المصدر: جريدة المدينة السعودية
إذن . . المقال منشور في جريدة رسمية بالمملكة
الأربعاء 1432/2/29 هـ 2011/02/02 م العدد : 17451
http://www.al-madina.com/node/283272

قبل أن أدخل في لبِّ الموضوع، أحبُّ أن أنوّه باتفاق التربويين على أهمية أخذ الاعتبارات النفسية والمهارية والسلوكية، حين تأليف أي مقرر دراسي للتعليم العام، لكن ذلك لم يتم تطبيقه بشكل دقيق على صعيد كتابة مقررات منهج التاريخ الإسلامي للمرحلة المتوسطة. حيث أصرّت لجنة التأليف على إرباك أبنائنا بتسليط الضوء حول عديد من القضايا التاريخية الشائكة، المتعلّقة بأوجه الصراع بين المسلمين في عهد الإمام علي بن أبي طالب، ثم بأوجه الصراع المتنوعة بين المسلمين في العهدين الأموي والعباسي، وعرضها بشكل مُبتسر ومُشوّه، وهو ما يَبني انطباعًا غير سليم في أذهان ناشئتنا، سرعان ما ينهار مع أول مواجهة لهم مع المعلومة التاريخية، فيُصيبَهم ذلك بحالة من الشك والريبة، عوضًا عمّا سَتُرَسّخه تلك المعلومة المُشوَّهة من مفهوم خاطئ، لاسيما إذا تعلّقت بأصل من أصول ثقافتنا الدينية، وهو وجوب محبة آل بيت رسول الله. وكنتُ لأجل ذلك من المطالبين بتجنيب أنجالنا هذا العراك بأكمله في هذه المرحلة، والعمل على تكريس الجوانب الوجدانية والبناء الحضاري في أذهانهم، وتَرْكِ مختلف تلك القضايا لمرحلة الدراسات الجامعية لمن أراد التخصص، أو توجه بالاستقصاء والبحث. ما يسوقني إلى هذا القول راجع إلى ما لاحظته في مقرر منهج التاريخ الإسلامي للصف الثاني متوسط، من إقحام مُختَصَر لبعض المعلومات التاريخية المتعلّقة بآل علي بن أبي طالب، الذين يمثلون جوهر مفهوم آل البيت، وعرضها على أبنائنا بشكل مُشوّه من حيث الصياغة اللغوية، التي -ودون أدنى شك- ستنعكس سلبًا على طبيعة فهمهم للأشياء بالشكل الذي يصل إلى حدِّ تكريس ثقافة النَّصب بينهم، وهو ما حذّر منه جميع علماء الأمة. وقبل أن أدلف إلى أصل الموضوع، أشير فقط إلى أن تعريف النَّصْب لغة هو: العداء، واصطلاحًا هو: إظهار علامات بغض آل البيت بقول أو عمل، بحسب ما أشار إليه جُل علماء الأمة، ومنهم ابن تيمية (الفتاوى:3/154)، وأكد عليه كل علمائنا كالشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين -رحمهم الله- وغيرهم، الذين تبرؤوا من كل مَن يَتوَجَّه بإيذاء آل البيت بقول أو عمل، ومعروف أن ذرية الرسول من أبناء الإمام علي بن أبي طالب من آل البيت الذين أقر العلماء بحقوق لهم على الأمة، حيث يشير ابن تيمية إلى ذلك بقوله: “ولا ريب أن لآل محمد صلى الله عليه وسلم حقًّا على الأمة، لا يشاركهم فيه غيرهم، ويستحقّون من زيادة المحبّة ما لا يستحقُّه غير قريش من القبائل”. والسؤال: كيف تتحقق محبة آل البيت الذين يمثل آل علي بن أبي طالب عمود ارتكازهم؟ مع طبيعة ما طرحه المؤلّفون لمقرر التاريخ الإسلامي للصف الثاني متوسط بشكل خاص، حين اختيارهم للفظة «فتنة» لتوصيف موقف محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم أبناء عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب من أبي جعفر المنصور، في الوقت الذي لم تتم الإشارة إلى ذات الصفة للخارجين على المنصور من غيرهم، وليس بخافٍ مدى التأثير السلبي للكلمة التي تم تكرارها في العديد من المواضع، ممّا يعزز فهمًا خاطئًا في أذهان أبنائنا حول آل البيت، وكأنهم أصحاب فتنة على الدوام، وفي ذلك محض افتراء كبير، كما ما الفائدة من إقحام الاسم الجامع، وهو آل علي بن أبي طالب في أمر خاص، حيث كان بالإمكان الإشارة إلى النفس الزكية وأخيه بصفتهما المجردة؛ والغريب أن ذلك قد تكرر في درس هارون الرشيد حين أشير إلى آل علي بن أبي طالب بالكُلية كإحدى «الفتن» التي قضى الرشيد عليها، بالإضافة إلى فتنة الخوارج، ومعروف سوء ما يمكن أن يرتبط في ذهن أبنائنا من تصور خاطئ، حين ربط آل البيت بالخوارج المتفق على ضلالهم ومروقهم من الدّين بحسب ما ورد في الحديث النبوي؛ ويستمر التشويه مع درس المأمون حين التأكيد على أنه «لم يسلم من فتن آل علي»، بالرغم من تسامحه معهم. بهذا الأسلوب الذي يعكس طابعًا سلبيًّا على مجموع آل علي بن أبي طالب، ويُكرِّس من حالة الإيذاء لآل البيت قولاً على أقل تقدير، ويتنافى مع ما قرره العلماء من حقوق أدبية لهم، قدَّم المؤلّفون المعلومة التاريخية لأبنائنا بالصورة التي لا تتوافق كليًّا مع أصل الحقيقة التاريخية بوجه عام، ولا تتطابق مع واقع الحياة في بلادنا، التي حرص ولاة الأمر فيها على تأكيد واجب الاحترام والإكرام، وحفظ حقوق آل البيت من أبناء وذرية الإمام علي بن أبي طالب، وعملوا على إبداء مظاهر التوقير والرعاية لهم في مختلف المناسبات، وبصورة ثابتة ولله الحمد، محبة لله واتباعًا لسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فهل يرضى القائمون على التعليم بتمرير مفهوم ثقافة النّصب في مناهجنا؟ سؤال أضعه برسم الإجابة عملاً لا قولاً.