تلعثم ( عبد الوهاب ) وعا ما ، ولكنه ثبت في مكانه وقال :
ـ نعم يا والدي .. لقد اقلقتنا عليك كثيرا ،،، خلتك راحل عنا عما قريب ( فيا ليتني مت قبل أن أراك هكذا تودعنا بلا مراسيم وكنت نسيا منسيا ) .
ـ ما الذي تقوله .. لكأني أرى النعاس يخامر عيونك ، ولكن قبل أن تذهب للنوم دعني أحدثك بشئ رأيته في منامي هذا .. فقد حلمت أنني تحولت إلى نهر جار من الضوء والأسئلة ، وبينما التيار يتلاعب بأمواجي يفتض براعم الأشعار والأذكار ، وإذا بسد عظيم كالطود واجهنا ، وأوقف مدي فجئة ،، فاحترت ماذا أعمل ؟ سلمت أمري لفتحات لمحتها في جدار السد وهي تتغصب مياهي عبرها حتى الرمق الأخير .. وإذا بها ألقتني في بحر وسيع جدا بقدر عمقه .
قاطع ( عبد الوهاب ) والده في لباقه :
ـ والدي .. أنت في حالة حرجة ليس من المفترض أن تتحدث كثيرا .. فقط خذ أقساطا من الرحة قدر المستطاع ، ولا تكلف نفسك فوق طاقتها .
ـ لا أدري ما الذي جعلك تهذي هكذا ، ربما أنت مريض ، ولكن لا عليك ستشفى بإذن الله وحق أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولا داعي للذهاب إلى طبيب للتشافي ، فالشافي هو الله ، وسأقرأ لك آيات الشفاء بعد أن أفرغ من القراءة الحسينية .
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله ,, يا أبي أنت لا تعرف أين أنت !
ـ آه .. الآن فهمتك تريد بعض الحكايا الخفيفة أو بعض القصائد المرحية التي تسري خاطرك بها ، فهكذا هي عادتك عندما لا تود سماع ما لا تحب سماعه ، إذن فهاك هذه الحكاية .. أو ..لا هذه القصيدة .
ـ أطال الله بقاءك يا أبي .. أنك الآن في ....
قاطعه أبوه يجاريه فيما يريد دون أن يسمعه ، وليرى نهايتها مع هذا الإبن المشاكس حتى على كبره .
ـ آآ .. الآن سوف أضرب على الوتر الحساس .. إذن أنت تريد قراءة حسينية لما أحفظه عن ظهر قلب لبعض القصائد الجمرية أو الفائزية أو الحلية ،،، حسنا .
ـ ولكن بما أن صوتي لا يسعفني فسأكتفي ببعض الأدعية ، أو ما رأيك بزيارة الإمام الحسين ( ع ) الذي طالما رقيت منبره حبا وخدمة خاصة في عاشوراءه .
ـ أبي ..
تهيأ الوالد للزيارة بعد أن شهق قائلا :
ـ السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين .
بعد ذلك عاد الصمت ثانية بلا مراسيم الوادع كذلك .
وقف ( عبد الوهاب ) تتملكه الحيرة ، وإذا بيد أجد الأطباء تمسكه لتأخذه إلى مكتب الطبيب المناوب ؛ ليترك أباه هناك ملقى وهو لا يدري أنه لم يكن يتحرك إطلاقا ، إنما كانت تلك حركات الطاقم الطبي الذي كان يجري له خطوات الإنعاش القلبي الرئوي ، ولكن إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
انتهت .