بينما كنت أتمشى بأحد شوارع قريتنا، فوجئت بأصوات تنبعث من الدور العلوي بأحد المنازل، كانت الأصوات مرتفعة جداً، لأول وهلة شعرت بالرعب، فربما مات لديهم قريب، وهم في لحظات الصدمة الأولى، ومع ذهولي عرفت من طبيعة الأصوات أن هناك تلاسنا عنيفا بين زوجين يتم بصراخ ملفت، دخلت في طور آخر مع استشعاري لهذه الحقيقة، صرت ارتجف من هول ما لمسته من قوة في الأصوات التي لم أكن أميز محتواها، والشيء الوحيد الذي يصلني هو دوي حناجر تتصادم بقوة، وبينما أنا بتلك الحالة حتى رأيت طفلة في السابعة أو الثامنة من العمر بحسب تقديري، تخرج عند باب الشارع باكية مزعوجة مخطوفة اللون، فهمت من بكائها أنها تطلب تدخل أحد لإيقاف ما يحصل داخل بيتهم، كنت الوحيد بالشارع حينها، وكنت واقفا على مسافة من البيت لحيرتي فيما أصنع، وفي تلك الأثناء مر قريب لأهل ذلك البيت بسيارته في الشارع، وفكرت أن أبادر في إيقافه، لأطلب منه الترجل والتصرف مع الموقف، ولكني لم اجرؤ ، كنت مترددا في ذلك، وأعزو ذلك لحالة الارتباك التي كانت مسيطرة علي، والحمد لله كانت الطفلة المذعورة هي المبادرة لاعتراض قريبها في وسط الشارع، وكـأنها كانت تنتظر رؤية أي شخص مألوف لها لتصرخ به طالبة نجدتها، وبالفعل نزل ذلك القريب، واستمر الصراخ بعض الوقت، وانتهى حين رأيت ذلك القريب وقد خرج من البيت مصطحبا الزوجة مع طفلتها وأخذهما معه بسيارته، وفهمت من ذلك التطور أن القريب ربما اختار إبعاد الزوجين عن بعضهما من رحم ذلك الموقف كمقدمة لحلحلته لاحقاً.
بقيت منزعجاً فيما تبقى من ذلك اليوم، ومنظر الطفلة الضحية المزعوجة التي تصرخ بصوت مبحوح عند باب بيتهم بقي مسيطراً علي، وصرت أتساءل: كيف ستذهب تلك الطفلة للمدرسة غداً؟ ما الأثر النفسي الذي استوطنها من رعب الموقف؟ كم تحتاج لتـتعافى من هول ما عاشته؟ وكم طفل عاش ذات الموقف؟ وما الموقف الذي اضطر معه الزوجين للتفاهم بهذه الطريقة في حضور طفلتهما الصغيرة؟!
هذا الموقف جعلني أستشعر بعض نِعم الخالق سبحانه علي، ونعمه لا تحصى ، فالحمد الله سبحانه الذي خلق لنا من أنفسنا أزواجاً، وجعل بيننا مودة ورحمة، وأسأل الله سبحانه أن يهبنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأن يوفقنا لتأمين أسرة آمنة مطمئنة لأبنائنا وبناتنا، ويرزقنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.