-[ 44 ]-
المبحث الثالث
في عموم حجية العقل
إن الله سبحانه وتعالى كما يحتج على الإنسان بعقله لتعيين الحق والإذعان به، وتصديق من ينبغي تصديقه لصدقه وأمانته، تبعاً لقيام الحجة بذلك، وتمامية الأدلة عليه، كذلك يحتج عليه بعقله لرفض الباطل عند قيام الدليل على بطلانه، وعدم التعويل على من لا ينبغي تصديقه، عند قيام الشواهد على أنه ليس أهلاً لأن يُصدَّق.
فمثلاً: يفترض في الدين أن يكون هو الحقيقة المقدسة المفروضة من خالق الكون المحيط به والمدبر له.
كما يفترض فيمن يؤخذ منه الدين ويصدق عليه أن يكون المثل الأعلى في الأمانة والصدق والواقعية، تبعاً لأهمية الأمانة التي يحملها ويتعرض لها. هذا ما يدركه العقل بفطرته.
فلا معنى بعد ذلك لأن يعتنق الإنسان ديناً وهو يرى أن بعض تعاليمه خرافة لا يمكن تصديقها، أو حيف وجور لا يحسن جعلها، أو يرى التناقض في التعاليم والمعتقدات، بل ينبغي أن يكون إدراكه لهذه الفجوات في دينه محفزاً له على الفحص عن دين آخر متكامل لا فجوة فيه.
-[ 45 ]-
كما لا معنى لأن يُصدَّق على الدين مَن لا يصدَّق على أمور الدنيا، لأنه انتهازيّ أو كذاب أو متهم.
بل ينبغي أن يكون ذلك محفزاً للإنسان على التحري والفحص عن دعاة آخرين، أهل للتصديق والاستئمان بواقعهم وسيرتهم وسلوكهم.
وإلا كان الإنسان مفرّطاً في أمره ومتحملاً مسؤولية موقفه ومغبّته. وهذه حقائق ظاهرة تنفع الإنسان في مسيرته من أجل معرفة الدين الحق والوصول إليه.
وأطرف مِن ذلك أن تبتني بعض الأديان على أنْ يُطْلَب مِن أتباعها اعتناقها وقبول تعاليمها، كأمور غيبية لا يصل إليها العقل، ولا يحق له النظر فيها، ولا نقدها.
مع وضوح أنه لو أمكن ابتناء الدين على ذلك، إلا أنه لا يحسن بالعاقل أن يعتنق الدين المذكور ويؤمن به إلا بعد أن تقوم الأدلة الكافية والحجج القاهرة على صحته، بحيث يضطر العقل السليم للتصديق به والإذعان له، ثم يقبل تعاليمه مهما كانت غامضة أو غريبة.
ولا معنى لاعتناقه وقبول تعاليمه مِن دون دليل على صحته وحقيته.
-[ 46 ]-
المبحث الرابع
فيما يجب معرفته من الدين
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "الإيمان عقد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان" (1).
وقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) : "الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" (2).
والنصوص بذلك عنهما وعن الأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) بهذه الألفاظ وما يقاربها وبهذه المضامين كثيرة مستفيضة (3).
أما عمل الأركان فهو عبارة عما فرضه الله تعالى على الإنسان من عمل. والذي يتكفل بذلك علم الفقه. ويكفي فيه التقليد، بشروطه المقررة لمَن لا يتيسر له الإطلاع على أدلته تفصيلاً، على ما ذكر في محله.
وأما معرفة القلب والإقرار باللسان فهو ما نبحث عنه هنا.
وتوضيح ذلك: أنه قد أجمع المسلمون على وجوب الاعتقاد بأمور ثلاثة، وهي المدار في الإسلام والكفر.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 69: 71.
(2) نهج البلاغة 4: 50 باب المختار من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) رقم: 227.
(3) بحار الأنوار 69: 18ـ73.
-[ 47 ]-
أصول الدين
الأول: التوحيد.
وهو وجود الله عزّ وجلّ، وانفراده بالخلق والتدبير والربوبية واستحقاق العبادة.
الثاني: النبوة.
وهي نبوة سيدنا (محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم)) ورسالته عن الله تعالى للخلق من أجل تبليغهم بدينه في الأمور الاعتقادية والعملية.
الثالث: المعاد والبعث بعد الموت.
وهو أن الله سبحانه وتعالى يحيي الناس بعد موتهم، ويحاسبهم على عقائدهم وأعمالهم، ويجزيهم على الخير والطاعة الثوابَ، وعلى الشر والمعصية العقابَ.
والأدلة على وجوب الاعتقاد بهذه الأمور الثلاثة متظافرة من الكتاب والسنّة. ومن المعلوم من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يدعو الناس للإقرار بهذه الأمور، ويحارب من أجل ذلك. وبها تحقن الدماء، وتثبت حرمة الإسلام. وهي الفارق بين المسلم والكافر.
ومن الطبيعي أن الاستدلال بالكتاب المجيد وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته على وجوب هذه الأمور الثلاثة لا يتم إلا بعد ثبوت وجود الله عز وجل ونبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما ذكرناه هنا مِن أجل التنبيه على احتمال
-[ 48 ]-
وجوب هذه الأمور، ليجب الاحتياط بالفحص عنها، في مقابل بقية الحقائق الدينية التي لا يجب الفحص عنها مِن أجل الاعتقاد بها حتى لو كانت ثابتة في الدين، كما يأتي توضيحه.
أما الشيعة الإمامية أعزّ الله دعوتهم ورفع شأنهم فقد زادوا على هذه الثلاثة أمرين آخرين، وأوجبوا الاعتقاد بهما، وهما عندهم - في الجملة - شَرْطٌ في الإيمان - زائداً على الإسلام - وفي النجاة مِن النار.
أصول المذهب الحق
الأول: الإمَامَة
وهي إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (صلوات الله عليهم) من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل، بِنَصٍّ مِن الله تعالى.
أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن بن علي، ثم الحسين ابن علي، ثم تسعة من ذرية الحسين، ولداً عن والد، خاتمهم الحجة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
وهم: علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي الزكي العسكري، ثم خاتم الأئمة محمد بن الحسن القائم المهدي المنتظر (صلوات الله عليهم أجمعين).
-[ 49 ]-
الثاني: العدل.
وهو أنّ الله عزّ وجل عادل لا يمكن أن يظلم العباد، على ما يأتي توضيحه في محله إن شاء الله تعالى.
هذا، وحيث لابد في الاعتقاد بالشيء مِن قيام الدليل المُقْنِع عليه، بحيث يكون الاعتقاد به عن قناعة وبصيرة تامة، لِمَا يأتي مِن حرْمة القول بغير علم، ولِمَا فُطِر عليه العقل مِن عدم حُسن الاعتقاد بالشيء مِن غير دليل. فلابد حينئذٍ مِن النظر في الدليل على ثبوت الأمور الخمسة المذكورة. وهو ما يتكفله هذا البحث إن شاء الله تعالى.
أما بقية الحقائق الدينية فلا يجب تكلُّف البحث عنها وعن أدلتها مِن أجل الاعتقاد بها، لعدم الدليل على ذلك. بل الظاهر عدم القائل به.
يجب الإذعان بكل حقيقة دينية إجمالاً أو تفصيلاً
نعم إذا قام الدليل عليها - بنَحْوٍ أوجب العلْمَ بِجَعْل الله تعالى لها وتبليغ رسله بها - وجب الاعتقاد بها على نَحْوِ ما عُلِمَت.
كما يجب الاعتقاد إجمالاً بكل ما جعله الله تعالى وأنزله على رسوله، وبكل حقيقة دينية، والإذعان بذلك كله على إجماله، إذا لم يعلم بتفاصيله.
والوجه في جميع ذلك: أنه لو تمّ الدليل على وجود الله عز وجل وحصل العلم بذلك، فمقتضى العبودية له تعالى التسليم بكل ما حكم به وجعله، والتصديق بكل ما بلّغ به وبيّنه، والإذعان بجميع ذلك كما وصل،
-[ 50 ]-
إجمالاً أو تفصيلاً. والردّ لشيء مِن ذلك مضادّة له تعالى شأنه، ينافي العبودية له. بل حتى التوقف عن التسليم له لا يناسب العبودية له.
وقد أكد على ذلك القرآن المجيد، والسنّة الشريفة، في آيات كثيرة، وأحاديث مستفيضة، عن المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام).
تأكيد الكتاب والسنة على الإذعان بالحقائق الدينية
قال الله عزّ وجلّ: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إلَينَا وَمَا أُنزِلَ إلَى إبرَاهِيمَ وَإسمَاعِيلَ وَإسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَالأسبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِم لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أحَدٍ مِنهُم وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ* فَإن آمَنُوا بِمِثلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَد اهتَدَوا وَإن تَوَلَّوا فَإنَّمَا هُم فِي شِقَاقٍ فَسَيَكفِيكَهُم اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ)) (1).
وقال جلّ شأنه: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعنَا وَأطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيكَ المَصِيرُ)) (2).
وقال سبحانه وتعالى: ((إنَّ الَّذِينَ يَكفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أن يُفَرِّقُوا بَينَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ وَيُرِيدُونَ أن يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلاً* أُولَئِكَ هُم الكَافِرُونَ حَقّاً وَأعتَدنَا لِلكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِينا)) (3)... إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة آية: 136ـ137.
(2) سورة البقرة آية: 285.
(3) سورة النساء آية: 150ـ151.
-[ 51 ]-
وقد روي بطرق متعددة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "الإسلام هو التسليم..." (1).
وفي صحيح الباهلي: "قال أبو عبد الله (عليه السلام) : لو أنّ قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
أَلا صَنَعَ خِلافَ الذي صَنَع، أو وَجَدُوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مُشْرِكين. ثم تلا هذه الآية: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أنفُسِهِم حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيما)). ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) :
عليكم بالتسليم" (2).
فإذا كان الإنكار على ما جعله الله تعالى وعدم الرضا به منافياً للإيمان، فكيف بإنكاره رأساً وعدم الإذعان والاعتقاد به؟!
وفي حديث كامل التمار: "قال أبو جعفر (عليه السلام) : ((قَد أفلَحَ المُؤمِنُونَ)) أتدري مَن هم؟ قلت: أنت أعلم. قال: قد أفلح المؤمنون المسلّمون. إنّ المسلّمين هم النجباء. فالمؤمن غريب، فطوبى للغرباء" (3).
وفي حديث يحيى بن زكريا الأنصاري عن الإمام الصادق (عليه السلام) : "سمعته يقول: مَن سَرّه أن يستكمل الإيمان كله فليقل:
القَوْلُ منِّي في جميع الأشياء قَوْلُ آلِ محمدٍ فيما أسَرُّوا وما أعْلَنُوا، وفيما بَلَغَنِي عنهم وفيما لم يَبْلُغْنِي" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 2: 45 / وبحار الأنوار 67: 309ـ313.
(2) الكافي 1: 390.
(3)، (4) الكافي 1: 391.
-[ 52 ]-
وحيث كان عندهم (عليهم السلام) جميع ما أنزل الله تعالى فالتسليم لهم تسليمٌ به كله... إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة الدالّة على وجوب التسليم لله عز وجل وللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وللأئمة (عليهم السلام).
فاللازم الحذر كل الحذر من إنكار الشيء، أو الإنكار عليه، واستبشاعه - بعد ثبوته عن الله تعالى بالطرق التي مِن شأنها أن توجب العلم- لغرابته أو لبعض الوجوه الاستحسانية، والاجتهادات والتخرُّصات، أو لغير ذلك.
لابد في الاعتقاد مِن قيام الدليل الكافي
نعم، لابد في الاعتقاد بالشيء والإذعان به من قيام الدليل عليه، وحصول العلم به، ويحرم التسرع في ذلك ظنّاً وتخرُّصاً من دون بيّنة وبصيرة، كما سبق. وهو افتراء على الله تعالى، بل أقبح الافتراء ومن أعظم المحرمات، بضرورة الدين.
قال الله تعالى: ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسؤُولا)) (1).
وقال عزّ وجلّ: ((وَلَو تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعضَ الأقَاوِيلِ* لأخَذنَا مِنهُ بِاليَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعنَا مِنهُ الوَتِينَ* فَمَا مِنكُم مِن أحَدٍ عَنهُ حَاجِزِينَ)) (2).
وقال سبحانه: ((قُل إنَّ الَّذِينَ يَفتَرُونَ عَلَى الله الكَذِبَ لاَ يُفلِحُونَ* مَتَاعٌ فِي الدُّنيَا ثُمَّ إلَينَا مَرجِعُهُم ثُمَّ نُذِيقُهُم العَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء آية: 36.
(2) سورة الحاقة آية: 44ـ47.
-[ 53 ]-
يَكفُرُونَ)) (1). ووضوح ذلك يغني عن استكثار الأدلة عليه.
وكما يحرم الاعتقاد بالشيء مِن دون دليل عليه، يحرم أيضاً الاعتقاد بعدمه مِن دون دليل، لأنه افتراء أيضاً وقوْلٌ بغير علم.
وكما يحتاج الإثبات إلى دليل يحتاج النفي إلى دليل. ولا يكفي في نَفْي الشيء عدم وجدان الدليل عليه، بل اللازم التوقف حتى يتضح الحال إثباتاً أو نفياً بدليل وافٍ وبرهان كافٍ، يصلح عذراً بين يدي الله تعالى يوم يعرضون عليه، ويوقفون للحساب بين يديه.
واللازم مع الشك التوقف والاكتفاء بالإيمان الإجمالي والاعتقاد بما جعله الله تعالى في الواقع، على ما هو عليه، كما سبق، ويبقى الجهل عذْرًا، وملزماً بالتوقف عن الاعتقاد التفصيلي.
وقد سبق أنه لا يجب تكلّف الفحص لمعرفة الحقيقة تفصيلاً مِن أجل الاعتقاد بها قلباً والإقرار بها لسانًا، إلا في أصول الدين التي هي موضوع حديثنا هذا، حيث لا يكفي فيها الاعتقاد الإجمالي، بل يجب الفحص عنها من أجل الاعتقاد بها تفصيلاً.
وعلى ذلك يقع الكلام في تلك الأصول في خمسة مقاصد.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يونس آية: 69ـ70.