[B][align=center]
بينما كنت أعبث في أوراق قديمة لي , استخرجتها من ظرف أبيض كبير في الدرج , وجدت صورة لك .. فكانت كالمقص الذي قطع شريط افتتاح الذكريات !
عشرة أعوام مضت على رحيلك كيف مضت ؟ ليتك تعلم كيف قضيتها بدونك؟
كنا كعصفورين يحتضنهما عش في شقتنا التي كان يراها كل من حولنا صغيرة .. ضيقة , وهي أرحب من الكون! نعم .. هكذا كنا نراها أنا وأنت .
كنت كل شيء في حياتي , مثلما كنت كل شيء في حياتك , حينما نكون سويا نحس بالدفء يُمطر علينا من السماء , شيء ما في قلبَينا كان مشرقا كالشمس نشهد ولادته كل يوم ولا ندرك كنهه !!
آآآآه .. كم كنت أنتظر اللحظة التي أكون فيها معك , كلما رأيتك في بيتنا جالسا مع أمي \ خالتك , والبهجة تغشى المكان لوجودك فيه , فأنت كم غمرت الجميع من صغير وكبير بحنانك ولطفك ودفئك , أسرت الجميع بأخلاقك الرفيعة وثقافتك الواسعة , الجلوس معك و الجلوس في واحة تحت شجرة وارفة الظلال سيان !
حينما تقدمت لخطبتي استبشرت كل العوالم لست أنا وأهلي فقط .
ظننت يوما – في ذلك الوقت- أنك إذا لم تتزوجني سأكون أتعس امرأة في الوجود وكنت أشعر بروحي تحلق إلى السماء حينما يخطر ببالي مجرد فكرة ارتباطك بفتاة غيري , وتناسيت أنني أجهل ما يخبأه القدر الذي لم يمهلني للإرتواء من معينك الصافي .. أخذك بعد مرور عام على زواجنا وتركتني مع قطعة منك تتحرك في أحشائي ..كم شعرت حينها أنني شؤم عليك , رغم علمي أنك لو سمعت هذا ما رضيت به .
في شهري التاسع من الحمل وفي اليوم العشرين منه تحديدا خرج ابنك إلى الحياة من دون أب ينتظره ليحتضنه ويقبله , كيف قبلت وأنت .. أنت أن تترك ابنك يصارع الحياة وحيدا دون أن تمد له يد العون التي طالما مددتها لكل من حولك ؟!
أتدري أن ابنك يشبهك كثيرا , حتى في تصرفاته , فالكل يراك فيه , وهذا ما يزيد من سعادتي وعذابي ! حينما أراه أمامي أشعر بأنك ما زلت حيا فتخف عني وطأة الألم , وفي ذات الوقت يذكرني بك وبأنك رحلت دون رجعة إلينا . عشرة أعوام والكل يلومني وأنا الفتاة الصغيرة لماذا لا أتزوج ؟ لأجد من يرعاني ويرعى ابنك !
هل تراهم نسوك ؟! أم أضناهم الشوق ويحاولون نسيانك ووضع بديل في مكانك الشاغر! مهما كان شعورهم أو تفكيرهم , هل يعتقدون أنني نسيتك ؟! أو أنني أستطيع نسيانك ! إنهم يريدون أن يلقون بي في قعر جهنم و يظنون أنهم يحسنون صنعا ! كيف أنساك ؟ بعد كل لحظة هنيئة عشتها بين أحضانك ! وبعد كل جميل رأيته منك . وكيف أقبل بغيرك بديلا ولست أرى مثيلا لك ؟! وكيف أرضى لأبني أن يتربى في غير حجرك ؟! وأنت الذي كدت أن تطير فرحا حينما زفت والدتك خبر حملي إليك .. وأنت من قام برعايتي في شهور حملي الأولى .. بل حتى آخر لحظة كنت معي فيها قبل الوداع الأخير ..
ما زلت أذكر ذلك اليوم وكأنه الآن .. في صباح ذاك اليوم كنت متعبة ولم أستطع إعداد طعام الإفطار , فأبديت رغبتك بإعداده بنفسك , وأعددت الإفطار بيديك الكريمتين وأحضرته على السرير , لم تكن شهيتي على ما يرام ذاك الصباح ولكنك كنت مصرا أن أتناوله معك , فكنت تطعمني لقمة وتضع الأخرى في فيك , وحينما نظرت إلى ساعتك وقد داهمك الوقت طلبت مني أن أشرب كوب الحليب حتى آخر قطرة وإلا ستزعل عليّ . وذهبت تستعد للتوجه إلى عملك , وودعتني كعادتك بكلماتك الحلوة ووصيتني بالمكوث على السرير حتى تأتي من عملك وقبلتني .. القبلة الأخيرة , وخرجت مسرعا ..
وفي تمام الساعة الثانية عشرة ظهرا , استيقظت فزعه .. حلم اقتلع قلبي من مكانه , وحبيبي لم يعد من عمله كما وعدني , فورا اتصلت به على هاتفه المحمول لم يرد .. وكررت الاتصال به مرتين وثلاث وأربع مرات ولم يرد , لماذا ؟ وما حدث له ؟ اتصلت بوالدي وأخبرته بالأمر وهدأني وقال: أكيد ( محمد) بخير ربما نسي (جواله) في المكتب وخرج لأداء مهمة ما , أنت اهدئي الآن وسأتدبر الأمر . و أغلق السماعة .. شعرت بأن صوت والدي مبحوح وبأنه مضطرب , لا .. لا .. كيف أطمئن ؟ و قلبي يحدثني بأن هناك أمرا ما يحاول إخفاءه عني . وما هي إلا لحظات وإذا بوالدي وإخواني يدخلون عليّ حيث أن لديهم مفتاح للشقة , دخولهم أفزعني إذن حصل مكروه لـ (محمد) .. سألتهم فورا : ماذا جرى لـ (محمد) ؟ نكسوا رؤوسهم .. رفع أبي رأسه قائلا : جرى عليه الذي قال عنه النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – أنه حق !
ولم أفق إلا على السرير في المستشفى و الكل متحلق حولي بوجوه مذهولة شاحبة . أغمضت عيناي .. محاولة الهروب , ربما أحلم - هكذا كنت أحدث نفسي - وفتحت عيناي مرة أخرى لأرى نفس الوجوه ما زالت حولي , إذن ما حدث واقعا لا حلما .. حينها بكيت وصرخت بكل مرارة العالم ! ومكثت شهرا كاملا في المستشفى أنام على المهدئات وإذا استيقظت أجدد البكاء والنحيب ..
وبعد مرور الشهر خرجت في ثوبي الأسود من المستشفى إلى بيت أهلي وتجدد العزاء والبكاء والألم . شهور طويلة قضيناها أكلنا وشرابنا ونومنا واستيقاظنا وأنفاسنا .. أنت ! ولا زلت كذلك بالنسبة لي . . ربما حاولت أن أخبئ كل صورك عن عيني ولكنها تملأ كل صفحات قلبي !
صوت طرقات على الباب ..
- من ؟
- أنا (حسن) يا أمي ؟
إنه ابنك (حسن) ألم تقل أنك تحب كل شيء حسن ولذلك ستسمي ابنك الأول (حسن) , لقد أسميته كما تمنيت ولكن لم يمهلك القدر لترى ما كنت تتمنى .
صوت (حسن ) من جديد
- أمي .. أجيبيني هل حدث لك مكروه ؟
دسست الصورة في الظرف الأبيض
- تفضل حبيبي
فتح الباب ودخل مسرعا ..
- ماذا بك يا أمي ؟
- لا شيء أبدا , كنت أبحث عن أوراق أحتاجها للجامعة .
- وهل الأوراق التي تبحثين عنها تحتاج لكل هذه الدموع ؟!
لم أنتبه لدموعي التي لطخت وجهي , نكست رأسي .. جلس قبالتي ورفع رأسي , نظر إليّ برهة ثم احتضنني قائلا : هل هي ذكرى أبي ؟!
أجهشت بالبكاء , أول مرة أبكي أمامه لفقد أبيه , أخذ يهدئني بكلامه الذي اسمعه منه لأول مرة , أبعدته عن حضني و نظرت إليه مليا .. هل لطفل أكمل التاسعة من عمره للتو أن يصبح رجلا فجأة ؟! أم رؤيته لأمه وحيدة تكافح من أجله صنع منه رجلا ليعوضني عما فقدت !
- أمي .. أنت معي ؟
- نعم .. نعم معك
- لا أحب أن أرى دموعك .. أرجوك لا تبكي مرة أخرى أمامي أو من ورائي , وصدقيني أنني أجتهد في دراستي وأترقب اليوم الذي أكبر فيه لأعوضك عن كل ما بذلته من أجلي .
- حبيبي كل ما يهمني أن أراك سعيدا لا ينقصك شيء , أنت بحد ذاتك أجمل هدية وأغلى تعويض , كل ما أريده أن تهتم بنفسك وتجتهد في دراستك فقط لا تفكر بسوى هذين الأمرين , ومتى ما كبرت فكر في الأمور الأخرى .
- إن كانت هذه رغبتك فلك ما أردت أمي , رغم أنني أحاول أن أبذل كل ما بوسعي لإسعادك كما تحاولين إسعادي .
احتضنته بقوة .. إنه أنت في عطاءك .. وحنانك.. فكيف أنساك؟
دمتم بخير
قيثارة [/align][/B]
<******>drawGradient()******>