليه كالرادّ علينا"، والرادّ علينا كالرادّ على الله".
ونفس هذه المسألة نجدها في فرع الولاية المطلقة والتي نستفيدها من الرواية.
ـ إن الرواية تضيف إلى "الراد عليه كالراد علينا" جملة: "إنما استخفَّ بحكم الله".
ـ آية الله الحائري: نعم، فحكم الله هو أمانة الحكم الواقعي، أي الحكم القضائي ونفس العمل بموازين القضاء والتي تعتبر حكماً إلهياً.
ـ ألا يمكن الاستنباط من "الاستخفاف بحكم الله" بأنه في كل مكان يوجب الاستخفاف.
ـ آية الله الحائري: وههنا استخفاف؛ فأنا متيقن هنا بأن السارق توسّل بحيلة وسرق مالي. والقاضي قد أصدر حكمه طبق قاعدة النكول أو طبق البينة التي استطاع الإتيان بها، فمخالفتي استخفاف بحكم الله. وكأنكم تعتبرون حكم الله منحصراً في المالكية وأنني مالك مالي! كلاّ، فالاستخفاف لا يأتي من هذا الحيث؛ فلو ذهبت أنا وسرقت مالي! فإنني لا أكون قد استخففت بحكم من أحكام الله وهو المالكية، وذلك لأنني مالك مالي، ولكنني أكون قد استخففت بحكم آخر وهو حكم القاضي.
ـ يعني أنه لا مانع إذا لم يكن استخفافاً؟
ـ آية الله الحائري: إنه استخفاف؛ فهو نفسه مخالفة لحكم الله الذي قال بأن المال للخصم بعد النكول؛ فلو كان قد أقسم (صاحب الحق) لكان الحكم لصالحه.
ـ إن هذا حكم ظاهري.
ـ آية الله الحائري: فليكن. ولكنه بالنسبة لي حكم واقعي ثانوي، وإن كان حكماً ظاهرياً بالنسبة لشخص ثالث. إن الحكم الظاهري هو دائماً في صورة الشك، وهذا ممكن بالنسبة للشخص الثالث.
ـ فالقطع هنا لا قيمة له إطلاقاً.
ـ آية الله الحائري: لا قيمة له مطلقاً، وذلك لأنه لم يكن حكماً ظاهرياً.
إن أحد الأخطاء التي تحدث هو التصوّر أن نفوذ حكم القاضي هو حكم ظاهري؛ فلو كان ظاهريّاً لكان الشك هو موضوع الحكم الظاهري. كلاّ، فهذا ليس حكماً ظاهرياً، ولكنه يمكن أن يكون ظاهرياً بالنسبة للشخص الثالث، أي الشخص الثالث الذي يعلم بأن هذا المال مالي. ولهذا فإننا عادة نقول بالنسبة للشخص الثالث: إن بإمكان الشخص الثالث، لو أراد، أن يأخذ هذا المال، أو يشتري المنزل، الذي هو في الحقيقة منزلي، والذي صار منزل زيدٍ بحكم القاضي؛ فالشخص الثالث لا يخرج عن حالتين: إما أنه يحتمل صحة حكم القاضي، أي يحتمل واقعاً بأن صاحب المنزل هو نفس الشخص الذي صدر الحكم لصالحه، فهنا يكون الحكم نافذاً. فيذهب لشراء المنزل باعتبار هذا الحكم حكماً ظاهرياً. أو أن الشخص الثالث يعلم بأن المنزل منزلي، ولكن الحكم صدر لصالح الخصم لأنه كان ذا اليد؛ فإننا نقول هنا: إن الشخص الثالث لابد له من الحصول على رضاي ورضاه أيضاً فيما لو أراد شراء هذا المنزل. لأنه سيكون مخالفاً لحكم الحاكم ضدّي إذا لم يستحصل رضا الطرف الآخر، وإذا لم يستحصل رضاي أيضاً، فانه يعلم بأنني أنا المالك.
ـ فهل تقولون بأن الحكم الواقعي نافذ على المتداعيين فقط؟
ـ آية الله الحائري: كلاّ، إنه نافذ على سواهما أيضاً، إلى الحد الذي لا يكون فيه نقضاً، أي أن يسرق الشخص الثالث المنزل منه ثم يأتي ويعطيني المال. فهذا لا يصح أيضاً لأنه يكون نقضاً.
إنه بحث قضائي عندما نقول بأنه لن يستحصل حتى موافقتي، وعلى أية حال فإن نفوذ القضاء هذا لا نعني به الحكم الظاهري. إنه حكم واقعي صار نافذاً بعد صدور حكم القاضي طبقاً للموازين القضائية؛ فتكونون عندئذ قد استخففتم بهذه الموازين القضائية؛ فلو خالفتم، مع علمكم بأن المنزل أو المال هو مالكم، فلا تكونون قد استخففتم بمبدأ المالكية وذلك لأنكم مالكون، ولكنكم استخففتم بالموازين القضائية.
ـ فهل ترون نفس الرأي بالنسبة لأحكام الولي الفقيه؟
ـ آية الله الحائري: نفس هذا الكلام يأتي فيما يخص الولي الفقيه، ولكنه بحث آخر حول ما هي الرواية المطلقة من هذه الروايات؛ فحيثما فهمنا الاطلاق في أية رواية تكون النتيجة كما تقدم. ولهذا فإن ما يقوله البعض من أنه إذا كان لدينا اليقين بأن الوليّ الفقيه قد أخطأ فإنه يكون قد سقط من الحجّية، فإنهم قد خلطوا بين قضية الولاية وقضية الحكم الظاهري. إنه الحكم الظاهري الذي يزول بالعلم بالخطأ، وليست الولاية، لأن الولاية نفسها هي حكم واقعي.
ـ وحتى لو كانت مبادئ حكم الولي الفقيه خاطئة، فهل يكون حكمه نافذاً أيضاً؟
ـ آية الله الحائري: يكون حكمه نافذاً أيضاً؛ فالحكم الظاهري هو الذي يكون خاطئاً فيما لو كانت مبادئه خاطئة.
ـ بالنظر إلى رأي سماحتكم من أن الولي الفقيه يشرّع الحكم، فهل هذا التشريع لابد وأن يكون بعد تطبيق حكم أولي أو ثانوي في مورد خاص، أو من الممكن أيضاً أن يكون شيئاً آخر؟ وكما أوردتم في مثال فإن المرحوم الميرزا الشيرازي أصدر حكم تحريم التنباك ظاهراً على أساس عدم جواز سلطة الكفار على المسلمين أو على أساس حرمة إعانة الظلمة؟
ـ آية الله الحائري: كلاّ، ليس هكذا، فهذا أحد أقسامه؛ لقد رغبت في أن أقدم لكم شرحاً، ولكنني رأيت بأنكم تتحدثون بحيث تأتون في الأثناء بمسألة الكشف. لقد أردت أن أوضح لكم أن الكشف أيضاً على قسمين: فمرة يكون الكشف محضاً فيعود إلى الحكم الظاهري، وأخرى يستدعي الرجوع إلى الولاية. ولقد قلتُ هذا الكلام من أجل ذلك، ولكن الولاية وإعمالها لا تنحصر في هذا، فأحياناً يكون إعمال الولاية جعلاً محضاً مراعاة للمصالح.
ـ يعني إذا كانت هناك مصلحة يكون الحكم ظاهرياً أيضاً؟
ـ آية الله الحائري: لا، يعني أنني أحياناً أكشف هذه المصلحة؛ ولأنني لست ولياً فإنه لا وجوب عليّ، بل يريد الأمر جعلاً (تشريعاً).
ـ أي عندما يكون الطرفان متساويين؟
ـ آية الله الحائري: هناك موارد متعددة؛ ولقد فصلت ذلك في كتاب "أساس الحكومة الاسلامية"، ويمكن الحصول على مصاديق كثيرة.
ـ لقد ضربتم مثالاً مرة فيما لو كان هناك احتمالان أو أكثر في مقدور الحكومة الاسلامية؛ فمثلاً بمقدورها أن تقاتل وكذلك بمقدورها أن تسالم.
ـ آية الله الحائري: إن هذا هو أحد أمثلتها؛ ولكن ثمة أمثلة أخرى؛ فمثلاً في قضية الغلاء، حيث لا مصلحة فيها، بل إن المصلحة في البيع بأسعار رخيصة. حسناً أدركتُ هذا كمولّى عليه، غير أن هذا الإدراك يعتبر ملزماً لي مادام الولي الفقيه لم يصدر أمراً بذلك، لأنه في النهاية إذا لم يُخضع الجميع لذلك، وكنت أنا وحدي الذي أبيع بأسعار منخفضة، فإن هذا لن يحل مشكلة البلاد. فمع أنني أفهم أن المصلحة في هذا، فإنه لن يكون ملزماً لي، وينفذ حكم الوليّ الفقيه لما فيه من بُعد موضوعي.
ـ هل الولي الفقيه هنا أيضاً لم يقم بتطبيق الحكم الثانوي؟
ـ آية الله الحائري: كلاّ، فلو كان تطبيقاً للحكم الثانوي لكان دركي كافياً بالنسبة له، إن الحكم الثانوي نافذ في حدّ ذاته، لأنه حكم الله. فلدينا ثلاثة أشياء:
1 ـ حكم أولي إلهي.
2 ـ حكم ثانوي إلهي.
3 ـ حكم الولي الفقيه.
فالحكم الثانوي الإلهي من قبيل لا ضرر، فهو حكم إلهي وثانوي. وإن الحكم الثانوي هو أيضاً حكم الله، وليس حكم الولي الفقيه.
ـ نشكركم كثيراً.