السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الكثير من الكتّاب، وقبل بحث الولاية بالمعنى الذي أشرتم إليه، يبتدئون بحثهم من ماهية الحياة الاجتماعية والسياسية، ثم بعد ذلك يمكن أن يصلوا إلى الولاية أو العقد و…الخ.
آية الله الحائري: إن هذه بحوث تمهيدية؛ وإن أصل تشكيل الحكومة ـ اسلامية كانت أو غير اسلامية ـ يحتاج لمثل تلك الأبحاث؛ فكل حكومة تحتاج إلى هذه الأبحاث وليست الحكومة الاسلامية فحسب؛ فلو تركنا البحث الاسلامي جانباً، فإن الحكومة، وأياً كان مصدرها، لابد لها من مثل تلك الأبحاث لمعرفة ماذا ينبغي على الحكومة فعله. ثم يتواصل البحث عن كيفية حياة الناس بعضهم مع البعض الآخر، وذلك قبل أن نصل إلى موضوع الحكومة الاسلامية، فهذه أمور ابتدائية للغاية.
ـ إن هذه المباحث تستتبع نتائج نظرية مهمة مع أنها تمهيدية؛ فمثلاً لو بدأ البحث بكيف يمكن للناس أن يعيشوا معاً؟ فلربما لن تكون هناك أهمية لبحث الولاية، بل وعلى خلاف ذلك ستُطرح مباحث من قبيل العقد الاجتماعي وما إلى ذلك.
ـ آية الله الحائري: انظر، إن بمقدورنا القول في بحث العقد الاجتماعي بأن أحد أبحاث الولاية هو اعتقاد البعض بأن ولي أمر المجتمع هو المجتمع نفسه، فالمجتمع هو ولي أمر نفسه. وبالنتيجة فإن الناس عندما يريدون أن ينتخبوا رئيساً للجمهورية أو ولياً فلابد لهم من إعطائه هذه الولاية؛ فلأنهم أولياء أمور أنفسهم فعليهم هم بمنح الولاية، وعندما يريدون أن يمنحوا الولاية فإن السبيل إلى ذلك هو العقد؛ أي أنهم يمنحون الولاية عن طريق الإيجاب والقبول، وهذا هو العقد. ولهذا فإن العقد ليس إلاّ من أبحاث الولاية.
ـ وعلى هذا، فهل يمكن الجمع بين بحث العقد والولاية بهذا المعنى الذي ألمحتم إليه؟
ـ آية الله الحائري: إنني أقول بأن سؤالكم كان أولاً هو: من أين يجب أن يبدأ البحث؟ فقلت: من الولاية. فقلتم: ولاية الفقيه؟ فقلت كلاّ، الولاية التي من فروعها ولاية الفقيه.
فيقول آخر: ولاية المجتمع نفسه؛ فمثلاً هذا العقد الذي طرحتموه هو هذه الولاية. أي أن البعض يعتقدون بأن الولاية في المجتمع هي للمجتمع نفسه، ودليلهم على ذلك هو ما يقولونه من أن الولاية لو كانت لفرد فإنها تكون دكتاتورية، أي أنه لو أراد شخص أن يكون حاكماً فهو دكتاتور؛ فإذا لم يرد شخص أن يكون حاكماً فالطريق الآخر هو أن يكون المجتمع حاكماً. كما أنهم يقولون بأن حكومة الله وهمية؛ فماذا يعني ذلك؟ إن الله لا يُرى.. وعندئذ فإنهم إما ان يشككوا في وجوده أو يقولوا: إنه موجود ولكنه لا يُرى. ثم يقولون: ما معنى أن يكون الله حاكماً؟ إلاّ اذا افترضنا أن يكون له رسول، والآن ليس هناك رسول. إذن فمن الممكن أن يحكم الناسُ الناسَ. فالعقد هو طريق تفويض الولاية، وهذا هو العقد. إن هذه هي خلاصة أقوالهم. وهذا هو رأي (جان جاك روسو) أيضاً؛ والذي هو بحث في الولاية. إذن فتلك المقدمات هي ابتدائية جداً، من قبيل: هل نحتاج أساساً إلى حكومة أو لا؟ وكيف يريد المجتمع أن يحيا؟ فهذه مقدمات ابتدائية للغاية لا يصح التمهيد بها لبحث كيفية الحكومة الاسلامية؛ إنها مقدمات لأصل البحث؛ فهل نريد ـ مثلاً ـ رئيساً للجمهورية أو لا نريد؟ فهذه في مقابل الشيوعيين الذين يقولون: عندما تطبق الشيوعية الحقيقية في العالم، فإنه لا حاجة لنا بالحكومة.
ـ على أية حال، فإن هناك في كل حكومة تعريفاً يُطرح حول الانسان؛ فهم يقولون ـ فرضاً في البحث حول العقد ـ: إن البشر كاملون بطبيعتهم، ويتمتعون بالعقل، ويمكنهم اتخاذ القرار بشأن أنفسهم. ومن هذه الناحية، فإنهم يستطيعون بالتأكيد اتخاذ قرار بشأن مجتمعهم. وفي مثل هذه الظروف فإنه لا حاجة لهم بالولي، وبوسعهم تقرير مصيرهم.
ـ آية الله الحائري: انظر، إنه ليس سوى اختلاف في التعبير؛ فهم يقولون: إن الولاية لهم. وقولهم بأنهم لا يحتاجون إلى ولي هو قول ذو وجهين؛ فهو من ناحية يشبه ما يقوله الشيوعيون بزعمهم من أنه إذا أتى ذلك اليوم الذي تكتمل فيه الشيوعية، فسيكتمل الجميع ولا حاجة لهم بالولي. فهذا أحد المفاهيم. وأما المفهوم الثاني من أنهم لا يحتاجون إلى ولي فهو يعني أن لهم ولاية. ولهذا فإنهم في أخذ العقد يعطونه لأحد ما. وهذا هو المعنى الثاني. فالبحث الثاني يعود إلى بحث الولاية، والبحث لا ينفصل بعضه عن بعض؛ أي أنهم يرجعون إلى جملة "لا حاجة لهم بالولاية". فهم أصدقاء ويعيشون معاً، وهذا هو رأي الشيوعيين. فلا معنى لأن نأتي نحن ونطرحه كمقدمة للحكومة الاسلامية، بل ينبغي دراسته أمام أصل الاحتياج الى الحكومة.
والمعنى الثاني هو أن زمام الولاية بأيديهم، وهذه هي أيضاً أبحاث الديمقراطية. أي أننا دخلنا في بحث الولاية مرة أخرى. وهذا هو الذي عرضته من أن أساس بحث هو الولاية.
ـ إن في نصوصنا روايات يبدو أنها تشعر بنحو أو بآخر برضا الناس في تشكيل الحكومة عن طريق الفقيه، فما رأي سماحتكم في هذه الروايات؟ وهل يمكن فهمها على هذا النحو؟
ـ آية الله الحائري: لابد من تفسير مثل هذه الروايات بواحد من أربعة معاني، وعندئذ يجب تحرّي الدقة في ما هو المعنى الأقرب في هذه النصوص:
1 ـ موضوع الانتخاب: فالهدف هو انتخاب الناس.
2 ـ موضوع بيعة جمع من الناس: فالقول النادر هو أن الانتخاب لا يعني انتخاب الأكثرية، بل بيعة من قِبَل جمع من الناس بقدر ما يجعله قادراً على إدارة الأمور، فهنا يكمن الانتخاب، وأما ما يراه الأكثرية فليس المقصود به رأي الغالبية، بل بيعة الناس الجماعية. وحتى لو لم يكونوا غالبية، فليكونوا جماعة بحيث يمكن للولي أن يقيم الحكومة بدعم من بيعتهم.
ـ بهذه الطريقة، وطبقاً للمفهوم الثاني، فهل من غير الممكن استنباط نظرية إعطاء الولاية بواسطة الناس من هذه الروايات؟
ـ آية الله الحائري: كلاّ، إن هذه النظرية تقول: إعطاء الولاية، ولكن ليس كالانتخابات التي تريد أن تتبع الأكثرية الغالبة، وفي هذا الحد، فإن البيعة شرط للولاية.
ـ فهل يجب أن تكون هذه الجماعة أهلاً للحل والعقد؟
ـ آية الله الحائري: كلاّ، فلتكن أية جماعة كانت؛ بحيث يكون للولي أنصار يساندونه في عمله، فلو لم يكن له أنصار فكأنه لا ولاية له؛ أي أنه أمر بين الانتخابات السائدة وبين الرأي التالي الذي أريد عرضه.
3 ـ موضوع طلب الناصر: وأمّا الاحتمال الثالث في هذه الروايات فهو شبيه بالنظرية الثانية من حيث البحث عن الأنصار، ولكن ليس من أجل اكتساب الولاية، بل بغية الامكانات والقوة الخارجية. فأنا اذا لم يكن لديّ أنصار مستعدون للتضحية والفداء، فليست لي سلطة خارجية حتى لو كنت على حق ولو كنت إماماً معصوماً، ولكنني وليّ على كل حال، وولايتي بنص صريح من الله أو من رسول الله لأنني علي(ع) ولأنني الحسن(ع) ولأنني معصوم، ولكن عندما لا يعطيني الناس عهداً فبمن وبِمَ أقاتل؟ وكيف أحكم؟!
4 ـ موضوع احتجاجية الروايات: والاحتمال الرابع في هذه الروايات هو أنها كانت روايات احتجاجية، أي أنها كانت تريد أن تقول: كيف قبلتم بعثمان وأبي بكر وعمر؟ فهل سوى أن جماعة منكم اختاروهم فقبلتم بهم؟ فالذين بايعوا أبا بكر وعمراً قد بايعوني أنا أيضاً. وإلا فما هو الفرق؟ ولماذا تبغون عندما وصل الدور إليّ؟! إنني مثلهم؛ فمثلما بايع هؤلاء، فإن البيعة كانت لشخصٍ ما حاضراً كان أم غائباً. فهذا الموضوع كان احتجاجياً. وينبغي استظهار هذه الأدلة. وإنني أشعر أن بهذه الروايات وجهاً رابعاً هو من اوضح الوجوه. فلربما كانت حكاية عن الاحتجاج، وكان الوجه الثالث أظهر في البعض الآخر من الروايات، أي حتى بيعة الغدير، حيث قال الرسول(ص) طبقاً لرواية في بيعة الغدير: "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه". فالرسول(ص) قد أعطى الولاية لعلي(ع) بلا بيعة من الناس. وفي الواقع فإن البيعة هنا كانت بعد إعطاء الولاية؛ فالرسول(ص) قد أعطى الولاية أولاً ثم بايع الناس. وهذا يعني أن الولاية لم تكن على أثر البيعة، ولم تكن هذه البيعات إلاّ لتحقيق السلطة؛ فلو لم يعط الناس عهداً بالنصرة، فماذا يستطيع ان يفعل علي(ع) بمفرده؟ فلابد من إعطاء الناس لهذا العهد. وهذا الرأي الثالث يساوق رأيي أكثر من أي أمر آخر. فهذه احتمالات في الروايات.
ـ يبدو أننا لا نستطيع الخروج برأي واحد مع وجود الاحتمالات.
ـ آية الله الحائري: بل بوسعنا ذلك، فالذي أستظهره من بعض الروايات هو الاحتمال الرابع، والاحتمال الثالث من البعض الآخر، أي أن قسماً منها كان احتجاجياً، بينما كان القسم الآخر طلباً للناصر "هل من ناصر ينصرني". فمن المحتمل أنّ قضية الامام الحسين(ع) كانت هكذا، حيث كان يبعث من يجمع له الأنصار، لأنه لم يكن بوسعه مواجهة يزيد بلا أنصار.
********************************
انتظروا الجزء 7 من الحوار مع سماحة السيد الحائري ( حفظه الله )