اتصلت أنا بالسائق و ها هو يأتي لإعادتنا للمنزل .. كان السائق خاصلنهلة و ليلى و عائلتها.. و لكن أحياناً كثيرة أنا أطلب منه إيصالي للأماكن التيأريد الذهاب إليها لانشغال السائق الخاص بأسرتي بمشاوير أمي ..
وصلت أنا و أروىلمنزلنا فودعنا نهلة .. و أسرعنا بدخول المنزل ..
أسرعت أنا إلى غرفتي لأخبئ كلالهدايا و الملابس عن أنظار " المدللة سارة ".. ثم استبدلت ملابسي .. و مسحتالمساحيق .. و نثرت شعري على كتفي .. و بكل دلال أخرج من غرفتي و ها أنا أسمع أصواتوالدي الحبيب .. انطلقت بمرح نحوه .. أنا أبلغ من العمر الثانية و العشرين .. و أناالكبرى .. من بين أخواتي ..
أخذ والدي يداعب خصلات شعري و ضحك :" بنيتي .. أينوالدتك ؟!! "
أشرت للمطبخ .. فمشى والدي بهيبته نحو المطبخ ..:" هيفاء .. أينأنت عزيزتي ؟!! "
دخل المنزل ذلك الشاب الذي لا أطيقه .. و من غيره ؟!! ماجد ابنخالتي هناء .. متطفل .. يدّعي أنه يحبني .. و يتمنى الزواج بي .. و لكن كبريائي لايسمح لي بقبول هذا كزوجٍ لي ..
تجاهلته مستديرةً .. فاستوقفي بضحكة :" منى .. كيف حالكِ .."
أدرت رأسي له ..ثم تجاهلته و مشيت نحو غرفة أختي سارة .. فتحتالباب .. لأرى مصففة الشعر تقف خلف أختي الجالسة على الكرسي أمام المرآة .. المصففةلا تستخدم أجهزة تؤلم سارة .. و لكنها بدلال تدّعي الألم ..
اقتربت منها .. فإذابالمصففة صنعت لها تسريحة خاصة للأطفال ..
كدت أضحك .. و لكن أختي دائماً هكذا .. طفلة فقط .. و علي عدم جرحها .. فهي كالجوهرة الثمينة لدى أبي و أمي ..
خاطبتها بلطف بينما كانت تضع يدها بقرب أذنها و تتألم ..:" سارة.. هل تجهزتِجيداً للحفل ؟!! "
نظرت لي و هزت رأسها ايجابياً و عادت لتصرخ بالمصففة :" كفاك .. لا تشدي شعري بقوة "
كتمت ضحكتي .. و بقيت أتأملها .. تملك ملامح ناعمة .. عينان زرقاوتان ..شعر طويل بني ..
ها هي الخادمة تدخل الغرفة حاملة بيدها كوبماء و أقراص طبية .. نظرت لأختي .. آه ستبدأ المعركة الآن ..
اقتربت الخادمةلأختي و وضعت الكوب فوق الطاولة التي أمامها .. و انتزعت قرصاً لتتناوله أختي ..قدمته لها .. فرأيت بعين أختي شرراً يتطاير .. و كأنها قنبلة موقوتة على وشكالانفجار ..و بالطبع ,, تصرخ أختي غضباً لتسقط بالكوب على الأرض و تكسره و تسحقالقرص تحت قدميها ..و تبقى تصرخ بجنون .. تلك حالة أختي المدللة .. لا تقبل تناولالدواء ..نظرت لها بأسى .. المصففة تمسك بيدها اليمنى و الخادمة تمسك بيدها اليسرى .. يحاولن فقط تهدئتها ..و هي تصرخ بجنون :" حتى يوم عيد ميلادي يلاحقني هذا الدواء؟!! لماذا ؟!! لماذا ؟!! "
فتهرول والدتي للداخل .. تصرخ بي :" ما بها أختك "
" كالعادة ..! الدواء يثير جنونها "
أسرعت أمي لها و ضمتها لحجرها وخاطبتها بحنان :" كفى يا حبيبتي .. لا عليك..لن أجبرك على تناول الدواء "
صرختأنا :" لكن أمي .. إذ لم تتناول الدواء سوف تسوء صحتها "
" أسكتي أنتِ .. أنتسوء حالتها الجسدية أفضل مما أن تسوء حالتها النفسية "
هكذا هدأت المدللةعلى حضن أمي .. خرجت أنا من غرفتها .. أختي سارة .. يستوجب عليها تناول هذه الأقراصبانتظام .. لأنها منذ كانت في السادسة عشر من عمرها راودتها تشنجات في المخ ..عندماترتجف المنطقة المحيطة بشفتها في الجانب الأيسر لوجهها .. و تشل قدرتها على التحدثلدقائق .. هي نوبة تشنج ..
و لأن تلك النوبات كانت تراودها باستمرار .. تراجعمستواها الدراسي .. و لأنها لا تلتزم بالدواء استمر حالها السيئ هذا حتى بلغتالحادية و العشرين سنة ..أي عمرها الحالي ..
لا أحد يستطيع إقناعها أن الدواء هومن صالحها .. و سر كآبتها أحياناً بسبب هذا المرض ..
من الذي يستطيـع إقناعها والتحكم بها يا ترى ؟!! فكروا معي ..
======================
تجهزت جيداً لحفل عيد ميلادي .. وأصبحت رائعة .. و ها هي أختي منى ترتب خصلات شعري.. و تطبع قبلة على خدي و تقرصه ثمتقول بضحكة :" سارة .. أنتِ رائعة "
ابتسمت أنا .. و ها هي أمي تمطرني قبلاً وكلمات تشجعني أكثر وترفع من معنوياتي ..و أروى بعدها لا تتركني إلا بعد أن تفرغشحنة القبل و الكلمات الرائعة .. و لا تنسوا الخادمات ..لن يتركنني .. يظلون يرتبونشعري و يداعبونني .. لحظة ! هل نسيتم والدي الحبيب .. لقد حملني بكل ما لديه منقوة.. و هو يردد :" دمتِ لي يا صغيرتي الجميلة "
و ليس هذا فقط .. خرجت من غرفتيأتجه للصالة لأتلقى بنات خالتي هناء و أخوهن ماجد و مداعباته السخيفة .. و وائل ابنخالتي غيداء و عمه إياد و سالم و عماته مروة و سمية ..
أوه .. لا تنسوا .. خالتيهناء و زوجها يكررون دائماً :" هذه المدللة سوف تكون من نصيب ابننا "
و ليس هذافقط .. وائل و سالم لا يبعدون نظرات الإعجاب عني .. و كذلك عمة وائل المسماة ذكرى .. تمطرني بالكلمات التي لا تنتهي و بالقبل .. و خالتي غيداء .. تضمني إلى صدرها ولا تتركني إلا بعد أن تسحبني خالتي الأخرى هناء .. و زوج خالتي غيداء .. لا يتركنيو يمطرني بنصائحه التي لا تنتهي .. أهذا وقت النصائح ..
أوه لا تنسوا ..صديقاتأمي الكثيرات .. هذه تقول :" رائعة " و هذه تقول :" جذابة " و الأخرى تقول :" ستكونزوجة ابني في المستقبل " لماذا يتحدثون عن الزواج في كل حين ؟!!
وقفت بقربالكعكة حيث أطفأت جميع الأنوار .. و الجميع حولي يرددون ذلك النشيد .. إلى أن قربتأنا وجهي للشموع .. كانت أحدى و عشرين شمعة ..على الكعكة .. طفأتها بكل ما لدي منقوة ..هذا هو عيد ميلادي الحادي و العشرون ..
و هنا أتلقى الهدايا من كل فرد منالعائلة .. بعد ذلك .. نجلس نحن الشبان و الشابات على الأرض نشكل دائرة و نظل نتحدثو ندردش .. بجانبي يجلس إياد الذي لا يتوقف عن الحديث .. و في الجانب الآخر سمية .. تعاكس أخيها في كل كلمة يقولها .. وائل لا يفعل شيئاً سوى رمقي بنظراتٍ مخيفة .. وابتسامة خبيثة تعلو وجهه..منى تخاطب نهلة بهمس .. و أروى تفعل الشيء نفسه مع ليلى .. ماجد .. على وشك العراك مع سالم .. و مروة تنظر لماجد بإعجاب شديد ..و تصدرقهقهة قوية لتلفت أنظاره لها .. من الذي يُعجب بماجد ؟!!
جميعنا نحن الفتيات لانرتدي الحجاب .. إلا سمية .. التي اتبعت نصائح أخيها إياد ..
===========================
بعد فترةٍ نهضتسمية مشيرة لساعتها :" لقد تأخرنا "
و نهض من بعدها إياد .. و هنا استوقفته نهلةبصرخة :" آه .. أيها الخائن لماذا تجاهلتنا اليوم عندما لوحنا بأيدينا لك .. لا تقلأنك لم ترانا .. لقد انطلقت بالسيارة هروباً منا أليس كذلك .. أيها الخائن الماكرو.... "
قاطعها إياد باسماً :" هيه .. أنا كنت مستعجلاً جداًً .. لذلك أعذروني "
صرخت نهلة :" لا لن نعذرك "
سحبت سمية يد أخيها قائلة :" دعك منها .. "
و انطلقت خارجة من المنزل مع أخيها .. و هنا نهضت مروة بعد أن غمزت بأنظارهالماجد و خرجت .. و وائل و سالم لازالا جالسان ..
خالتي غيداء و زوجها عادل وأخته ذكرى خرجوا من البيت مودعين أمي ..
و ها هي خالتي هناء تصرخ بنهلة و ماجدو ليلى :" هيا .. سنعود للمنزل "
و هاهم ينهضون و يخرجون من المنزل .. منى نهضتمتجهة نحو غرفتها و أروى اتجهت نحو أمي ..
فبقيت أنا وحدي مع هذان الشابانالمخيفان ..
غمز سالم لي :" أنت رائعة "
و أكمل وائل بابتسامة ماكرة :" جداً .. جداً "
نهضت بسرعة فإذا بيد تمسك بيدي .. نظرت له .. وائل يبتسم بخبث و يقول :
" أجلسي .. نريد التحدث معك قليلاً "
شعرت بخوف رهيب فسحبت يدي بقوة منقبضة يده هاربة نحو أمي ..
=========================
=
في صباح اليوم التالي كنت جالسة أتناولفطوري مع والدتي .. دفعت أمي بيدها كوب العصير تجاهي قائلة بهمس :" منـى "
رفعترأسي ناثرة شعري عن وجهي و قلت مستفهمة :" ماذا ؟!! "
ابتسمت أمي :" كم أصبحعمركِ عزيزتي "
استغربت ! منذ متى كانت أمي تسأل عن عمري .. أجبت :" ثلاثة وعشرون سنة .. أهناك مشكلة ؟!! "
حملقت أمي بي قائلة بابتسامة غريبة :" و أختكسارة عمرها إحدى و عشرون سنة و أختك أروى عمرها عشرون سنة .. أليس كذلك عزيزتي ؟!! "
قلت باستغراب :" نعم ؟!! أهناك شيء ؟!! "
أخذت أمي شهيقاً ثم بدأت حديثها :" أنتن أصبحتن في سن يسمح لكن بالزواج "
اتسعت حدقتا عيني تعجباً .. فأكملت أمي :
" أسمعي منى .. وائل ابن خالتك .. شاب .. وسيم .. مثقف .. و هو طلب يدك منيالبارحة .. فما رأيك ؟!! "
صمتتلبرهة أفكر .. أنا سأتزوج ؟!! و من ؟!! ابنخالتي وائل الشاب الذي تتمناه جميع الفتيات ؟!!
قلت مصدومة :" أمي أنـا ... لاأعلم ماذا أقول لكِ "
" لا بأس عزيزتي يمكنك أن تفكري .. و إن كنتِ موافقة .. سأخبر أختي غيداء لكي تحدد موعد المقابلة .."
نكست رأسي مصدومة .. فقالت أمي :" أيضاً .. ماجد يريد خطبة أروى .. "
حملقت بأمي :" ماجد ؟!! يريد خطبة أروى ؟!! "
" نعم "
" و ماذا عن أختي سارة "
" عزيزتي سوف نقيم زفاف جماعي لكمجميعاً .. سارة لم يتقدم أحد لخطبتها .. و لكن عادل زوج غيداء قال أنه سيعرض فكرةخطبتها على ابنه خالد "
صُدمت :" أمي .. أليس هذا هو المجنون ؟!! "
صرخت بيأمي :" لا! .. لا تقولي ذلك .. أنه تعالج .. و عاد أفضل من جميع الشبان هؤلاء .."
صمتت أنا .. فابتسمت أمي قائلة :" فكري بما قلته لكِ جيداً عزيزتي "
نهضتو أنا أهز رأسي حاملة كتبي خارجة من المنزل .. السائق الآن ينطلق لإيصالي الجامعة .. و أنا سارحة ..
أنا سأتزوج وائل .. أروى ستزوج ماجد .. سارة ستتزوج خالد ..ونهلة من ستتزوج ؟ ليلى من ستتزوج ؟!!
سارة و ابن خالتي المجنون هذا .. كيف ستكونحياتهما .. مريضة جسدياً .. سوف ستتزوج بمريض نفسياً .. سوف تكون حياتهما جحيم ..أختي أروى .. كيف ستتعايش مع الذي لا يطاق ماجد ؟!! و نهلة ! هل ستترك صداقتيلزواجي من وائل .. أفضل شاب لديها ؟!!
رباه علي التفكير بشريك حياتي المستقبلي .. وائل ..
من أنت ؟!! جميع الفتيات يقعون في حبك و لكن .... أنا أشعر أنك ماكرجداً ..
=====================
قطب حاجبيه متعجباً .. نظر لي .. ثم أعاد النظر لوالده الذيينتظر منه الإجابة ..
قال باستغراب :" أنا ؟!! "
قال أباه بابتسامة :" نعم .. ما رأيك ؟!! "
استفهم قائلاً :" و من تكون هذه الفتاة ؟!! "
" سارة .. ابنةخالتك هيفاء.. مريضة .. تحتاج لمن يساعدها .. تحتاجك .. "
و قلت أنا :" نعم .. أنها بريئة جداً "
و أيدّني عادل قائلاً :" نعم .. كما يقول إياد .. الفتاةبريئة جداً .."
حملق خالد بأبيه .. ثم نظر لي .. قائلاً :" و لكـن من قال أنيأريد الزواج ؟!! "
أمسك عادل بكتفي عادل و هزه بحماس :" بني .. أرجوك .. الفتاةتحتاجك .. الفتاة تحتاج لمن يحميها "
قال باستنكار :" و أهلها .. ألا يحمونها؟!! "
" بلى .. و لكنك مؤكد ستبقيها في حصن يحميها .. أرجوك بني .. أريد رؤيةعيالك .. أخيك وائل سيتزوج أيضاً أختها الكبرى "
هنا رأيت الشرر ينفلت من عينه .. إذ سمع أسم أخيه يشتعل غيظاً ..سأل :
" و لماذا هو يتزوج بالكبرى و أنابالصغرى ؟!! ألست أنا الكبير ؟!! "
ابتسم عادل:" بلى ..و لكن وائل لا يستطيعالاهتمام بسارة جيداً .. أنه عديم المسؤولية .. أنت بالتأكيد ستهتم بها جيداً "
ابتسم خالد أخيراً .. فاستغل عادل ابتسامته و قال له :
" متى تريد مقابلةالفتاة ؟!! "
أخذ يفكر قليلاً .. و هذا ما أشعرني و أشعر عادل بالطمأنينة .. علىالأقل أنه يتقبل فكرة الزواج ..
" يوم الثلاثاء .. أهذا يوم مناسب ؟!! "
هزّ عادل رأسه ايجابياً بابتسامة عريضة .. :" نعم مناسب "
=
لاأخفي عليكم .. خالد .. لا يكف عن طرح الأسئلة عن ( سارة ) .. أظن أن من حقه أن يعرفشخصية من سيتزوج.. حدث أن وائل رفض منى من أول مقابلة لهما و هذا ما ثار غيظ منىحتى أنها تحبس نفسها في غرفتها .. لا إعجاباً بوائل .. بل غضباً منه .. لقد كسرغرورها ..
حان موعد المقابلة.. يرحب والد سارة بخالد بحرارة و بي و بعادل ..ويدعونا للجلوس في الصالة ..
يبدأ والد سارة بحديثه ليعبر على غضبه من وائل .. وكيف جرح منى كثيراً .. خالد ! لا يشاركنا هذا الحديث .. طبعاً لأنه يدور حول وائل ..
الآن يوجه والد سارة حديثه لخالد .. :" بني خالد .. يسعدني أنك جئت لخطبةابنتي سارة .. و لكن يا عزيزي عليك تعلم بعض الأمور عنها .. لأنها ستكون زوجتك فيالمستقبل "
هنا يبد خالد اهتماماً لمَا يقوله السيد أبا سارة .. حيث قال :
" أولاً ابنتي تعاني مرضاً .. تواتيها تشنجات في المخ .. لذلك أرجوا منك الاهتمام بهاجيداً .. و عدم الصراخ في وجهها أو إرعابها..و أن تساعدها في التغلب على هذا المرضمن خلال أن تقنعها أن الدواء من صالحها "
خالد الآن يبدِ استغراباً من هذاالموضوع .. فيقول :" قلت لي أنها تعاني تشنجات في المخ ؟!! "
" نعم .. و أتمنىمنك ألا تضجر أو تمل في مساعدتها على التغلب على هذا المرض .. لأننا يأسنا من ذلك "
هزّ خالد رأسه ايجابياً ..:" نعم أنا أتفهم هذا .. "
فيبتسم والد سارةبارتياح.. ثم يقول :
" ثانياً .. أنها تبدو كالطفلة البريئة .. فأتمنى منك ألاترفض لها طلباً .. أو تغضبها .. "
فيقول خالد مقطباً حاجباه :" ذلك له حدود .. أنا لا أستطيع تدليلها لأقصى حد .. سوف أحاول عدم إغاظتها و لكن ليس لحد أناأدللها و أكون خادماً لها .. أنا بصراحة عصبي المزاج .. و سوف أحاول أن أرضيها قدرما أستطيع و لكنها يجب أن تراعيني هي أيضاً "
والد سارة لم يطمئن لحديث خالد .. فقال عادل منقذاً :" ابني صريح جداً .. و هو من الخير أن يحاول خالد مراعاةالفتاة .. و أظنه سيحاول تدليلها و لكن ليس للحد الذي تتوقعه .. "
هزّ والدسارة رأسه مرتاحاً .. ثم قال :" ثالثاً ..أبنتي جسدها ضعيف فلا تستطيع إنجابالأطفال "
كنت أتوقع أن خالد سيعارض بشدة و لكنه قال :" لا بأس .. أنا أيضاًلا أريد إنجاب الأطفال "
ارتاح أبا سارة كثيراً .. ثم خاطب خالد :" ألا تريدمقابلة الفتاة ؟!! "
هزَّ رأسه ايجابياً :" بلى "
==================================
منى تصرخبي :" سارة ارفضيه .. صدقيني هو مجرم و قاتل و متوحش .. ارفضيه "
و من جهة أخرىتصرخ بي أروى :" سوف يتقدم لكِ آخرون و آخرون .. فقط لا تقبلي بهذا المتخلف عقلياً "
صمتت بحيرة .. أنا سأصبح زوجة ؟!! لا أتخيل ذلك ..
و لماذا والدي و والدتييؤيدان زواجي من هذا الشاب و أختاي يعارضان بشدة ؟!!
لماذا هذا التضاد ؟!! أنالا أفهم شيئاً ..ثم .. أنا لم أرى هذا الشاب من قبل .. قالوا لي أسمه خالد ..
خالد .. هناك من يرفضك و هناك من يقبلك .. و أنا لا أدري ما أقول ..
فُتحباب الغرفة و طل والدي و والدتي منه و قال والدي بهمس :" سارة .. العريس ينتظرك .. "
سرت رعشة في جسدي .. رباه.. رباه .. وقفت .. ثم جلست ..
خاطبتني أميمستغربة :" هيا تعالي .. ما بك ؟!! "
وقفت ببطء .. نظرت لمنى و أروى .. همست منى :" لا تنسي ما قلناه لك .."
مشيت نحو أمي بخوف .. رتبت هي شعري .. و طبعت قبلةعلى وجنتي و قالت :" هيا اتبعي والدكِ "
ها هو والدي يسحب يدي بلطف و يقودني إلىغرفة الجلوس ..
يقول لي قبل أن أدخلها :" عزيزتي .. أسمعي ما يقوله خالد واحفظيه جيداً .. "
أهو درس تاريخ ؟!!
ابتسم لي و قال :" هيا أدخلي .. "
كنت مترددة جداً .. أمسكت بمقبض الباب .. آه أنا و المجرم في غرفة واحدة .. ولا أحد معنا ؟!!
رباه ..انفلت من يدي مقبض الباب .. فكنت متوترة جداً ..
خاطبني والدي مستغرباً :" ما بك صغيرتي ؟!! "
قلت بارتباك :" لا شيء .."
و هنا ابتعد والدي قليلاً و قال :" أدخلي عزيزتي .. "
فتحت الباب بهدوء ..و دخلت منكسة الرأس .. و أغلقت من ورائي الباب و لا أدري كيف أغلقته ..تحسستشيئاً على ذلك المقعد ..اقتربت .. اقتربت .. و جلست على المقعد المقابل .. منكسةالرأس ..لا أصدر أي صوت ..
أنفاس باردة تصدر من الطرف المقابل .. و أنا لا أجرؤعلى رفع رأسي ..
" سارة اسمعيني .. "
فزعت !! صوت جامد جداً .. جافجداً ..رباه أنقذني من هذه الورطة .. التزمت الصمت و لا شيء غير الصمت.. الخوفيقتلني .. أمامي كما تقول أختي منى " قاتل و متوحش " .. أنه صارم جداً ..
أهكذايعاملني و نحن في أول مقابلة ..؟!!
" ارفعي رأسك "
قلبي أخذ يقرعكطبل أفريقي مجنون .. و كأنه يهددني بالقتل .. رفعت رأسي بصعوبة بالغة ..
و وجهتبصري على الشيء المتربع أمامي ..
ملامح صارمة جداً .. و لكن ..أنه وسيم .. ملامح غريبة قليلاً .. و لكنها رائعة ..
ابتسم لي .. أوه .. احمرت وجنتاي خجلاً .. فنكست رأسي على الفور ..
أخذ يتحدث و يتحدث .. و أنا لا أسمع شيئاً .. ركزت أنظاري على حذائه الأسود هذا .. بصراحة ! شعرت أنه أكبر مني بكثير .. أي أنهيتحدث بثقة أكثر .. ارتفعت أنظاري من حذائه إلى ساقيه .. يضع رجلاً فوق رجل و كأنهسمو ( الأمير ) ..
أنا بصراحة لا أحب أن أتزوج بشاب كهذا .. جامد .. يثق بنسفه .. أريد أن أتزوج بشاب يشبه إياد.. ليس مائعاً و ليس جامداً .. عادي .. عادي .. أريد الزواج بشخص عادي ليس إلا ..
و هنا ارتفعت أنظاري إلى الأعلى قليلاً .. قالوا لي أن عمره خمسة و عشرون سنة ..و لكني بصراحة أراه أكبر من ذلك من طريقةحديثه ..
ارتفعت أنظاري إلى الأعلى و الأعلى .. حتى رأيته وجهه مرة أخرى .. رباه ..
نكست رأسي على الفور .. رباه أكاد أحترق خجلاً ..
توقف هو عن حديثه ذاك .. و سمعته يقول بقلق :" ما بك ؟!! "
رفعت رأسي قليلاً .. و ركزتأنظاري في وجهه .. يجب أن أكون شجاعة ..
=====================
دعوني أصفه لكم ..
في البدايةشعرت بخوف منه .. فكان يقطب حاجبيه بطريقة ترعبني ..
قالوا لي أنه أخ وائل .. بصراحة هناك فرق جامح بينهما .. أولاً هذا الجالس أمامي ..
شعره أسود كثيف جداً .. ليس ناعماً بذلك القدر .. أظنه عادي .. يملك هذا الجالس أمامي ..حاجبان طويلان .. و كثيراً ما ( يقطبهما ) .. و عينان ناعستان ( رماديتان ) .. من أين جاء بهذااللون الغريب ؟!!
تظهرهالات سوداء خفيفة تحت عينيه لتزيدني تصديقاً أنه مجرم .. بشرته بيضاء ..
طريقة جلسته لا تعجبني .. من يظن نفسه ؟!!
طويل .. غريب .. خالتي غيداء ليست طويلة و زوجها ليس طويلاً بذلك القدر .. من أين جاء هذا الجالسأمامي بهذا الطول الغريب ..؟!!
بعد فترة التأمل الطويلة تلك .. انتبهت أنيبالغت في ذلك .. تبدلت ملامحه من الجمود إلى اللطف قليلاً ..
ارتسمت على شفتيهابتسامة صغيرة .. و خاطبني :" إلام تنظرين ؟!! "
حملقت به مستغربة و هنا احمرتوجنتاي خجلاً و عدت أنكس رأسي ..
بصراحة أنا لا أخجل من الرجال لهذه الدرجةو لكن هذا الرجل نظرته تشعرني بالخجل ..
بقى يتحدث عن أمور شتى .. أم أنا صامتةو منكسة رأسي ..
حتى نهض قائلاً :" تأخرت .. سوف نحدد موعد المقابلة الأخرى فيمابعد .. "
و ها هو يتجه نحو الباب .. فوقفت أنا و اتجهت نحوه لأقيس طوله .. أنهأطول مني بكثير .. !
يمد يده نحو مقبض الباب فيفتحه .. و يخرج و يصطحبهوالدي إلى خارج المنزل .. و قبل خروجه يتحدث مع والدي قليلاً .. وقفت لبرهة أتأمله .. أهذا هو زوجي المستقبلي ..
جامد لدرجة لا تطاق ..طويل لدرجة لا تطاق .. وماذا أيضاًَ ؟!!
و بينما كنت في لحظة تأمل .. التقت أنظارنا .. نكست رأسيعلى الفور خجلاً .. و لكن عينيه الرماديتين جذبتني للنظر إليهما .. رفعت رأسي و عدتبأنظاري له .. فإذاً به يتحدث مع والدي و هو ينظر لي .. يبدو أنه يتحدث عني .. و هاهو يبتسم مجدداً في وجهي و يرفع يده ليلوح لي مودعاً ..
=============================
و خرج ! عدت إلىغرفتي حيث كانت أختاي تنتظراني .. وقفتا تنظران لي .. ثم سحبتاني و أجلستاني علىمقعد .. و أروى تربعت على الميسرة و منى تربعت على الميمنة ..
" ماذا حدث؟!! "
قالت منى بخوف .. فتنهدت و أرجعت رأسي مسنداً للوراء .. و أغمضت عينيقائلة :
" بصراحة ! .. لم أسمع شيئاً مما قال .. و لكنه على ما أظن جامد جداً .. و لا يبدو ( مريض نفسياً ) .."
و استطردت :" و لكنه بادلني ببعض الابتسامات .. ذلك جيد "
نظرت لي منى باستغراب .. و أروى خاطبتني بنفاذ صبر :" ما رأيك به الآن؟!! "
قلت بانفعال :" قلت لكما .. أنه جيد .. جيد .. "
" هل تعنين بهذاأنك موافقة على الزواج به "
صرخت :" طبعاً لا ! "
ارتسمت ابتسامة عريضةعلى شفتي منى و أروى حائرة ..فقلت أنا :
" أقصد أني لم أفكر في الأمر جيداً .. أو ربما أني أحتاج لمقابلة أخرى لكي أتعرف على شخصيته أكثر "
و ها هو والدييدخل غرفتي باسماً .. جلس على أحد المقاعد و قال :
" خالد يقول عنك أنك كنتخجولة جداً .. و لكنك أثرت إعجابه "
ارتفعت الدماء إلى وجهي .. أكاد أحترق خجلاً .. أثرت إعجابك ؟!! كيف ؟!! أنا لم أنطق .. أنا لم أرفع رأسي سوى لثواني .. إن هذهالمقابلة لم تستغرق حتى نصف ساعة ..
نكست رأسي خجلاً فبادرني والدي بسؤاله :" مارأيك به بنيتي ؟!! "
" أأ .... أبي .. أنا .. أحتاج لأفكر قليلاً "
وقف والدي و قال بفرح :" بل فكري كثيراً .. فما هي إلا مقابلة أولى .. وسوف تتبعها مقابلات "
و هنا غادر والدي و غادرت ورائه أختاي ..
استلقيتعلى سريري .. آه .. أنت أيها الجامد .. هل أنت حقاً ( زوجي ) المستقبلي ؟!!
أنااعتدت أنا يعاملني الجميع بفرح و مرح .. لا جمود !
أني لا أرى فيك جنوناً .. ولكني أرى فيك تعقيداً ..
ترى ! هل أعجبتك أنا حقاً ؟
=====================
الجزء الثالث و العشرين
زواجـي من خالد
صعد خالد المقعد الأمامي و جلست أنا في الخلف ,, و ها هو عادل ينطلق بالسيارة و يبدأ بمخاطبة خالد:
" أخبرني أيها العريس .. ما هو رأيك بالفتاة ؟!! "
اتجهت أنظاره للنافذة كالعادة .. ثم قال بصوتٍ أشبه بالهمس :" لا أعلم .. "
دُهشت أنا .. و قال عادل باستغراب :" لا تعلم ؟!! ألم تقابلها منذ قليل ؟!! ألم تتحدث معها ؟!! "
" هي صامتة طوال الوقت .. "
" و ما رأيك بجمالها .. أظنها تحمل ملامح بريئة جداً "
" للأسف لم أرى وجهها إلا لثوان .. تنكس رأسها طوال الوقت .. "
بادلني عادل النظرات مستغرباً .. ثم عاد ليخاطب ابنه :" حسناً .. ما رأيك بها و هي صامتة و منكسة رأسها "
أشار برأسه نفياً :" لا أستطيع الحُكم عليها سوى أني أقول عنها .. أنها خجولة جداً ..جداً .. "
تنهد عادل باستسلام .. و أكمل مسيره ..
توقفت السيارة بقرب منزلنا .. فقال خالد مستغرباً موجهاً حديثه لأبيه :" ألن توصلني إلى شقتي ؟!! "
ابتسم أبيه و أمسك بيد ابنه و قال :" عزيزي .. تعال جالسنا قليلاً .. "
هنا سحب خالد يده من قبضة أبيه .. و قال بجمود :" أبي .. أريد الذهاب لشقتي لأرتاح .. "
" و بيتي ألا يريحك ..؟!! عمتك مشتاقة لرؤيتك .."
ألقى خالد نظرة على المنزل بقلق و تردد .. فقال والده مشجعاً :" هيا ..! "
و بعد إلحاح كبير .. وافق خالد على دخول المنزل .. و لكن على شرط أن يلقي التحية على أختي ذكرى فقط ..
دخل عادل المنزل و من ورائه خالد و أنا ورائهما .. و قبل دخول خالد سمعنا صوت وائل الذي أثار خالد ..:
" آه أبي .. تعال و أنظر لأختك هذه .. "
انقبض قلب خالد ..و تراجع للخلف خطوتين .. نظر لي و عيناه تكاد تخرجان من مخرجيهما .. عضّ شفتيه قهراً .. و ها هي أنفاسه الباردة تحتر و تتحول إلى أنفاس حارة ملتهبة .. كاد أن يحطم مقبض الباب بقبضته تلك .. ألازال لا يطيق أخيه ؟!!
ها هو عادل يبتعد قليلاً ليعطي أبنه وائل فرصة لرؤية أخيه ( خالد ) ,, و الآن التقت أنظارهما .. رباه ..
================