المحور الثالث:
وهنا عندما نتحدث عن الفرج فإن هناك من يتصور أن دور المهدوية هو إخراج هذا أو ذاك من أزمته أو ضائقته، لتجد اتكال كثيرون على هذا المفهوم لانتشاره عند أوساط الجماهير المؤمنة والتي تتكل على ما يفيضه عليها نخبتها.. حتى لتجد المرء يتخاذل عن بذل أي جهدٍ من أجل الخروج من أزمته اتكالاً على اعتقاده بفرج المهدوية.. مع الاعتقاد الباطل الذي يراه البعض بوجوب المساهمة في تأزيم الأمور ليكون دور الإمام المهدي(ع) إخراجه من أزماته التي أوقع نفسه فيها، وتجاهل قول الله تعالى(( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))..
هذا التصور خاطئ جداً، وحتى على المستوى العقائدي، تشوبه مشاكل لا يمكن الاستهانة بها، إذ أن حديث خروج الإمام المهدي(عجل الله فرجه الشريف)) المقرون بامتلاء الأرض بالظلم والجور، إنما يتحدث عن واقعٍ سيصل حال الأمة إليه، وليس مسؤولية الأمة إيجاد ذلك الظلم والجور أو السكوت عليه.
وهناك غفلة عن أن(( الظلم والجور)) ليس علامة من علامات الظهور، يقع تحققها على عاتق المؤمنين بالمهدي(عج)، وإنما حالة يصل إليها واقع الناس لتجاوزهم لأحكام الله وحقوق عباده، وإلا فإن النبي(ص) تحدث عن كارثية قتل الإمام الحسين(ع)، ولكن خذلان الأمة للإمام الحسين(ع) معصية ما بعدها معصية، حتى لقد قال الإمام الحسين(ع) لعبيد الله بن الحر الجعفي عندما طلب نصرته فاعتذر: (( فالا تنصرنا فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا فوالله لا يسمع وأعيتنا احد ثم لا ينصرنا إلا هلك))؛ وإلا فمن الموعودون بالنصر ووراثة الأرض إذا شارك المؤمنون بالظلم والجور؟!
والضائقة التي يتولد من رحمها الظهور العالمي لإمام الزمان هي ضائقة عالمية قد انسدت في كل اتجاهاتها وسبلها كل الآمال والطموحات والحلول من الخروج من أي أزمة من جانب أي قوة أو مقتدرٍ يمكن أن يكون نافذة الأمل، ولا يبقى من أملٍ إلا ذاك الأمل المعلق بالغيب, وتصور استحقاقات تلك المرحلة متروكة لله تعالى الذي أوجد المسألة المهدوية والمهدي باعتبارهما(( العاقبة الحسنة)) للمتقين..
يموت الأمل وتوصد الأبواب أمام جميع الناس.. فيما الإمام المهدي(ع) ليس هو نافذة الباحثين عن لقمة العيش والنوم على سريرٍ وثيرٍ، وتكرار ذلك البرنامج في اليوم التالي..
المهدي يعني الذين يكدحون من أجل العدالة، ويؤذيهم الظلم ويهجرون حياة اللذات والحياة الهانئة لكفاح الظلم والطواغيت من أجل القضاء على الاستضعاف والمظلومية ..
هناك من يسعى إلى مقاومة الظلم ويسعى حثيثاً من أجل العدالة إلا أن مفهومه لذلك مفهوماً وضعياً، يتبدل ببروز مفهومٍ وضعيٍ آخر غيره، وهكذا لن تنتهي الإنسانية من معاناتها أبداً.. لكثرة العروض وتهافُتِها.
من هنا فإن العدل من منظور قرآني يحتضن المعاناة ويعالجها، إلا أن خضوع هذا المفهوم للاجتهاد لن يقضي تماماً على المعاناة، وإنما ستظل بعض صوره موجودة هنا وهناك، وبالتالي فلا بد من جهة تقضي على كل صوره وكل معانيه، وكل حضوره.
عندما تتحدث الروايات عن ملئ الدنيا بالجور والظلم، فهذا يعني انتهاء كل مشاريع العدل الوضعية إلى الفشل.. وانتشار الظلم ليس فقط بعد فشلها، وإنما من خلالها ذاتها..
يفترض أننا لو تحدثنا عن ذلك المهدي بذلك المشروع، فإنه لا يمكن أن تناسبه قراءة ولا أطروحة إلا تلك التي طرحها أهل البيت(ع)، فيما الأطروحات الثانية فهي لا تتجاوز الكرامات والمعاجز التي أتخموا الكتب بها عن بطولات وعظمة الخليفة الأول والثاني القتالية في مقارعة الأقران!!!..
فيما من جهة أخرى لو أننا تحدثنا فقط عن العدل من منظور قرآني وتحدثنا عن الظلم الذي يقوم به الظالمون من غير أن ننظر إلى الأسس التي تأسس عليه ذلك الظلم.. فإننا لن نتمكن من لمس فشل تلك الحالات وأنها أساساً تولدت نتيجة حالة ظلمٍ سابقةٍ أيضاً..
في العصر الحاضر قامت ثورات من أجل مقاومة الظلم، كالثورة الفرنسية والثورة الكوبية والثورة الشيوعية وما تولد عن هذه الثورات.. ، ولكنها لم تستطع قوانين تلك الثورات ذاتها وليس بسبب فشلها في مواجهة خصومها أن تخرج الناس من الظلم إلى بحبوحة العدل والرفاه.. مع أنها بذاتها تتحدث عن معاناة الإنسان وطموحاته.
نعم هناك من يشير بنفس الإشارة إلى الثورة الإسلامية ويتحدث بنفس القيل والقال بشأنها وشأن وعودها والعدل الذي يرجوه المستضعفون منها، ولكن ما لا يمكن الغفلة عنه أنها تولدت في ظل أجواء عدائية كاملة ومطلقة، فيما أدوات عملها محدودة كما هي الأدوات المتوافر لأمير المؤمنين(ع).. مع ابتلائها بعوامل إجهادٍ داخلية ساعد على أن يكون أدائها بمثابة السلحفاة التي تريد مسابقة الوقت لكي تسبق الفهود..
مساعي أمير المؤمنين(ع) كانت جبارة، وحيثيثة، ولكنها جاءت بعد إرث ضخم من الظلم والعدوان وبروز طبقات مستفيدة من أجواء مرحلة المنطق الإقطاعي لينتهي الأمر بقلة الناصر وخذلانه ليقتل في محراب الصلاة..
فيما تلك الحالة استمرت إلى أن انتهت بإقصاء الإمام الحسن(ع) عن مقامه الذي رتبه الله تعالى في خلقه عليه، وهكذا كان حال الإمام الحسين(ع) وسائر الأئمة المعصومين..
الحصول على نصير نافذ البصيرة لا يعني نهاية المعاناة، فقد تستطيع أن تتجاوز مراحل كثيرة وصعبة وعصية أيضاً، ولكن ليست هي نهاية الظلم والمعاناة؛ لأنه إن كان هناك ظلمٌ وجورٌ فإن هناك مستضعف ومظلوم، وقع عليه كل ذلك وهم الأغلبية الساحقةمن البشر، ومعنى ذلك أن مساحة الجور والظلم ليس أن يمارسه الكل ضد الكل في الكل!!!.. وإنما أن يكون هناك مظلوماً وقع عليه الظلم والجور، وإن كان بحجم أمة كأمة أهل البيت(ع) المضطهدة.
ليتحقق بذلك امتلاء الأرض ظلماً وجوراً.
عموماً.. تلك المعاناة في العمل يحكي عن ظلم وجور.. فعندما تتعرض لظلم وجور قد لا تستطيع أن تمنع أهلك من أن يكونوا في منئً عنه، مما يعني أن صورة الظلم والجور لا يعني أنها تشمل كل جزئية من هذا الكون، وإنما تعني الصورة التي يرى بها هذا الكون، كما هو حال أهل الكوفة، فإن من أهل الكوفة من نصر الإمام الحسين(ع)، وهناك من كانوا في سجن عبيدالله بن زياد، وهناك من لم يستطع الوصول إلى الإمام الحسين(ع)، ولكن الخطاب شمل أهل الكوفة، وهكذا الحال بالنسبة لواقع العالم اليوم، فجهود ثلة يعملون بالعدل، وهم في الوقت ذاته يتعرضون للظلم، ومع كل جهودهم غير قادرين من وصول بعض ذلك الظلم إلى أهلهم، كما لو تم الحصار أو ما شابه.. فإن هذا سيشمل الجميع، ولن تستطيع منع ذلك عن سائر رعيتك.. كما هو الحال بشعب أبي طالب، فإن الحصار عندما وقع على النبي(ص) وقع الظلم على الجميع..
إلا أن ما ظهر من عدلٍ أعطى حكاية منشودة عن البحث عن إنسانية وعدل فقه العدل في مدرسة أهل البيت(ع)، وعندما يكون القليل بدرجة يثير الانتباه، فإن الكثير قادر على مواجهة تلك الافتراضات المعيقة لبلورته.
عندما تضيق الدنيا بكل العالم بمعنى أن الأزمة وصلت إلى بابٍ مسدودٍ، ولا أفق لأي حل أو معالجة.. وإنما مدعو المعالجة يزيدون الأمور سوءاً فإن لذلك الأفق المسدود باباً آخر..
حين تجتمع كل حالاته، تبدأ علامات العالم الجديد بالظهور.. وهو عالم العدل والقسط..
هنا كما ورد في الروايات الشريفة.. الخراساني.. واليماني.. والحسني، وأبو النفس الزكية، وما إلى ذلك.. وهي كلها من علامات العالم الجديد، الذي تعد المهدوية العالم به..
كتبها : باقر عبدالوهاب الرستم
15 شعبان 1428هـ