حمزة قبلان المزيني*
لا أرانا ننفك عن الوقوع في الخطأ في رصد الأهلة في كل عام - خاصة هلال شهر رمضان المبارك وهلال ذي الحجة. وقد أوردتُ - وأورد غيري من المهتمين في السنوات القليلة الماضية - كثيرا من الإحصاءات الموثوقة التي تشهد بأن نسبة هذا الخطأ كبيرة وغير مقبولة إحصائيا.
وما حدث هذه السنة في دخول شهر رمضان المبارك برهان آخر على عدم الجدوى من الاعتماد على الرؤية البصرية المباشرة في إثبات رؤية الهلال.
وقد حدث هذا الخطأ على الرغم من إشارة عدد من المتخصصين في علم الفلك وغيرهم إلى أن الهلال سيغرب - في أقطار العالم الإسلامي والعربي - قبل غروب الشمس بدقائق يوم التاسع والعشرين من شعبان هذا العام، وهو ما يعني استحالة أن يراه أحد.
ومن الذين أوردوا هذه الحقيقة الحسابية - التي برهن حدوثها على صدقها - الشيخ عبد الله بن منيع، عضو هيئة كبار العلماء، في مقاله الذي نشرته الصحف السعودية في 9/7/1427هـ، وأشرتُ إليه في مقال سابق. كما أوردها عدد من المتخصصين السعوديين والعرب والمسلمين وكثير من المراصد والهيئات العلمية في العالم، ومنها المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيائية المصرية الذي "أكد أن معظم عواصم الدول الإسلامية والعربية لن تتمكن من رؤية هلال شهر رمضان المبارك (في مساء التاسع والعشرين من شعبان). وأوضح المعهد في بيان له أن هلال شهر رمضان المبارك سيولد قبل غروب الشمس في معظم الدول بمدد صغيرة ويغرب بعد الغروب بدقائق بما لا يسمح برؤيته، مشيرا إلى أنه سيغرب قبل الغروب بدقيقتين في المدينة المنورة وبور سعيد وتونس ودمشق والقدس المحتلة والرياض والكويت والمنامة والدوحة وقبل الغروب بثلاث دقائق في أنقرة و4 دقائق في طهران".
ومع وضوح هذه الحقيقة إلا أن هناك من ادعى أنه رأى الهلال بعد غروب الشمس من ذلك اليوم. ويعبر أحد المتخصصين السعوديين عن الشهود الذين شهدوا برؤيتهم للهلال في ذلك المساء بطريقة تدل على امتعاضه الشديد من مخالفة هذه الرؤية للعلم والواقع فيقول إنه أُعلن" عن رؤية هلال شهر رمضان المبارك لهذا العام 1427 هـ في مساء يوم الجمعة (ليلة السبت) في المملكة من خلال رؤية ثلاثة شهود. هؤلاء الشهود الثلاثة رأوا هلال شهر رمضان بعد غروب الشمس لمدة نصف دقيقة في مساء يوم الجمعة. وهذا يعتبر رقما قياسيا عالميا لرؤية الهلال على مستوى العالم يسجل باسم هؤلاء الشهود الثلاثة. وسوف يسجل اسمهم في التاريخ باعتبارهم قاموا برؤية الهلال لمدة ثلاثين ثانية فقط. سوف يسجل هذا الوقت القياسي في أرقام وسجل جينس العالمي، حيث تم إدخال شهر رمضان بناء على هذه الرؤية القياسية العالمية نصف دقيقة فقط بعد غروب الشمس. هذه المدة هي المدة الزمنية التي مكثها الهلال فوق الأفق بعد غروب الشمس في حوطة سدير بمنطقة الرياض بالمملكة العربية السعودية.
وعلى ضوئها تم الإعلان عن دخول شهر رمضان المبارك لهذا العام 1427 هـ في المملكة العربية السعودية وبالتالي في أكثر البلاد العربية والإسلامية.
شهادة الهلال القياسية هذه لا بد من الوقوف عندها ووضع العديد من علامات الاستفهام.
من أول هذه العلامات هي أنه لم تتم رؤية الهلال فوق الأفق بعد غروب الشمس في جميع أنحاء العالمين العربي والإسلامي في مساء يوم السبت (ليلة الأحد) أي بعد مرور 24 ساعة من تلك الشهادة. فأين ذهب الهلال؟
ثاني هذه العلامات أن كل من شاهد الهلال في مساء يوم الأحد (ليلة الاثنين) قال هو هلال ثاني وليس هلال ثالث. ثالث هذه العلامات هو وجود ظاهرة كسوف الشمس الحلقي الذي شوهد في أمريكا الجنوبية بعد صلاة الجمعة مما يعني عدم إمكانية تخلق النور في القمر في مساء يوم الجمعة وكذلك ما أكدته جميع المراصد العالمية من كون القمر قد غرب قبل غروب الشمس بدقيقتين في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية".
بل إن اللجان الست التي تتألف كل واحدة منها من متخصص في الفلك وقاض وأعضاء آخرين وقد خرجت لاستطلاع الهلال في مناطق يتوفر فيها صفاء الجو لم تر أية واحدة منها بالمناظير المقربة الهلال في تلك الليلة. فكيف يُعقل أن تعجز الآلات الدقيقة المرتبطة بحواسيب قوية جدا عن رؤية الهلال ويراه شهود بأعينهم المجردة؟
وتصر الهيئات الرسمية المكلفة في المملكة بهذه المسألة على الاعتماد على الثقة بالشهود وحدها وعدم الاعتماد على الوسائل الحديثة في إثبات دخول الشهر مع أن كثيرا من كبار علمائنا يرون أنه يجب ألا يُعتمد على شهادة من شهد برؤية الهلال في وقت ليس مظنة لوجوده فوق الأفق. ونحن نعلم جميعا أن الشمس كسفت بعد غروب الشمس عن كل الدول العربية والإسلامية في مساء التاسع والعشرين من شعبان. وهذه الحقيقة من أكبر البراهين على أن الهلال لن يكون فوق الأفق بعد غروب الشمس وهو ما يعني استحالة أن يراه أحد.
وقد أقر هذه الحقيقة ورآها برهانا كافيا لرد شهادة من يزعم أنه رأى الهلال في هذه الحالة الشيخ محمد العثيمين - رحمه الله - في إجابة له لمدير مرصد الأهلة، إذ قال: "إذا كسفت الشمس بعد الغروب وادعى أحد رؤية القمر الهلال في بلد غابت الشمس فيه قبل كسوفها فإن دعواه هذه غير مقبولة للقطع بأن الهلال لا يرى في مثل هذه الحال فيكون المدعي متوهماً إن كان ثقة وكاذباً إن لم يكن ثقة. وقد ذكر العلماء قاعدة مفيدة في هذا في أن من ادعى ما يكذب الحس لم تسمع دعواه" (نقلا عن الأستاذ خالد الزعاق، صحيفة الجزيرة، 27 شعبان 1427 هـ).
كما ورد في مقال الشيخ عبد الله بن منيع الذي سبقت الإشارة إليه أنه لا يمكن الاعتماد على الشهادة إذا وجد ما يكذبها من الواقع والحساب. وقد صرح الشيخ صالح السدلان لصحيفة عكاظ بما يفيد أنه يرى الاستفادة من الوسائل الحديثة إذ قال: "الرؤية يجب أن تكون بالعين المجردة لمن حباهم الله النظر الحاد ولا مانع من الاستعانة بالمراصد لأنها تعتبر أداة مساعدة في رؤية الهلال كمن يستعين بالنظارة للقراءة" مشددا على تعميم فكرة المراصد والاستفادة منها: "ليس فقط لرؤية شهر رمضان بل سائر الأهلة طوال العام".
وهناك مشايخ فضلاء آخرون لهم اطلاع على المنجزات العلمية في رصد الأهلة، مثل الشيخ عبد المحسن العبيكان، وعبدالوهاب أبوسليمان وغيرهما، يرون أن الوسائل الحديثة أكثر جدوى وأكثر دقة من الاعتماد على شهادة من يدعي أنه رآه بالعين المجردة.
كما أكد قرار مجلس الوزراء الذي أشرت إليه في مقال سابق على الاستعانة بالمراصد الفلكية واللجوء إليها في تقرير دخول الشهر.
لكنه يبدو أن الروح التقليدية لا تزال متغلبة في الهيئات الرسمية الموكلة بهذا الشأن. وتتجلى هذه الروح في بعض المقولات غير المعقولة التي صدرت عن بعض المشايخ المنتمين إلى هذه الهيئات المحترمة. ومن ذلك ما أوردته صحيفة عكاظ (28/08/1427هـ) على لسان أحد هؤلاء الفضلاء: "إن الحسابات الفلكية وتأكيدات الفلكيين ليست معتبرة في إثبات دخول شهر رمضان المبارك بل لا يمكن اعتبار الرؤية ورصد الهلال إلا عن طريق الرؤية المجردة". ثم يقول عن دور انتباه الذهن في الرؤية البصرية المباشرة: "إن انتباه الذهن واحدة من الوسائل التي يمكن بها رؤية الهلال: "حيث يرى في الصدور ويحس بذلك الشخص وهي موهبة ربانية ثم ينظر بعد أن يرى الحدث في القلب والشعور ويشاهد بعد ذلك الهلال فعلا". وهو ما يشبه الكشف عند الصوفيين! ومع ذلك كله فهو "لا يرى عائقا من الاستعانة بالمراصد الفلكية لتحديد موقع الهلال غير أنه أكد على ضرورة أن يرى الهلال (شخصان بالغان عدلان مميزان). وأضاف: المراصد آلة حديثة صادقة في رؤية الهلال".
ومحصلة القول إن الأخطاء الكثيرة التي تحدث دائما نتيجة للاعتماد على شهادة من يزعم أنه رأى الهلال بالعين المجردة على الرغم من تأكيد الحسابات الفلكية بأن الهلال لن يكون موجودا فوق الأفق وعلى الرغم من عدم رؤيته بالمناظير المقربة تدعونا إلى عدم الاعتماد على الشهادة المباشرة واللجوء بدلا عنها إلى الحسابات العلمية الفلكية المنضبطة لتعيين الليلة مظنة الرؤية ثم استخدام المناظير المقربة لرؤية الهلال رؤية بصرية موثوقة.
لقد ظلت هذه المسألة البسيطة محل نزاع لا ينتهي ومصدرا لكثير من الأخطاء التي جعلت الثقة بما يصدر عن المملكة من بيانات عن مواقيت المناسبات الدينية تتدنى إلى مستويات غير مسبوقة.
إن الإسلام دين العلم ولا سبيل إلى حل هذا الإشكال إلا عن طريق العلم الذي يُقنع بشكل يفوق الأشكال الأخرى في الإقناع.
*أكاديمي وكاتب سعودي
http://www.alwatan.com.sa/daily/2006.../writers04.htm