![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : 1 |
|
مشرف سابق
|
محاضرة ألقيت في أمريكا سنة 1404ﻫ في المؤتمر السنوي للجماعة الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.. والسلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته.. وبعد.. فمن بلد الإيمان والإسلام ايران، احمل إليكم أيها الأخوة أعطر التحيات، وأعظم التهاني والتبريكات، مع المزيد من التقدير والإكبار لهذه الأرواح الصافية، والمطمئنة، ولتلك الإنسانية الرفيعة النبيلة. أما فيما يتعلق بموضوع البحث، وهو "الأخلاق في الإسلام" فإننا نقول: إنه لا ريب في أن كثيراً من الأعمال لها قيمة مادية، يحددها الناس والعقلاء، بملاحظة خصوصيات، وظروف معينة، تختلف وتتفاوت من عمل لآخر، ومن ظروف لأخرى.. فإذا كان العامل الذي يشتغل في البناء ثمان ساعات مثلاً يستحق بنظرهم عشر ليرات مثلاً، بحيث لو زاد عليها زيادة فاحشة عد ظالماً، أو نقص عنها كذلك عد مظلوماً.. فإن الطبيب الذي يجري عملية جراحية معقدة في وقت أقل، يستحق – بنظرهم أيضاً – أضعاف ما يستحقه عامل البناء ذاك.. وهكذا.. وفي المقابل.. فإنه لاريب أيضاً في أن بعض الأمور لا يمكن تقييمها بالمادة مهما عظمت وكثرت، ولا تكافأ ولا تعوض إلا بمثلها أو بما هو من سنخها، كالإيثار على النفس، والعفو، والتضحية في سبيل الآخرين.. فإنها لا تعوض إلا بمثلها، ولا يوازيها مال، ولا تعوضها المادة أما المكافأة على ذلك باللامبالات أو بالسوء.. فإنه قبيح ومرفوض من الناس كل الناس، على اختلاف اتجاهاتهم، ونحلهم، وأذواقهم.. أما إذا استطعنا التعرف على تلك الخصوصية، وعلى المنطلقات والقيم، التي تعطي لهذا العمل قيمته المعنوية، فلسوف يساعدنا ذلك على التقييم الصحيح، والتخطيط السليم في مجال العمل المنسجم، والمدروس على بعث الأخلاق في المجتمع، وتقويتها، وترسيخ قواعدها بحيث تتخذ صفة الأصالة وتساهم في الحركة، وفي الموقف، وفي صنعهما.. وإن اختلاف الأنظار في فهم ذلك يستتبع اختلافاً في مجالات العمل والنشاط، واختلافاً في التركيز على المنطلقات الضرورية، التي تساهم في دفع الإنسان ليكون عمله نبيلاً، وأخلاقياً.. الأمر الذي ربما يؤدي الخطأ فيه إلى أضرار كبيرة، وخسائر فادحة على الصعيد النفسي وفيما يرتبط بالنظام الاجتماعي بصورة عامة.. وكشاهد على هذا الاختلاف في الرأي والنظر بالنسبة للركائز والمنطلقات، الذي يستتبع الاختلاف في العمل لتقويتها وترسيخها، فإننا نشير إلى المثال التالي: إننا نجد المسيحية مثلاً: تركز على تقوية روح الحب والعطف والحنان بين الناس، وذلك انطلاقاً من نظرتها وتقييمها للعمل الأخلاقي، ولما يرتكز عليه، ولمقاييسه ومعاييره بصفة عامة.. فالمسيحية ترى: أن كل فعل لابد أن ينشأ عن ميل ورغبة، وعاطفة، واندفاع من جهة.. كما انه لابد له من غاية وهدف من جهة أخرى.. فإن كانت الغاية للعمل والهدف هي نفس الشخص الفاعل له، كالعمل من أجل الحصول على مال أو مقام، أو نحو ذلك، فإن ذلك العمل لا يكون أخلاقياً.. وإن كان الهدف هو الغير من سائر بني البشر (الإنسان)، كان عملاً أخلاقياً.. إن كان منشؤه هو العاطفة لا غيرها من سائر الدوافع. ولأجل ذلك تعمل المسيحية على تقوية روح المحبة بين الناس وربط الإنسان بسائر بني جنسه برباط العاطفة والحنان. كما قلنا.. ولكنهم لم يلتفتوا إلى أن نظريتهم هذه غير وافية ولا سليمة.. فإن الحب وإن كان أمراً أساسياً وضرورياً وهاماً جداً في حياة الإنسان.. وقد اهتم الإسلام به بصورة فائقة، كما يظهر من عشرات الآيات والروايات.. ولكنه ليس هو كل شيء في مجال تقييم العمل الخلقي إذ أنه: أولاً: إننا نجد: أن عملاً قد يكون ناشئاً عن اندفاع عاطفي، ويكون هدفه هو الغير.. ولكنه ليس أمراً أخلاقياً كالعطف على المجرمين، الذي يتبعه التدخل لمساعدتهم أو لمنع تعرضهم للعقاب الذي يستحقونه، من أمثال: يزيد بن معاوية، والحجاج بن يوسف، وصدام المجرم.. وغيرهم من الطواغيت والمجرمين..بل إن التدخل لصالح أمثال هؤلاء يكون أمراً منافعاً للأخلاق، ومضاداً لها.. وقد قال تعالى في مقام الإشارة إلى المنع من التأثر بعاطفة كهذه. {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ }النور2. ثانياً: إنه ليس كل عاطفة تؤثر أثرها تجاه الغير، يكون ما ينشأ عنها عملاً أخلاقياً.. فإنه حتى عاطفة الام المؤثرة إنما هي ناشئة عن الإحساس الغريزي الطبيعي، الذي هو أمر غير اختياري، ويوجد حتى لدى الحيوان، من أجل حفظ الحياة والوجود، كسائر الغرائز الأخرى التي لابد منها من اجل ذلك ايضاً، مثل حب الإنسان لنفسه، وغريزة الجنس، ومثل الجمال، والقوة، وغير ذلك.. ثالثاً: إن عاطفة كهذه قد تؤثر في اتخاذ موقف ما تجاه غير الإنسان أيضاً، فإن المنع من إطالة الأظافر حتى لا تؤذي ضرع الحيوان حين حلبه. والذي هو من تعاليم الإسلام الزاخر بأمثال هذه التعاليم. إن هذا.. لاشك في كونه عملاً أخلاقياً ونبيلاً، فلا معنى لتخصيص العمل الأخلاقي، بما كان يهدف على خدمة خصوص الإنسان.. أما " كانت " فيرى: أن الأخلاق تنبع من ضمير الإنسان ووجدانه، فكل ما يحرك الوجدان فهو عمل أخلاقي. وهو يقول: أن العقل العملي، والوجدان، توأمان، فالأول يحكم بحسن العمل، وأنه مما ينبغي المبادرة لإيجاده خارجاً (وهو ما يسمى بالعقل العملي). والوجدان يحرك نحو تحقيق ما يحكم به العقل العملي.. وأحكام العقل العملي هذه أحكام عامة مطلقة، فهو يحكم بحسن الصدق مطلقاً، أي أنه يكون حسناً على كل حال، وفي كل مورد.. أما العقل النظري (والمراد به: الذي يتصدى للأمور العقلية النظرية الصرفة، فيستدل عليها بالدور أو بالتسلسل مثلاً، من أجل أن تعلم، لا من أجل أن تعمل وتفعل، كما في الاستدلال على وجود الله سبحانه وغير ذلك..). هذا العقل النظري لا وجود له عند "كانت" على الإطلاق.. ويضيف: أن الأخلاق إنما تدعو إلى الكمال، لا إلى السعادة، أي أن الإنسان يتطلب بعمله الأخلاقي الوصول إلى الكمال.. وليس ثمة تلازم بين الكمال والسعادة عنده، فقد يصل الإنسان إلى الكمال بواسطة عمل أخلاقي ما، ولكنه لا يكون سعيداً، بل يكون في ألم وعناء، وشدة وبلاء.. وهو يقصد بالسعادة خصوص اللذة والراحة الجسدية والمادية.. ولكن جميع ما تقدم مما لا تمكن الموافقة عليه بأي وجه، وذلك بملاحظة النقاط التالية: 1- إن إنكار العقل النظري ما هو إلا إنكار لأمر بديهي، إذ بهذا العقل يمكن إثبات وجود الله تعالى، وإثبات أن الإنسان مختار، وأنه مريد، وغير ذلك من أمور كثيرة وضرورية. 2- إن معنى كون الأحكام الأخلاقية مطلقة، هو أن يكون الصدق حسناً مطلقاً حتى ذلك الصدق الذي يوجب هلاك نبي أو مصلح اجتماعي كبير أو هلاك أمة بأسرها – نعم هلاكهم – بلا ذنب وبلا سبب وبفعل عمل طاغوت متجبر.. 3- إن ما ذكره من عدم التلازم بين الكمال والسعادة، واعتبار السعادة، منحصرة بالأمور المادية.. لا يصح.. أيضاً..فإن لذة الروح والنفس هي اللذة الحقيقية، وهي الأبعدُ أثراً، وأكثر أصالة.. فقد يكون الإنسان معذباً جسدياً، لكنه سعيد روحياً، وهذا هو السر في أن طعم الموت يكون أحلى من العسل لدى القاسم بن الحسن، وهو ما يفسر لنا قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، حينما ضربه ابن ملجم.. " فزت ورب الكعبة ". كما أننا نجد الشباب المؤمن في الجمهورية الإسلامية يتسابقون للموت، ويرون أعلى درجات سعادتهم هو استشهادهم، حتى إن من لا ينال هذه الدرجة منهم يكون كئيباً وحزيناً وغير سعيد.. وبعد.. فإن لذة العلماء في اكتشافاتهم العلمية، وكذلك لذة العباد والزهاد في عبادتهم وتهجدهم، لا يمكن أن ينكرها أحد، رغم أنهم قد يكونون يعانون الكثير من التعب، والعناء، والجهد والبلاء الجسدي في ذلك. بل إن نفس وصول الإنسان إلى درجة الكمال يمثل لذة روحية عالية، لا يمكن إنكارها، ولا المماراة فيها. وثمة نظريات أخرى حول الأخلاق.. فإن الأخلاق عند الشيوعيين تقوم على أساس مادي بحت، إنطلاقاً مما اسموه فلسفة لهم عن الكون وعن الحياة... وقد ناقش العلماء والمفكرون، ونخص بالذكر منهم: العلامة الطباطبائي، والشهيد الصدر، والشهيد المطهري – ناقشوا نظريات الشيوعيين هذه، وأبطلوها بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة ولم يبقوا عذراً لمعتذر، إلا من مداج أو مكابر متكبر، لا يؤمن إلا بما يمليه عليه الهوى، وتفرضه عليه الرغبات والميول..كما أن بعض النظريات قد حاولت إنكار الأخلاق من الأساس.. وبعضها حاول إعطاءها صفة غير إنسانية.. ونحن لا نرى حاجة للتعرض لتفنيدها في عجالة كهذه معتمدين على تنبه وحصافة من يتسنى له الإطلاع عليها... ويبقى أن نشير إلى رأي الإسلام في الأخلاق فنقول: 1- إن الإسلام يمتاز بالشمولية، وبالعمق، وبأنه كل مترابط لا يتجزأ.. وهذا يعني: أن التعرف على رأيه في أية قضية كانت يتطلب جهداً خاصاً وكبيراً، ومزيداً من البحث والدراسة والتمحيص، ولاسيما إذا لاحظنا أن كلام الله سبحانه، وكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكلام الأئمة عليهم السلام دقيق وعميق، يحتاج إلى مزيد من الدقة في فهم معانيه ومراميه، حتى إن تغير كلمة واحدة في جملة قصيرة لربما يغير المعنى تغييراً أساسياً له آثاره على الصعيد العلمي بشكل واسع.. ولأجل ذلك.. ولأجل عوامل أخرى، لا مجال لبحثها الآن، نقول: إنه ليس منطقياً – إذا أردنا معرفة رأي الإسلام في قضية ما – أن نكتفي بمراجعة بسيطة وعابرة وساذجة لآية أو لحديث أو أكثر، ثم إصدار الأحكام وإعطاء النظريات والضوابط على أنها هي كل رأي الإسلام في ذلك. فمثلاً: العفو عن الآخرين، وإن كان لا ريب في رجحانه على وجه العموم.. ولكن إذا أردنا تحري التفاصيل والجزئيات فيه، فإننا نحتاج إلى مزيد من البحث، والمزيد من الدقة في الآيات والروايات لنستخلص ممن، وعمن يكون العفو، وما هي غايته ؟ وما هي آثاره على العافي، من جهة، وعلى المعفو عنه من جهة أخرى ؟ وما هي آثار العفو على الصعيد الواقع العام ؟ وما هي شرائطه وحدوده ؟ وما هو مدى ربطه بأخلاق وخصائص الإنسان ؟ وكيف ؟ وهكذا.. ولاجل كل ما تقدم: فإننا سوف نكتفي في هذه العجالة بعرض سريع لما أمكن فهمه فيما يرتبط بالأخلاق في الإسلام.. مع تأكيدنا على مسيس الحاجة للتوفر على دراسة هذا الموضوع بشكل أعمق، وبصورة أتم وأوفى.. 2- إن الإنسان في مسيرته الحياتية، وفي كل حركاته، وأفعاله، ومواقفه يحتاج إلى دافع ومحرك، وإلى هدف وغاية.. ولابد من التعرف على كلا الأمرين من وجهة نظر الإسلام أولاً.. يُتبع............
|
|
|
|
|
|
رقم المشاركة : 2 |
|
مشرف سابق
|
تابع............... والحمد لله وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطاهرين. جعفر مرتضى العاملي منقول من موقع الهادي طالب الغفران
|
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|