آية الله الشيخ عبدالهادي الفضلي: دراسة دلالية لكلة إرهاب
دراسة دلالية لكلمة إرهاب([1])
الدكتور عبد الهادي الفضلي
مجلة الكلمة، السنة السابعة، العدد 28، صيف 2000 م ـ 1421 هـ.
إن من أهم وأبرز الظواهر اللغوية ظاهرة التطور الدلالي، تلك الظاهرة التي تعني خضوع الألفاظ اللغوية لعاملي التأثير الزماني والتأثير المكاني، فقد تطرح الكلمة معناها القديم مستبدلة إياه بمعنى آخر جديد، وقد تضيف معنى جديدًا لمعناها القديم، وقد تموت كلمة وتحيا أخرى وإلخ ..
وفي لغتنا العربية شيء غير قليل من هذا، ومنه ـ على سبيل المثال ـ كلمة (استعمار) فإنها تعني في قديم لغتنا (طلب الإعمار)، وقد استعملت في التنزيل العزيز بهذا المعنى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} ـ (هود: 61) ـ ولكنها، وفي عصرنا هذا، وبسبب التفاعل الحضاري بين الحضارة العربية والحضارة الغربية، وشيوع المعنى السياسي في مجتمعاتنا العربية، وبين أوساطنا الثقافية، أضيف إليه هذا المعنى الذي يعني الاستيلاء القهري، والذي يراد به تسلط دولة على بلاد دولة أخرى قهرًا وبالقوّة، ودخل هذا المعنى مدلولاً لكلمة استعمار إلى المعجم العربي الحديث، وشاع شيوعًا واسعًا جدًّا حتى لم نكد نسمع أو نقرأ من يستعمل الكلمة بمعناها القديم.
وشيوع الاستعمال بين أبناء المجتمع وفي الأوساط الثقافية رافد مهم من روافد اللغة، وقد أفادت لغتنا العربية من هذا الرافد غير قليل من الألفاظ والمعاني، وبخاصة في عصرنا هذا، بسبب يسر وسرعة الاتصال والتواصل بين المجتمعات والحضارات.
ومنه كلمة (إرهاب) الكلمة التي نحن الآن في صدد دراسة دلالتها المعجمية، فإنها هي الأخرى مسها التطوّر للغوي الدلالي مسًّا غير رفيق، فقد كانت تدل قديمًا على معنيين، هما: الخوف والدقة ـ كما سيأتي ـ، وبشهرة وانتشار استعمالها في المعنى الأول وهو الخوف تناست أو نسيت معناها الثاني الذي هو الدقة والخفة، فمنذ أمد بعيد أمست لا تستعمل إلا في معنى الخوف، وحديثًا، وبسبب التفاعل الحضاري ـ أيضًا ـ بين حضارتنا العربية والحضارة الغربية، وعن طريق الترجمة واستنادًا إلى قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة أضيف إليها المعنى السياسي للإرهاب، وهو سلوك سبيل العنف للوصول إلى الهدف السياسي، وأدخل المجمع المذكور هذا المعنى إلى معجمه (المعجم الوسيط)، وتناقلت عنه المعجمات الأخرى الحديثة أمثال (الصحاح في اللغة والعلوم) للمرعشليين، و(المعجم العربي الأساسي) للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ جامعة الدول العربية.
وهي ـ أعني كلمة إرهاب ـ مصدر الفعل (أرهب) الثلاثي المزيد من أوله بهمزة التعدية، وأصله المجرّد هو (رهب).
ولمادة هذا الجذر في لغتنا العربية أصلان، أحدهما يدل على الخوف، والثاني على الدقة والخفة، يقول ابن فارس: «الراء والهاء والباء أصلان: أحدهما يدل على خوف، والآخر على دقة وخفة.
فالأول: الرهبة، تقول: رهبتُ الشيءَ رُهْبًا ورَهَبًا ورهبة.
والترهب: التعبد.
ومن الباب: الإرهاب، وهو قَدْع الإبل من الحوض وذيادها.
والأصل الآخر: الرهب: الناقة المهزولة، والرهاب: الرقاق من النصال، واحدها رَهْب، والرهاب: عظم في الصدر مشرف على البطن مثل اللسان»([2]).
والأصل الأول هو المعنى الشائع الاستعمال في اللغة الاجتماعية، وفي لغة الثقافة.
وقد ورد استعماله في القرآن الكريم، يقول الراغب الأصفهاني في كتابه (المفردات في غريب القرآن)([3]): «رهب: الرهبة والرُّهب: مخافة مع تحرز واضطراب، قال: (لأنتم أشد رهبة)، وقال: (جناحَكَ من الرَّهب) وقرئ: (من الرُّهب) أي الفزع ... قال: (رغبًا ورهبًا)، وقال: (ترهبون به عدو الله)، وقوله: (واسترهبوهم) أي حملوهم على أن يرهبوا، (وإياي فارهبون)، أي فخافون».
وتركيبات أو صيغ هذه المادة الدالة على الإخافة هي ـ كما جاءت في (لسان العرب) لابن منظور:
ـ أرهبه، بزيادة همزة التعدية.
ـ رهّبه، بتضعيف عين الفعل.
ـ استرهبه، بزيادة الألف والسين والتاء من أوله.
وكلها تعني: (أخافه وفزّعه) كما ينص ابن منظور في المصدر المذكور.
ونخلص من هذا إلى أن (الإرهاب) في المعجم العربي والاستعمال القرآني، وكذلك الاستعمال الاجتماعي (العرفي) يعني:
1ـ الخوف: وهو الظاهرة النفسية المعروفة التي تعتري الإنسان لأسباب تثيرها.
2ـ الإخافة: وهي إثارة الخوف في نفوس الآخرين.
والآيات القرآنية الكريمة، استعمل بعضها في الأول، وركزت فيه على مخافة الله تعالى، وبعضها الثاني، واقتصرت فيه على إخافة عدوّ الله وعدوّ المسلمين، وعن طريق إعداد القوة العسكرية بملء الطاقة والاقتدار، وهو صريح آية إعداد القوة العسكرية: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) ـ (الأنفال: 60) ـ.
وهي ما نريد أن نقف عند معطياتها لأنها هي التي تلتقي مع موضوعنا، لنتعرف من خلالها على معنى الإرهاب المشروع فقهيًا، فنقول: الخطاب في الآية الكريمة موجه للمسلمين عامّة، ويفاد منه: أن الإعداد مطلوب من الدولة والأمة معًا، إذ إن الإعداد مبلغ القدرة بمستوى ما يحقق إخافة العدو، ويجعل في نفوس أعداء الإسلام والمسلمين أشد الرهبة، قد لا يتأتى إلا بتعاضد الأمة مع الدولة.
ويفاد منه أيضًا: أن يكون الإعداد بمنتهى الاستطاعة ... وأن تكون الغاية من إعداد القوة هو الإرهاب .. وأن يكون ذلك الإرهاب للعدو.
فالمطلوب إذن:
ـ هو إرهاب العدو.
ـ وأن يكون الإرهاب عن طريق إعداد القوّة العسكرية.
ـ وبالمقدار الذي يتحقق معه الرعب في نفوس الأعداء. والخطاب يرمي أيضًا إلى:
ـ أن يمتلك المسلمون القوة العسكرية الكافية في مجال الدفاع عن الكيان الإسلامي مجتمعًا ودولة.
ـ الظهور بالمظهر الأعلى عن طريق توافر القوّة الرادعة التي تجعل الهيبة والرهبة للمسلمين في نفوس الآخرين.
والحكم الذي نستفيده فقهيًا هو وجوب إعداد القوّة العسكرية الهائلة على المسلمين كافة، دولة وأمة.
كما نستفيد منه أيضًا قصر الإرهاب على وسيلة إعداد القوة العسكرية، وأن يوجه ذلك الإرهاب لأعداء الإسلام والمسلمين.
ويستند هذا إلى أن المعطيات المذكورة هي القدرة المتيقن من دلالة الآية الكريمة.
ويتضح هذا أكثر مما أفاده الأستاذ قطب في بيان المصلحة العليا لهذا التشريع القرآني، قال: «يجب على المعسكر الإسلامي إعداد العدّة دائمًا واستكمال القوّة بأقصى الحدود الممكنة لتكون القوّة المهتدية هي القوة العليا في الأرض التي ترهبها جميع القوى المبطلة، والتي تتسامع بها هذه القوى في أرجاء الأرض فتهاب أولاً أن تهاجم دار الإسلام، وتستسلم كذلك لسلطان الله، فلا تمنع داعية إلى الإسلام في أرضها من الدعوة، ولا تصد أحدًا من أهلها عن الاستجابة، ولا تدعي حق الحاكمية وتعبيد الناس، حتى يكون الدين كله لله»([4]).
وقال أيضًا: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ): «في حدود الطاقة إلى أقصاها بحيث لا تعقد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوّة يدخل في طاقتها. كذلك يشير النص إلى الغرض الأول من إعداد القوة (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض، الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون، ومن وراءهم ممن لا يعرفونهم أو لم يجهروا لهم بالعداوة والله يعلم سرائرهم وحقائقهم، وهؤلاء ترهبهم قوة الإسلام، ولو لم تمتد بالفعل إليهم، والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة ليكونوا مرهوبين في الأرض، ولتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله»([5]).