هل كان كاذبا؟
بقيت دهرا طويلا أردد بإعجاب وقناعة ما قاله أحد العاشقين لدمشق: (كل إنسان له وطنان: وطنه الأم ودمشق)
ومن أول زيارة لها نبت هذا القول مثل شجرة باسقة في وجداني ولكن بعد الزيارة العاشرة، بدا الخريف يزحف
على الشجرة، وراحت أوراقها تتساقط.. أما في الزيارة الأخيرة فقد تحولت جذور الشجرة إلى رماد، ورحت أردد:
هل كان كاذبا؟
(درب طويل كالطريق من الجحيم إلى الجحيم).
هذا ما قاله أحد الشعراء، وكأنه ينظر إلى الطريق بين بيروت ودمشق، والذي لايزيد طوله على 120 كلم ولكنه فعلا
بطول الطريق من الجحيم إلى الجحيم.
أنت في بيروت تحت حقد الطائرات الصهيونية بقنابلها الذكية الإمريكية.. وحين تظن أنك دخلت إلى الحدود السورية،
واصبحت في مأمن من ذلك الحقد الأسود ينقض عليك حقد آخر وبربرية أخرى تبدأ من موظف الجمارك أو المطار الذي
لا يمكن أن يلتفت إليك ، مرورا بأي فرد تلقاه في الفندق والمطعم وسيارة الأجرة وصابغ الأحذية، إنه جيش يقصف
وجدانك وذهنك وذاكرتك بكل مافيها من تذكر أن هناك قيما نبيلة.. وما يسمى قومية عربية.
ومرة أخرى:
هل كان كاذبا؟
لا.لم يكن كاذبا..
دمشق لا يمثلها موظف مهما لمعت النجوم على كتفيه ولا يمثلها أي فرد ولد من المستنقعات .. دمشق يمثلها التاريخ
المجيد ويمثلها عظماء في كل حقل من حقول الفكر والإبداع ولا سيما حقل المبادىء والقيم ومنازلة (الاستبداد)
شيء آخر:
إن الذين يحبون دمشق، وأنا كنت منهم، بل أشدهم غلوا، هؤلاء في قلوبهم جمرة من دمشق، يخرج لهبها في
أشعارهم على شكل عتب مر، وشيء من الانتظار المتارجح بين الرجاء واليأس.. منهم أدونيس ومحمود درويش
وسعدي يوسف أما اللواء فيحمله محمد الماغوط.
يقول سعدي يوسف في إحدى قصائده أو عتبه أو انتظاره:
(بين الشهادة عشرون ميلا
وبين دمشق
وعشرة آلاف ميل تناءت دمشق
عن دمشق)
في النهضة الحديثة أول من روت دماءهم أرض الكرامة والحرية وطلب الاستقلال هم شهداء دمشق ولذلك يشير البيت
السابق فأين دمشق الآن؟ هذا ما يقوله سعدي.. أما محمد الماغوط فهو أكثر حسرة:
(كنت أود أن أكتب شيئا
عن الاستعمار والتسكع
عن بلادي التي تسير كالريح إلى الوراء
ومن عيونها الزرق
تتساقط الذكريات والثياب المهلهلة
ولكني لا أستطيع
قلبي بارد كنسمة شمالية أمام المقهى
إن شبح تولستوي القمي
ينتصب أمامي كأنشوطة مدلاة
لا أستطيع الكتابة ودمشق الشهية
تضطجع في دفتري كفخذين عاريين)
جريدة اليوم
الأربعاء 13/ 7 / 1427هــ الموافق 7 /8 /2006م
.
.