تعالوا نبرئ الحبَّ من تهمةِ العمى!
( صحيفة اليوم ، حسن السبع ).
هل نعزف لحنا نشازا، أو نحلق بعيدا عن السرب إذا ما نبشنا سيرة الحب في وقت حافل بفوضى العنف والكراهية؟ أم هو إيمان أعمى بالحياة يدفعنا إلى أن نحلم؟ لنحلم ، إذن، حتى لا نشعر بالوحشة.. قالوا إن الحب أعمى فصدقنا، لأنهم لقنونا أن الأمثال والحكم والأقوال لا تعارض، وصدقنا أيضا.. وعندما اقتنعنا بأن الحب أعمى لم نتأمله جيدا، ولم نسبر أغواره، أو نتقصى كل حالاته.. فحب الشهرة أو المال، مثلا، ليس كحب الجمال.. كلاهما حب، لكن مستوى الرؤية ليس واحدا، كما أن إشراقة الفرح فيهما ليست واحدة..
كنا، عندما اقتنعنا بأن الحب أعمى، نستند على مخزون هائل من الأقوال.. من ذلك، على سبيل المثال، القول الشهير: «حبك الشيء يعمي ويصم».. ومنه قول ثمامة للخليفة المأمون: «ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأعطي عنان طاعتها، وقَودَ تصرفها، توارى عن الأبصار مدخله، وعمي في القلوب مسلكه».. ومنها قول أراغون «مجنون إلسا» الذي لم يكن يرى حبيبته بعينه أو عقله بل بقلبه: «ألف لام سين ألف.. هي إشارات قلب يرى»!.. والقلب في هذا النص لا يعني العقل، وللعاطفة منطق آخر، وعلل أخرى تقود إلى نتائج مختلفة.. لقد كانت إلسا وِلادَةَ أراغون الثانية، فاخترع لها ورودا بعدد أحلام الأطفال.. ويمكننا كبقية العذَّال أن نسأل أراغون: «وش عاجبك فيها» ؟ وسوف يجيبنا على طريقة لطفي بوشناق «خذوا عيني شوفوا بيها»! وهو ما يمكن أن يقوله قيس وكثير عزة وجميل بثينة، وبقية أبطال الأهواء الكبرى لكل الحشريين من العذَّال والعواذل.. لكن أراغون يأبى إلا أن تشاركه المرآة ذلك العمى.. فالمرآة كذلك لا ترى إلا ما تريد أن تراه، ولا تغدو مرآة إلا من أجل إلسا.. قد يكون الحب أعمى لكنه عمى لا يؤذي أحدا.. لكن الكراهية مدمرة.
والذين اقتنعوا بأن الحب أعمى غالبا ما يصلون إلى هذه النتيجة اعتمادا على جمال الخارج، لا جمال الداخل.. وعندما يتساءلون: «شو عاجبك بيها؟» فإنهم لا يرون إلا جمال الخارج.. كما هو الحال في الفيلم الأمريكي «السطحي هال» الذي ينتقد الطريقة الأمريكية في الحب التي ترجح فيها كفة المظهر على كفة الجوهر.
وإذا كان العمى الذي يتحدثون عنه مجازيا، حيث العين مفتوحة على آخرها لكنها لا ترى إلا ما يراه القلب، فإن مجنون ليلى العامرية يتحدث عن عمى وصمم حقيقي حين يقول: «فلو كنت أعمى أخبط الأرض بالعصا.. أصم فنادتني أجبت المناديا»! فإذا كان الأمر كذلك فإن الحب في هذه الحالة ليس أعمى بل مبصر ونظره «ستة على ستة».
والحقيقة أننا لا نعرف شيئا عن شكل ولا ثقافة ليلى التي هام بها المجنون، ولا تلك التي أراد عنترة أن يقبل السيوف لأن لمعانها أو بريقها قد ذكَّره بثغرها.. كل ما نعرفه عن الشكل هو ما تخيله الرسامون العالميون الذين بنوا تصوراتهم على نصوص الشعراء أحيانا.. لكن عمر بن أبي ربيعة قد اختصر المسألة بقوله: «حسن في كل عين من تحب»!
ومع أن بعض الأقوال والحكم والأمثال لا تعارض، إلا أننا نستأذن من اخترعها في إجراء تعديل طفيف احتراما للحب فنقول: «العاطفة عمياء».. وعندما تدخل العاطفة من الباب يهرب العقل من النافذة.. لكن للعاطفة وجهين مختلفين حد التناقض.. وشتان بين عميان الحب وعميان الكراهية.. وإذا كان الحب أعمى كما يقال، فإنه عمى رومانسي حالم ومسالم ومشروع ما دام يسعد صاحبه ولا يؤذي أحدا.
في كل واحد منا يختبئ «دكتور جايكل ومستر هايد» عاطفي.. ولو تخلينا تماما عن هذا العمى العاطفي لأصبحنا «ريبوتات» تتصرف بشكل آلي. وحلم الفن هو أن يتحقق أو يسود ذلك الجانب الإيجابي من العاطفة، وهو جانب خير، لعلنا نصل إلى ذلك الحب الأكبر، حب العالم أو احتضانه.. تلك الجاذبية التي تشدنا إلى الأرض، وتعيد إلينا توازننا المفقود، وملامحنا الغائبة. وهو الحب الذي لا تتسع له بعض الصدور الضيقة.. وكان على ابن حزم الأندلسي أن يؤلف طوقا آخر من التسامح وسعة الأفق ليتحدث عن حب أكبر.. هو حب العالم ، ذلك الحب الذي تحركه الإرادة الخيرة، والمضاد لفيروس العنف والنزعات العدوانية.. إنه الشعور الذي يضيء الفعل والفكر ويجعل للوجود معنى جميلا.
بقول ابن حزم: «إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه فذاك وجود ليس يفنى إلى الأبد» ، وإذا كان الحب كما يقول ابن حزم علة نفسه.. فإن الدوغمائي يبحث عن علل أخرى تتعلق بقناعاته. لكنه لا يحب إلا ضمن دائرة ضيقة، وقد تكون دائرة مظلمة.. قد تكون الدوغما طوقا من الألفة، لكنه طوق ضيق لا يتسع لكل الرقاب.. فلكي يحب لا بد له أن يرى، وأن ينظر للعالم بعين فنان تتوق إلى التهام العالم.. ولكن، كيف يرى الأشياء على حقيقتها والرأس مثقل بتركة من القناعات التي تلبس لبوس اليقين.. توّج رأسه بالأسئلة، وامنحه خافق فنان يرف حالما خارج جاذبية الأشياء يهطلْ مطرا على كل الأزهار، لا يفرق بين لون ولون، ولا بين فصيلة وأخرى. ستبتهج به كل نباتات الأرض وطيورها وديدانها.. إنه الحب أو رحابة عقل الكائن التي تصنع ربيع الحياة، ومن زرع المحبة جنى ثمرة الحياة.
كذلك ارتبط الحب بالجنون، ووصف به.. يورد أبو محمد القارئ «السراج» في مصارع العشاق عن سقراط قوله : العشق جنون وهو ألوان.. كما أن الجنون ألوان.. ولم يكن مجنون ليلى أول المجانين، ولا مجنون إلسا آخرهم.. لكنه الجنون الذي خلف لنا روائع إبداعية، وليس الجنون الذي نشاهد نتائجه المدمرة يوميا في كل مكان على وجه الأرض، أي جنون القوة والغطرسة.. وشتان أيضا بين مجانين الحب ومجانين الكراهية.. ثمة، كما يرى مجنون إلسا، جماعات من البشر لا تؤمن بالحب. «مع هذه الفئة كل جسور الحوار معطلة.. بيني وبين الذين لا يعتبرون الحب مطلقا بحد ذاته جدران عالية» !
هل يمكنني الآن أن أقول: «تخطئ اللافتات التي تحسب الحب أعمى/ هل تأملت كيف يعبر صحو الطريقِ وعكازه القلب منتشيا حاملا باقة من ورودٍ وزهو الوعود/ هل طربت انتشاء لإيقاع خطوته الواثقة/ قد يطول به الدربُ أو يتعثر في خطوهِ ولكنه لا يضل الطريق/ كيف يحسب أعمى الذي يحمل القلب بوصلةً والجمال شراعا إلى ضفة مشرقة/ هل يضل الضياء/ هل يتيه الذي يمنح الأرض والناس قبلته العاشقة/ إنما الحقد أعمى/ عودةٌ إلى ما وراء الوراء/ العمى خطوة تتعثر في ليلها وتؤثث عالمها بالخراب».
[مقطع من نص شعري للكاتب].
شبكة راصد الإخبارية..
ريحانة الإيمان