السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نتابع معك الحوار مع سماحة آية الله السيد كاظم الحائري حول أصل الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه العادل ـ عندما يدور البحث حول الحكومة الاسلامية فإننا عادة ما نواجَه باختلافات حادة في وجهات النظر بين الفقهاء؛ فما هو السبب في ذلك؟ إن البعض يعتقد بأن السبب في ذلك مرده إلى زمان كل فقيه، بينما يرى الآخرون بأن السبب يعود إلى الإبهام الواقع في المتون والروايات. فما هو رأي سماحتكم حول اختلاف نظر الفقهاء في باب الحكومة؟
ـ آية الله الحائري: إنني اعتقد بأن اختلاف الآراء هو أمر طبيعي إلى حد ما، وذلك كبقية المسائل الفقهية التي تختلف حولها الآراء. ولكن الأمر هنا أشد اختلافاً وأكثر تعقيداً. والعلة في غموض هذه المسألة هي أن الحكومة لم تكن في يد الشيعة، وبالنتيجة فإنه لم تُنجز أبحاث دقيقة وعميقة للقضاء على هذه الخلافات تدريجاً.
فمثلاً في كتاب الطهارة والصلاة والكتب الأخرى، فإن الأبحاث الدقيقة والعميقة قللت من الاختلافات، وإن كان الاختلاف مازال موجوداً، حيث إنه لا يزول تماماً، وإن كانت المشتركات تقلل من الاختلافات. فحول الحكومة الاسلامية لم تُنجز دراسات على ما ينبغي؛ فالشيعة لم يركزوا على مباحث الحكومة حيث لم تكن الحكومة بأيديهم، وبالتالي تزايدت الاختلافات بشكل طبيعي. والآن وبعد الثورة، وبعدما صار للشيعة حكومة، فإن هناك أبحاثاً غدت تتم بهذا الخصوص. وبالطبع فإن هذه القضية آخذة بالوضوح يوماً بعد آخر، وبالتالي تزول حواجز الاختلافات.
ـ إذن.. فعلّة الاختلافات الأصلية في رأي سماحتكم تعود إلى عدم وجود الحكومة بيد الفقهاء!
ـ آية الله الحائري: إن هذا دليل غامض؛ وسبب غموضه هو أن أسئلة الرواة كافة للإمام(ع) كانت تدور حول كيفية التيمم أو الوضوء، وليس حول كيفية الحكومة الاسلامية! إن الأصحاب وحتى في زمن الامام(ع) كانوا يرون مسافة شاسعة بينهم وبين ذلك اليوم الذي يأخذون فيه بزمام الحكومة. إن كل تلك الأسئلة الواردة حول استخدام الأدوية في الحمام مثلاً، لم ترد في باب الحكومة؛ فهم لم يقوموا بذلك فيما يخص الولاية؛ وحتى لو كانوا قد طرحوا بعض الأسئلة، فإنها لا تصل إلى أيدينا، حيث لم تكن لديهم أهداف لحفظ الأجوبة. وهذا هو سبب الغموض الذي يعتري الأدلة، إلاّ ان منشأه أيضاً كان عدم الشعور بالحاجة في ذلك الزمان حتى يهتموا بالأمر.
إذن.. فإمّا قلة الأسئلة الواردة أو عدم الاهتمام بالتدوين أو عدم وصول شيء إلينا، فكانت النتيجة هي الغموض.
وأماّ السبب الذي نقلتموه عن البعض، والذي يرجعونه إلى الزمان والمكان، فهو صحيح أيضاً، إلاّ أن حقيقة الأمر هي حدوث الغموض، لأن المسألة لم تُبحث بصورة دقيقة وعميقة جيلاً بعد آخر؛ فكل واحد كان يستلهم من زمانه ومكانه، وهو ما يختلف عمّا يستلهمه الآخرون في مكان آخر. فلو كانت هذه المسألة قد بُحثت كما بحثت المسائل الأخرى، ثم اطّلع الأواخر على آراء الأوائل، لكانت الاختلافات قد زالت إلى حد كبير؛ وحيث لم يحدث ذلك فقد اتسع نطاق الاختلافات، على أنني لا أنكر ما عددتموه من عوامل، فهي أيضاً لها أهميتها، ولكنّ الأساس هو ما ذكرته، وأمّا تلك العوامل الأخرى فتصبح مؤثرة في ضوء ذلك الأساس.
ـ إن السؤال الذي يستوقف الباحث في قضايا الاسلام السياسية، ونظراً لجدّة الأبحاث، هو أنه لا يدري من أين يبدأ البحث وكيف يتابع هذه التحقيقات؛ فأين هي نقطة البدء؟ وإلى مَ تنتهي؟ وما هي المصادر التي يجب التعويل عليها في المراجعة؟
ـ آية الله الحائري: إنني أعتقد بأن الموضوع الذي يستحق الدراسة والبحث هو قضية الولاية؛ ولاية من؟ ولاية الفقيه أو المجتمع أو النخبة؟ وهل هي انتخاب أو تنصيب؟ فالمحور هو "الولاية"، ثم تأتي التفصيلات بالتتابع.
ـ يعني لابد أولاً من بحث قضية الحاكمية؟
ـ آية الله الحائري: نعم، قضية الحاكمية، ثم ما لها من تفصيلات؛ أي ما هي شرائط الولاية؟ وهل تكون تنصيباً أو انتخاباً؟ وهكذا يتعاقب بحث تفاصيلها تدريجاً؛ فمثلاً ما هي دائرة الولاية؟ وما هي حدودها؟ وما دور الناس؟ وهل لهم حق التصويت أو لا؟ أي أن الولاية هي محور البحث.
ـ أي أن البدء أولاً لابد وأن يكون من ولاية الفقيه.
ـ آية الله الحائري: بحث الولاية، وليس ولاية الفقيه. الولاية بصورة عامة، لا بالنسبة إلى الفقيه فما بالنا بولاية الناس. إنني أتذكر ذلك الكتاب الأول الذي كتبته وهو "أساس الحكومة الاسلامية"؛ فقد بدا لي أولاً أن يكون اسمه "أسس الحكومة الاسلامية" مستخدماً الجمع وليس المفرد، ولكن عندما دققت في الموضوع لم أجد ثمة سوى أساس واحد . ولهذا فقد جعلت العنوان "أساس الحكومة الاسلامية". فعمدة ذلك أن تكون الولاية هي محور البحث، ثم يتم بعد ذلك بحث الأقسام والأنواع المحتملة، من قبيل: لمن الولاية أساساً؟ للفقيه أو لأكثرية الناس؟ ثم نتابع التفاصيل أولاً بأول، حتى نصل إلى هذه النقطة: هل القضاء وتشريع القوانين ينفصل أحدهما عن الآخر؟ أو أنهما ينبعان من نفس المصدر؟ وهل نظام السلطات الثلاث السائد في الغرب صحيح أو لا؟ وهل هي سلطة واحدة؟ وفيما اذا كانت هذه السلطات ثلاثاً أو أربعاً فهل الولي الذي يصدر أمراً حتى تكون أربعاً أو أنها واحدة؟ فهذه قضية مهمة لابد من دراستها.
****************************************
تابعوا الجزء السادس من الحوار ممع سماحة السيد الحائري ومزيد من الأسئلة الصريحة