لا شيء هناك سوى لحظات من الصمت.. لا شيء خلف الستار سوى ذلك الوشاح الأسود المفعم بالإنسان، يتطاير محتضناً المساء.. وحبات الثكلى على تلكما الوجنتين تبرق في ديجور الأنين.. حيث لا صراخ.. لا عويل.. لا أنات تقشعر الأفئدة بسماعها فقط... نداءٌ للسماء.. نداءٌ للعراء.. نداءٌ يقول.. اليوم وطأت صدر ابني العساكر.. اليوم احتفت أرضنا بحامولة من دماء الشهداء.. اليوم اغتيل الجنوب من لبنان. أمواج البحر تصفق.. والأكورديون يئن بجانب لسعات نار الشتاء. هتافات تتعالى بزفاف الشهيد على الشهيدة، وحول ثكنة الجنود طفلٌ مبتهج يطوف ويهذي فرحاً بالنصر. طفلٌ يضحك للعدو مستهزئاً دون تردد أو خوف وهو يخطب فيه.. يا عدو الله.. أحلماً؟ فقبل اليوم كان أوانه أم أخشى؟ فقبل اليوم أوعدت بالقتلِ يا عدو الله.. هنا بقايا معصم أختي الكبرى دفنته.. وهناك هودج أمي أراه على سارية الحطام يغفو وحوله ركام من لهيب الثلج. وفي قبوكم أجد أبي يحمل محراث الريادة ليحفر قبره.. فلا يجني حوله سوى سنابل من أنين الموت، وعلى سياج تلك الحفرة قبرة تغني للوداع. فأبقى معكم بجسد من نار.. وروحٍ قد خضبها المشيب. أبقى على غصن الصفصاف أداعب طفولتي.. ومن قمة الدار ألمح جبهتكم شامخة قوية. أجد فيكم جبروت يطغى ويدمر.. وخلف ذلك الدرع لا شيء سوى فتات من غبار الجبن أيها الجبناااااء. - ماذا تفعل هنا أيها الفتى؟.. اذهب قبل أن أحطم رأسك برصاصة. * آه يا جرحي المكابر وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر - قلت لك اذهب.. ألا تعي الكلام أيها الجلمود؟ * قيل لي: لا تقرأ التاريخ في قلقٍ وفي شك وليس لك الخيار أو الخيال قيل لي: أرضٌ من الصبير فاصبر - أوووه.. يالك من فتى أحمق، خذ هذه........... * سأمسك دفتي بيدين من نارٍ وماء أحتمي في مذبحي وأصير أغنية النفور جيوش اليهود قد أخذوا صنديد تمرغ بصهباء دمه، وعلى جثته اعتلت قصور من جمار الموت. فيا سفينة الجنوب هديتي لكِ ذلك اليم الدموي ومرساة تلك الجمار. أبحري أبحري يا سفينة.. واحملي الحبلى لميناء السلام لتحتفي بمولد جنين محشو بالحنوط. ويا كتاب التاريخ دوّن بصفحاتك مأساة عرافة أجهشت بالحنين لطفل احتفى جسده بمخلفات العربدة اليهودية. دوّن بصفحاتك مأساة شيخ بلحيته البيضاء وملامحه المجعدة المفعمة ببقايا الهم وقد كان يروي حكاية هذا المشيب المبكر حين دخلت القوات العسكرية الدار على زوجته واغتالت دهليز خصلاتها التائهة في ظلام المساء.. وشيئاً فشيئاً اقتُحمت تلك الأنوثة حتى سيق بها إلى أبواب الأسر، فلم يتبقى له منها سوى.. تابوت ذكراها. يرمي هذا الكهل جسده على عصاه ويسري نحو صندوقها ليخضب بمسكها طمره، ويسنى بفكره من سبح حليها، إلى سندسها الدافئ، إلى بقايا العشب الذي كان يتحدى رمشها، إلى فتات الشاطئ الذي كان يغيض من دغدغة أقدامها إلى تقاسيم وجهها الذي ولّى نحو خيام السكون.. وعند رافع السماء العلم إن كان ذلك السكون لا زال ينبض بضجيج الصمت أو أنه الآن غافٍ تحت التراب. - يا أبناء الجنوب.... * بعد إذنك يا شيخ.. هل لي بسؤال؟ - إذنك معك يا قاسم. * ترى إلى أين ستؤول أرواحنا بعد مقتل هذه الأرض؟- - وهل ترضى أن يُقتل وطنٌ تتوطده زنودكم يا شباب؟ * وإن ذهبت أرواحنا فداءاً له، فإلى أين ستؤول بعد توديع هذه الأرض؟ - ومن قال أنكم تودعونا؟.. لا يا بني، فإن كانت أجسادكم بعد الفداء مدفونة تبقى روحكم الدافئة سامية على صقيع الهموم. * فإذاً.. لبنان السفينة وأنا شراعها.. لبنان النار وأنا لهيبها.. لبنان قلبي وروحي فداؤها. - قاسم.. قاسم.. عد يا بني.. قاسم انتظر فلم نودعك بعد يا بني.. قاســــــــم........... * نحوك يا عدو بجسدٍ هائج.. ترعد منه الأمواج.. يهرب منه الطوفان.. نحوك بأرواحنا.. فادنو من جسدي لأعلمك كيف يُصنع المستحيل من أجل الجنوب. # عليكم بهذا الحقير.. اجلدوه.. حطمـــــــ... آه لاااااااااااااااااا........ - يا أبناء الجنوب...... * بعد إذنك يا شيخ.. هل لي بسؤال؟ - إذنك معك يا عبدالله. * من ضفاف السقيفة سمعنا صرخة العدو وقد هوى.. فلم تأخر قاسم في العودة؟ - وهل تنتظر عودة روحه أم عودة بقايا فتات جسده المتطاير إثر صرخة الوداع من داخل مركبته التي اقتحمت جبهتهم ففجرتها روح الفداء بقنبلة لم تودي بروحٍ جنوبية بقدر ما أودت بمعسكر يهودي!!! * أستأذنك يا شيخ.. فلا وقت لدي أضيعه في الحياة. - إلى أين؟ * إلى المأوى الذي احتضن جثة قاسم.. فكلنا فداءٌ للدين، كلنا فداءٌ لهذا الوطن. - في دعة الله يا عبدالله. # سارعي بالفرار يا جيوش.. فجنون الجنوب وإرهابهم نابضٌ نابض.. عجزنا وعجزت أسلحتنا، لا ذخيرة معهم تنفع فنيرانهم الهائجة تلسع في كل جانب.. لا أمل من امتلاك هذه الأرض بهذا المعسكر العجيب.. سارعوا بالفرار فمن هنالك تنبثق ذبيحة مجنونٍ آخر يتجه نحوكم..... - يا أبناء الجنوب........ فئةٌ تحتسي نخب الدماء.. وفئةٌ تنامُ تحت الرماد.. وفئاتٌ تنبث هنا وهناك.. ويبقى لبنان بجيلٍ بعد جيل يتناثر في أرجاء المكان واللامكان.. فاهتفوا يا أبناء القبور.. <b><span style='color:"00008B"'>ا<span style='color:"110687"'>ل</span><span style='color:"210D82"'>ل</span><span style='color:"32137E"'>ه</span><span style='color:"431A79"'> </span><span style='color:"532075"'>أ</span><span style='color:"642770"'>ك</span><span style='color:"742D6C"'>ب</span><span style='color:"853468"'>ر</span><span style='color:"963A63"'> </span><span style='color:"A6415F"'>ي</span><span style='color:"B7475A"'>ا</span><span style='color:"C84D56"'> </span><span style='color:"D85451"'>ل</span><span style='color:"E95A4D"'>ب</span><span style='color:"F96148"'>ن</span><span style='color:"F46444"'>ا</span><span style='color:"E3663F"'>ن</span><span style='color:"D3683B"'>.</span><span style='color:"C26A36"'>.</span><span style='color:"B16C31"'> </span><span style='color:"A16E2D"'> </span><span style='color:"907028"'>ا</span><span style='color:"7F7223"'>ل</span><span style='color:"6F731F"'>ل</span><span style='color:"5E751A"'>ه</span><span style='color:"4E7716"'> </span><span style='color:"3D7911"'>أ</span><span style='color:"2C7B0C"'>ك</span><span style='color:"1C7D08"'>ب</span><span style='color:"0B7F03"'>ر</span><span style='color:"027D03"'> </span><span style='color:"07750B"'>ي</span><span style='color:"0B6D14"'>ا</span><span style='color:"10641C"'> </span><span style='color:"155C25"'>ن</span><span style='color:"1A532D"'>ه</span><span style='color:"1F4B36"'>ا</span><span style='color:"24433E"'>ر</span><span style='color:"293A47"'> </span><span style='color:"2E324F"'>ا</span><span style='color:"332A58"'>ل</span><span style='color:"372160"'>ج</span><span style='color:"3C1969"'>ن</span><span style='color:"411171"'>و</span><span style='color:"46087A"'>ب</span><span style='color:"4B0082"'>.</span></b></span> لأمانة النقل: أبيات القصة مقتبسة.