" الشيخ العَمَري شمسٌ لاتَغيب"
في جميع الحضارات الإنسانية قاطبة ، وعلى فتراتٍ زمنية متباعدة ، يظهر رجالٌ يغيرون مسار التاريخ في مجتمعاتهم ، ويكونون سبباً لحدوث طفرات نهضوية داخلها ، يتركون خلفهم آثاراً عظيمة كما تترك السحب المحملة بالإمطار آثارها على أراضي الصحراء القاحلة ، عظماء ، عباقرة ، وفي نفس الوقت مغمورين ، لم يأخذوا حقهم من التكريم كصُناعٍ حقيقيين للتأريخ ، وهذا ليس بمُستغربٍ عليهم ، فأفكارهم سبقت عصرهم بكثير ، ولا تُعرف قيمتهم الحقيقية إلا بعد فقدانهم ، ففي الليلةِ الظلماءِ يُفتقدُ البدرُ . أحد هؤلاء العُظماء هو والدنا سماحة آية الله الشيح محمد علي العَمَري دام ظله الوارف ، وأمتعنا اللهُ بنسماته النورانية العليلة ..
عندما أنظر إلى وجه والدنا الشيخ العَمَري ، تنبثق في ذاكرتي تلك الرواية الآتية إلينا عن طريق أهل البيت عليهم السلام ، النظرُ في وجهِ العَالِم عبادة ، حيث يتقمصني شعورٌ غريبٌ من الرَهبَة والولَه ، فأطيل النظر إليه ، وهو سارحٌ بخياله نحو آفاقٍ عرفانية بعيدة عن إدراكي ، ولايكاد يُجيل ببصره فيمن حوله ، حتى يرجع سريعاً إلى حيث تأمُلاته الإلهية ، فأتساءل بيني وبين نفسي ، وأنا أرى كيف ترك معول الزمن آثاره على صفحات وجهه السَمِح ، ماالسر الذي وراء عظمة هذا الرجل ؟ ، فيأتيني الجوابُ كلمح البصر ، ومجلجلاً من كل مكان ، إنه الإخلاص في العمل.
بدأ الشيخ العَمَري مشواره الفعلي في الحياة ، قبل عقودٍ طويلة من الزمان ، عندما أرسله والده ( العلامة علي العمري )، وهو لايزال فتياً طري العود لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره ، مع قافلة كانت متجهة نحو العراق ، حتى يتلقى علومه الحوزوية في النجف الأشرف. كان السفر إلى العراق في تلك الأيام عملية شاقة ومحفوفة بالمخاطر وتستغرق أسابيعاً طويلة ، فالجمال هي وسيلة المواصلات المتوفرة آنذاك ، أما طريق السفر فقد كان يحكمه اللصوص وقُطاع الطرق ، لكن الشيخ العَمَري عندما يتحدث عن تلك التجربة الصعبة ، فإنه لايتذكر سوى أمراً واحداً ، ظل راسخاً في ذاكرته طِوال هذه العقود الطويلة ، وهو بلوغه الحُلم أثناء هذه الرحلة ، كِبار عُلماء العِرفان يعتبرون بلوغ الحُلم هِبة من الله إليهم ، لأنه سمح لهم بتأدية تكاليفهم الشرعية ، وهذا مصدر سعادة لهم ، لذلك تظل تلك اللحظات محفوظة في ذاكرتهم طوال حياتهم، فهي – في نظرهم - اللحظة الحقيقية لميلاد الإنسان.
عندما وضع الفتى الأغر محمد علي قدميه على أرض النجف ، كانت ( النجف ) آنذاك تعيش أحد أزهى عصورها على مر التاريخ ، في ظل وجود كبار علماء الطائفة من أمثال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قد) ، بيئة مغايرة تماماً للبيئة التي قَدِمَ منها ، حيث العلم والثقافة والأدب والإنفتاح الفكري والسياسي هي أبرز سمات هذه المدينة المُقدسة ، لكن هذا لم يسبب له صدمة حضارية ، كما يحدث مع البعض عندما ينتقل من مجتمع بدائي إلى مجتمع مُتحضر ، تمنعه من الإنخراط في نسيج هذا المجتمع الجديد ، بل على العكس تماماً ، فبفضل طموحه الكبير وعزيمته القوية وإستعدادته الذهنية العالية ، إستطاع أن يخوض غمار هذا البحر المُترامي الأطراف ، وأن ينهل من منابعه الصافية ، وبذلك نال الحظوة عند أساتذته وأصبح محل ثقتهم وإهتمامهم ، وخاصةً أنه من أبناء مدينة المُصطفى(ص ). عشرون عاماً قضاها الشيخ العَمَري مابين حوزات العلم وميادين الحياة العامة في النجف الأشرف ، صقلت مواهبه الفطرية ، وتركت بصماتها على شخصيته الفذة ، وأهلته لمهمة أصعب وأخطر وطرقها وعرة ، ألا وهي قيادة مجتمع ، وهذا بالضبط كان لسان حال آية الله العُظمى السيد محسن الحكيم (قد) ، عندما نصح الشيخ العَمَري بضرورة الرجوع إلى موطنه الأصلي ( المدينة المنورة ) ، لأن مجتمعه هناك بأمس الحاجة إليه.
المجتمع النخلي عندما رجع إليه الشيخ العَمَري من العراق ، كان أفراده بوجهٍ عام يعيشون البساطة في كل شيء ، أسلوب حياتهم ، مواردهم الإقتصادية ، ثقافتهم الدينية ، تطلعاتهم المُستقبلية ، إلا أنهم كانوا مُتكاتفين كالجسد الواحد ، كلمتهم واحدة ، وطريقهم واحد ، ويكنون إحتراماً كبيراً لمشايخهم ، وهذا سهل كثيراً من مهمة الشيخ العَمَري ، فقد لاقت حملته التوعوية ، التي بدأها منذ أن وطأت قدماه أرض طيبة الطيبة ، تجاوباً كبيراً من قبل المجتمع ، المُتعطش في ذلك الوقت إلى علوم أهل البيت (ع)، والتي كان أفراد المجتمع لايفقهون منها سوى النزر اليسير ، لذلك كانت أهم الأولويات التي تضمنتها هذه الحملة ، هي نشر الثقافة الدينية ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإصلاح ذات البين. حتى في الأمور الإقتصادية لم يبخل على أبناء مجتمعه بخبرته الطويلة التي إكتسبها من خلال ممارسته للتجارة في أرض الرافدين ، وحثهم على إستثمار أموالهم المُجمدة في شراء الأراضي والتوسع في أعمالهم التجارية ، إلا أنهم في هذه النقطة إختلفوا معه في وجهات النظر ، وأثبتت الأيام أنه ( الشيخ العَمَري ) كان يملك بُعد نظر خارق للعادة ، وقدرة عجيبة على التكهن بالمُستقبل ، فهاهي الأراضي التي رفض أبناء المجتمع إستثمار أموالهم فيها ، تضاعفت أسعارها اليوم عشرات المرات ، وهذا الأمر يضعنا أمام حقيقة جلية ، وهي أن آراء الشيخ العَمَري كانت بعض الأحيان لاتجد لها صدى بين أفراد المجتمع ، بل أنها أحياناً تصل لحد المعارضة الشديدة ، وهذا أمرٌ طبيعي في المجتمعات التي تمر بمرحلة إنتقالية.
المجتمع النخلي كأي مجتمع شيعي ، تعرض لجميع صنوف الظلم والقهر ، بل إنه يتفوق على الكثير من المجتمعات الشيعية في هذا الجانب ، ولو وضعنا تصوراً عن هذا المجتمع قبل ستين عاماً ، لوجدناه عبارة عن مجتمع صغير نسبياً ، ومعزول في وسط المدينة ، ومحاصر من جميع جهاته الأربعة ، بالمجتمعات الأخرى المناوئة له ، والمناصبة لأهله العداء ، والتي تتحين الفرصة المناسبة للإنقضاض عليه وتدميره. هذا هو حال المجتمع النخلي عندما عاد إليه الشيخ العَمَري. بعض الأحيان كانت تحدث بعض المناوشات بين مجتمعنا والمجتمعات الأخرى ، التي سُرعان مايتم السيطرة عليها من قِبل رجالات المجتمع كالشيخ العَمَري ومشايخ القبائل. لكن في إحدى السنين ، وبعد مجيء الشيخ العَمَري من النجف ، مر المجتمع النخلي بحادثة مهمة ومفصلية في تاريخه الحديث ، وهي الحادثة التي درج الآباء والأجداد على تسميتها ب " أيام الهوشَة " ، والتي بدأت بمناوشات كلامية وتماسك بالأيدي بين شباب من مجتمعنا وآخرون من المجتمعات الأُخرى ، مشادة عادية تحدث كل يوم ، لكن ذلك اليوم كان مُختلفاً تماماً عما قبله ، لأن هذه الحادثة كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ، وبسبب تداعياتها اجتاحت المجتمع موجة عارمة من الغضب على هذا الإعتداء السافر ، وقرر أفراده تأديب هذه المجتمعات التي سقتهم كأس الذل والهوان سنيناً طويلة، وهذا بالضبط ماحدث ، نزال بين الطرفين ، أو بمعنى أصح حرب شوارع إستمرت أسابيع مابين كرٍ وفر ، سقط خلالها الكثير من الجرحى ، وكانت الغلبة فيها لمجتمعنا ، إلا أن الطرف الآخر لم يرض بالهزيمة قط ، وحاول بكل مايملك من دهاء وخسة ، دق إسفين مابين مجتمعنا النخلي والدولة ، وكادوا ينجحون في محاولتهم الدنيئة هذه لولا فضل الله ورحمته ، عندما أشاعوا بين الناس أن ( النخليين ) خارجين على السلطة ويحاولون إحتلال المدينة ، بطبيعة الحال قامت الدولة ببعض الإجراءات الإحتياطية ، لامجال لذكرها في الوقت الحالي ، في النهاية إتضح للدولة أنها مُجرد فبركة إعلامية لاأساس لها من الصحة. خرج أفراد المجتمع من هذه التجربة مرفوعي الرأس ، بعد أن ردوا إعتبارهم ، لكنها أيضاً زرعت في وجدان المجتمع الخوف من السُلطة ، أما الشيخ العَمَري – الذي كاد يفقد حياته على إعتبار أنه قائد هذا التمرد - فقد خرج من هذه التجربة أكثر قوة وعزماً وإصراراً للمضي قُدماً في قيادة هذا المجتمع نحو بر الأمان.
منذ تلك الحادثة إلى الآن ، مرت حوالي ستون عاماً ، والرجل نفس الرجل ، والعزيمة نفس العزيمة ، بالرغم أن عمره شارف على القرن ( أمد الله في عمره ) ، ولازال مُخلصاً لهذا المجتمع ، يقدم لأبنائه العون والمساعدة ، ويحترم الصغير قبل الكبير ، ويضحي بالغالي والرخيص من أجل رفعة هذا المجتمع ، وهذا ديدن الرجال الرساليين أمثاله.