
عاطف الغانم * - 5 / 8 / 2006م - 11:20 م
شبكة راصد الإخبارية.
طالعت في صحيفة الحياة في عددها رقم 15828 والصادر في يوم السبت 11 رجب 1427هـ، طالعت خبراً في الصفحة المحلية مفاده أن أحد المقيمين المصريين والمتزوج من مواطنة سعودية يطالب بتعويض 8 ملايين ريال لسجنه 9 أشهر. وفي الخبر أن شرطة الرياض أكتشف بعد 9 أشهر أن المتهم «مسعد شيخة» بريء ولا يوجد عليه ما يدينه وتم إطلاق سراحه.. يقول الخبر في الصحيفة:
• «على رغم إنصافه من ديوان المظالم الذي أصدر حكماً بإلزام شرطة منطقة الرياض بتعويضه بمبلغ 33 ألف ريال عن فترة إيقافه من دون مستند نظامي نحو تسعة أشهر...».
• «ولم يقتنع كذلك بقيام مدير شرطة منطقة الرياض بتوجيه لفت نظر لضابط برتية نقيب ورئيس رقباء تورطا في تجاوزات إدت إلى سجنه تلك الفترة، إضافة إلى توجيه تنبيه لمدير المركز...».
تسعة أشهر قضاها المقيم «مسعد» خلف القضبان دون إثبات أي تهمه ضده، خسر تجارته التي كانت تذر عليه مبلغ 350 ريال سنوياً والمختصة في حفر الآبار وهي ملك لزوجته على ما يبدو، توفت زوجته وهو في السجن حيث أنها كانت تعاني من فشل كلوي، وذلك بعد أن تم قطع الكهرباء وثم طردها من المنزل حيث قام صاحب العقار بهذا الإجراء وهو السبب الرئيس في القضية.
المسكين مسعد خسر ماله وتجارته وزوجته خلال تسعة أشهر لجريمة لم يرتكبها، ولخطاً من قبل بعض المسؤولين الذين لاقوا عقابهم الشديد، أجل.. لقد وبخهم رئيسهم ووجه لهم لفت نظر لأنهم تسببوا في تدمير حياة أسرة بكاملها، ماذا تريد يا مسعد أكثر من هذا، وهل لفت النظر بالأمر الهيّن؟!
لماذا تريد 8 ملايين ريال؟!
إن ديوان المظالم حسبها لك بالجنيه المصري على ما يبدو.. فالطبيب في مصر يحصل على 300 جنيه في الشهر ، بينما أنت ستحصل على أضعاف ذلك المبلغ. حياتك وحياة زوجتك وإستقرارك النفسي والمادي لها قيمة هنا، قيمتها 3666 ريال شهرياً.. إتق الله في نفسك يا مسعد.. هذا مبلغ لن تحصل عليه في مصر...يجب أن تقبّل رأس المسؤول الذي أوصى لك بالمبلغ. لقد عوضك عن كل يوم تقضيه مع زوجتك، التي توفت وأنت غريب عنها، وعن كل يوم عمل في شركتكما، عوضك بمبلغ 122 ريال.. إحسبها بالجنيه المصري يا رجل.
يا أخي مسعد، لغة الملايين في مسائل المطالبات في التعويض غير مألوفة لدينا هنا، يبدو أنك تعتقد أن المواطن السعودي يمتلك الملايين في أرصدته البنكية، وأنه يمتلك السيارات الفاخرة ويسكن الفلل الحديثة، المواطن السعودي إنسان بسيط جداً، قد لا يختلف عن المواطن المصري الذي يكافح هو الآخر من أجل لقمة العيش، المواطن السعودي نسى الأرقام المليونية، نحن نعيش في الألفية الثالثة، لذا فهم صرفوا لك 33 ألف ريال، إذا أردت تعويض بالملايين فيجب عليك أن تعيش حتى عام مليوم للميلاد. والحمد لله أنهم حسبوها لك بالميلادي وإلا فإنهم سيعطوك مبلغ وقدره 14 ألف ريال لو حسبوها بالهجري....عوضك على الله يا مسعد...إنس زوجتك التي ماتت وقيموها بـ 122 ريال يومياً، وأنس تجارتك التي تذر عليك مئآت الآلاف سنوياً وقبل هذا إنس كرامتك.. والمثل المصري يقول «نصيبك لابد يصيبك».
أما نحن، فلا أحسب أن التعويض سيختلف كثيراً، هذا إذا كان هناك تعويض أصلاً للسجناء الذين لم توجه لهم تهمة ومازالوا يقبعون خلف القضبان لأكثر من 10 سنوات، وليس تسعة أشهر. لقد فقدوا وظائفهم، وفقدوا أحبابهم وهم في السجن، لقد فقدوا إستقرارهم النفسي والعاطفي، لقد فقدوا حياة الحرية والعز والكرامة، لقد فقدوا كل شيء وملكوا كل شيء، فقدوا الحياة الآمنة، وملكوا قلوب الناس.
يا ترى كم سيكون مبلغ التعويض؟
عودة إلى موضوع مسعد، وفي حال خروج المعتقلين اليوم، فإن كل واحد منهم سيحصل على مبلغ وقدره 440000 ريال. ماشاء الله... إنه مبلغ خيالي للغاية.. يا ترى هل سيشترون به بيتاً يضمهم مع أسرتهم وينسوا سنين الحرمان؟ لالالا...لا أعتقد ذلك، فمبلغ كهذا لا يفي حتى لشراء قطعة أرض. هل سيعوضهم المبلغ الزهيد هذا عن سنين العذاب والحرمان؟ كم تساوي لحظة القرب من الأبناء والزوجة؟ وكم تساوي إبتسامة الطفل أو الطفلة في وجه الأب؟ وكم تساوي كل خفقة في فؤاد الزوجة المحرومة والأم الثكلى والأب المريض، كم تساوي لحظة إجتماع هذا المسجون بأخوانه وأقاربه وأصدقاءه؟ وما هي قيمة إستنشاقه للهواء النقي، هواء الحرية، هواء الكرامة؟
أجل، إنها تساوي 122 ريال في اليوم. ولو حسبناها بالساعة على إعتبار أنك مواطن عامل تعمل 8 ساعات يومياً ، فستكون أجرتك تقريباً 23 ريال في الساعة، تستفيد من هذا المبلغ في تسديد فواتير الماء والكهرباء ومصاريف السيارة ومصروف الأبناء والزوجة، والعلاج وشراء الأدوية، ودفع قيمة تجديد الرخصة والجواز وإستمارة السيارة، تستفيد في إصلاح سيارتك «وتربيطها» بسبب مطاباتنا الأرضية، 23 ريال تسيك همك وغمك...بل إنها ستنيك حتى «حليب أمك»... إحمد ربك يا سجين، فحياتك سوف تستكين.
جميلة هي لغة الأرقام عندما نتكلم.. عن قيمة التعويض، ولكنها تصبح حقاً في غاية القبح والإبتزاز عندما يتم تقييم حياتك بكاملها على أساس المال، عندما، يتم تثمين حريتك وكرامتك بمبلغ لا يتجاوز 23 ريال. الحرية ليس لها ثمن إلا بالكرامة، والكرامة لا تقدر بمال، أخواني المسؤولين: إعطوهم حريتهم وكرامتهم، وسنعطيكم عن كل ساعة 23 ريال.
***
الصمت يكفيني أنا للتعليق على هذا المقال..
ريحانة الإيمان.