إليكم تمام الكتاب مع أملنا أن يستفاد منه ويلتفت إليه :ويشعر أنها راضية، ويحس أنها مرتاحة مسرورة فيقوم وهو متهلل الوجه، باسم الثغر ويقول: سكوت الباكر علامة رضاها، فلا ترد عليه ولا تعترض. فيبتسم ويخرج إلى أبن عمه ليخبره برضاء الزهراء ويقول له: أين الدرع يا علي؟ فيذهب علي مسرعاً ويأتي بالدرع فيأمره النبي أن يبيعها ليجهز العروس بثمنها. وقد أشتراها عثمان بأربع مائة وسبعين درهماً حملها علي صلوات الله عليه ووضعها أمام الرسول، فتناولها بيده الكريمة ثمّ دفعها إلى بلال ليشتري ببعضها طيباً وعطراً ويدفع الباقي إلى أم سلمة لتشتري جهاز العروس. ثمّ يجمع النبي صحابته وآله ويشهدهم أنه زوج ابنته فاطمة من أبن عمه علي بن أبي طالب على أربع مائة مثقال من الفضة على السُّنة القائمة والفريضة الواجبة ثمّ قدم للضيوف حلوى العرس الهاشمي النبوي وهو وعاء تمر.
على هذا النمط البسيط وعلى هذا النحو القدسي تمت خطبة الزهراء بنت رسول الله إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وتأخر الزفاف إلى الوقت الذي يتم فيه جهاز العروس ويهيأ بيت العريس.
{45}
نعم هكذا بكل بساطة تمت خطبة أعظم خطيبين. فالزهراء عندما خطبت لابن عمها لم تكن تفكر في شيء مما يشغل أفكار غيرها من العرائس. لم تكن تهتم بما يملك عريسها من مال وما يهيأ لها من أثاث ورياش. لم تكن تحفل بالسفاسف من الأمور كأن تكون خطبتها رسمية عامة شاملة تعمر بالترف والبذخ. لم تكن تحفل بكل هذه الأمور الدنيوية فهي أبنة رسول الله وابنة خديجة الكبرى.
أوليست أمها هي التي بذلت المال رخيصاً في سبيل العقيدة؟ أوليست أمها هي التي استبدلت القصر الشامخ بالبيت المتواضع والترف الزاهي بشظف العيش ومره؟
وها هي أبنتها فاطمة تُخطب إلى علي أمير المؤمنين بهذه الروعة اللامتناهية التي كونتها هذه البساطة في الخطبة. فالإمام علي كان يخطب شخص الزهراء بنت رسول الله، والزهراء صلوات الله عليها قبلت بالزواج حباً بعلي وبشخصه لا غير. فلولا أن خاطبها كان غير علي بن أبي طالب لما رضيت أن تفارق أباها وبيته إلى أي زوج كان، ولكنها كانت تعلم أنها بزواجها من علي بن أبي طالب تتقرب إلى أبيها وإلى رسالته أكثر منها قبل الزواج،
{46}
وأنها إذا قرنت حياتها بحياة علي تمكنت أن تسند علياً بجهادها الإسلامي وأن تركز جهاد أبن عمها بمؤازرتها له. ولذلك فقد تلقت عرض الزواج بكل ارتياح.
وإني لأعجب لما كتبته الدكتورة بنت الشاطيء في كتاب بنات النبي، وما عللت فيه رضاء الزهراء بعلي بن أبي طالب وما بينته في أسلوب هو أقرب الى الخيال القصصي منه إلى الواقع. فقد عزت الدكتورة بنت الشاطئ زواج فاطمة، والدافع الذي دفعها لذلك دخول عائشة في بيت النبي وفي حياته بعد أن كانت الزهراء معرضة عن الزواج في إصرار، وهذه الفكرة القصصية الخيالية كان من الممكن فرضها على عائلة غير عائلة رسول الله وعلى أسرة غير أسرته صلوات الله عليه، كأن تأتي الدكتورة لتحدثنا حديث أسرةٍ عادية مكونة من أب وأربعة بنات وأم، ثمّّ تتزوج البنات الثلاث وتعرض الرابعة عن الزواج إيثاراً لصحبة أبيها عن غيره، وتموت الزوجة الأولى فتدخل في حياة الأب زوجة جديدة لا تؤثر تأثيراً بالغاً على مكانة البنت الرابعة التي كانت في البيت، ولكن الزوجة الثانية التي تدخل في حياة الأب بعد الأم الراحلة أمرأة ثانية تستهويه وتمتلكه وعند ذلك تفهم البنت
{47}
الرابعة التي آثرت صحبة أبيها عن الزواج أنها لم تعد كما كانت في بيت أبيها وفي قلبه بعد أن شغلت المرأة الجديدة حياة أبيها واستمالت قلبه نحوها ولم تترك للبنت الباقية في بيت أبيها مجالاً لدلال أو رغد من العيش.
وهنا يجب أن نفترض أولاً أن رب الأسرة رجل ضعيف الشخصية ضئيل العاطفة مندفع وراء ملذاته الحسية لكي نتمكن من الإنسجام مع هذه الأقصوصة ونصدقها كما هي.
فإن أي زوج وأي أب إذا كان قوي الشخصية ولو قليلاً وإذا كان يحمل عاطفة أبوية ولو عاطفة جزئية، ايمكن لنا أن نصدق أنه يخضع لسلطان أمرأة مهما كانت تلك المرأة ومهما تمتعت به من سحر وفتنة، ولا يمكن للمرأة تلك أن تجعل بيته يضيق بابنته التي كانت حسب بداية الأقصوصة تمتنع عن الزواج حباً في أبيها وإيثاراً لصحبته.
ومن المؤكد أن بيت الأب لا يضيق بابنته إلاّ إذا ضاق الأب بابنته ولا يضيق الأب بابنته إلاّ إذا كان معدوم العاطفة مسلوب الشخصية.
{48}
عند هذا وبعد كل هذه الفروض لنا أن نصدق هذه القصة كما جاءت بها الدكتورة (كصورة من حياتهن ).
ولكن هذه الأقصوصة إذا طالعتنا بها الدكتورة وهي تنسبها إلى أهل بيت النبوة، وإلى أسرة يكون الأب فيها رسول الرحمة وتكون البنت فيها فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، ولا يمكن لنا أن نصدقها بأي حال من الأحوال. ولا يصح أن نصدقها أيضاً لما تستلزمه من فروض لا تنطبق على أهل البيت.
فنحن إذا سلمنا أن الزهراء كانت رابع بنات أربعة فيجب علينا إولاً أن نتعرف على أزواج أخواتها والسبب في عزوفها عن الزواج بعد أخواتها الأخريات، ونرى أن أختين من أخواتها قد لاقيا من المحن والاضطهاد الشيء الكثير حتى أن أزواجهما أرجعاهما إلى بيت رسول الله عداءً لهما ولرسول الله (ص).
فنحن إذا سلمنا بوجود أخوات للزهراء وجب علينا أن نسلم بزواجهن وبأزواجهن، وفي هذا دليل كافٍ نفهم منه عزوف الزهراء عن الزواج إذا صح أنها كانت عازفة كما
{49}
تزوجت أخواتها بعد أن رأت بعينها المصائب التي أصابت أخواتها من هذا الزواج. وشتان بين أزواج أخواتها وبين من رضيت به زوجاً لها وقريناً. فزواج أخواتها ونوعيته أكبر مثبط لها عن قبول هذه التجربة. وخطبة الإِمام علي لها وخصوصياته أكبر دافع لها لقبول العرض بالرضاء التام.كان ذاك هو المانع وكان هذا هو الدافع لا أكثر ولا أقل. طبعاً هذا إذا سلمنا مع الدكتورة بوجود أخوات للزهراء صلوات الله عليها ثم أنها كانت تعلم أن حاجة أبيها لها وهو في مكة أكثر منها وهو في المدينة. فقد كان الاضطهاد والشرك والظلم قد خف وتلاشى في المدينة. ولما علت كلمة الإِسلام اطمأنت الزهراء على أبيها وعلى راحته النفسية ثم أنها حينما كانت ترفض الزواج كانت ترفضه لكي لا تخرج من حياة أبيها ولكي لا تبعد عن رحابه وعرينه. وزواجها بعلي كما كانت تعلم واثقة أنه سوف يقربها لأبيها ويدنيها إليه أكثر وأكثر، وأنها لن تترك بيت أبيها بل ستكوِّن لأبيها بيتاً جديداً هو بيتها الذي يضمها وابن عمها علي بن أبي طالب. وفعلاً فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ هذه الآية الكريمة كلما مر
{50}
على باب فاطمة وعلي: (... إنما يُريد الله ليذهبَ عنكم الرجٌسَ أَهل البيت ويُطهَّركم تطهيراً) الآحزاب/33. صدق الله العظيم.
وقد عرفت الزهراء كل هذا ولأجل هذا رضيت بابن عمها وآثرت بيته على البقاء في بيت أبيها. ولا دخل لآي امرأة من نساء النبي في زواجها ودواعيه، وإنما أعرضت عن الزواج لعدم وجود الكفء، وأقدمت عليه بعد أن وثقت من كفاءة الزوج.
ولا أدري كيف سمحت الدكتورة بنت الشاطيء لنفسها أن تفسر قبول فاطمة للزواج بدخول عائشة في حياة النبي، وتقلص مكانة البنت في قلب أبيها. هذه البنت التي كانت كل شيء لآبيها في قلبه وحياته. وقد جاء في الاستيعاب عن السيدة عائشة نفسها أنها سُئلت أي الناس كان أحب إلى رسول الله؟ قالت: فاطمة فسُئلت: فمن الرجل؟ قالت: زوجها. وجاءت هذه الرواية أيضاً عن الترمذي: وفي الاستيعاب بسنده عن ابن بريدة عن أبيه، وفي المستدرك بسنده عن جميع بن عمير وصعصعة، وقد رواه الترمذي بسنده عن بريدة مثله. وروي الحاكم في
{51}
المستدرك وصححه بسنده عن جميع بن عمير قال: دخلت مع أمي على عائشة فسمعتها من وراء الحجاب وهي تسألها عن علي فقالت تسألينني عن رجل والله ما أعلم رجلاً كان أحب إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من علي، ولا في الأرض امرأة كانت أحب إلى رسول الله من امرأته فاطمة؟ وقد كان رسول الله يكرر دائماً أن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها وأن فاطمة شجنة مني، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الواضحة.
ونشطت أم سلمة لكي تجهز العروس الغالية فاشترت لها قميصاً بسبعة دراهم وخماراً بأربعة دراهم وقطيفة سوداء خيبرية وسريراً مزملاً بشريط وفراشين من خيش حَشوُ أحدهما ليف، وحَشوُ الآخر من صوف الغنم، وأربع مرافق من أدم الطائف حَشوُها إذخر، وستراً رقيقاً من صوف، وحصيراً هجرياً ورحى لليد ومخضباً من نحاس، وهو إناء تغسل فيه الثياب، وسقاءاً من أدم وقبساً للبن وشناً للماء ومطهرة مزفتة، وجرة خضراء وكوزاً من خزف ونطعاً من أدم وعباءة قطوانية وقربة ماء. ولما أتمت أم سلمة هذا الجهاز البسيط الرائع روعة قدسية لا
{52}
متناهية، جاءت إلى رسول الله صلوات الله عليه فجعل يقلبه بيده الكريمة وهو يقول: بارك الله لأهل البيت. ثم إنه رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بارك لقوم جل أنيتهم الخزف. وفي بعض الروايات أنه استعبر وبكى وهو يقلب جهاز حبيبته المتواضع. وكان العريس مشغولاً بدوره أيضاً يجهز بيته ويهيِّئُهُ لاستقبال ابنة رسول الله. وكان جهاز الإِمام صلوات الله عليه أن نشر رملاً ليناً في صحن الدار ونصب خشبة من حائط إلى حائط للثياب وبسط إهاب كبش ومخدة ليف: وفي رواية ابن سعد عن بعض من حضرن عرس فاطمة قلن: دخلنا البيت مع العروس فإذا إهاب من شاة على مصطبة ووسادة فيها ليف وقربة ومنخل ومنشفة وقدح، وهذا ما روي عن أثاث أمير المؤمنين وهو في طريقه لمصاهرة رسول الله. وعندما أتم الإِمام تجهيز بيته وتهيئته. وعلم أصحابه أنه قد أكمل ذلك قال له جعفر وعقيل: ألا تسأل رسول الله يدخل عليك أهلك؟ فقال لهم: الحياء يمنعني من ذلك. فقاما عنه ولقيا أم أيمن مولاة رسول الله فذكرا لها ذلك فدخلت إلى أم سلمة فأعلمتها وأعلمت نساء النبي أن علياً قد أتم تجهيز بيته، وهو يرغب أن ينقل إليه أهله. فاجتمعن عند
{53}
رسول الله وقلن: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله إنا قد اجتمعنا لأمر لو كانت خديجة في الأحياء لقُرَّت عينها به. وروي عن أم سلمة أنها قالت لما ذكرنا له خديجة بكى رسول الله وقال: خديجة وأين مثل خديجة، صدقتني حين كذبني الناس ووازرتني على دين الله وأعانتني عليه بمالها، إن الله عز وجل أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب الزمرد لا صخب فيه ولا نصب. وقالت أم سلمة فديناك بآبائنا وأمهاتنا إنك لم تذكر من خديجة أمراً إلا وقد كانت كذلك غير أنها قد مضت إلى ربها فهنأها الله بذلك وجمع بيننا وبينها في الجنة. يا رسول الله هذا أخوك وابن عمك علي بن أبي طالب يحب أن تدخل عليه زوجته. فقال النبي: حباً وكرامة. ثم إنه دعا بعلي فدخل وهو مطرق حياءاً وقامت أزواج النبي ودخلن البيت فسأله النبي أتحب أن أدخل عليك أهلك فأجاب علي وهو مطرق: أجل فداك أبي وأمي. فقال: أُدخلها عليك إنشاء الله. ثم قام إلى نسائه وأمرهن أن يزين فاطمة ويطيبنها ويصلحن من شأنها في حجرة أم سلمة وأن يفرشن لها بيتها الذي هيأه ابن عمها.
فدبت الحركة في بيت النبوة وعمت الفرحة على
{54}
وجوه أهل البيت وشاعت ابتسامة محببة على وجه الرسول وهو يرى نفس الابتسامة قد غمرت وجه ابن عمه وأخيه وغمرت قلب الرسول موجة من رضاء لما آنسه على ابن عمه من لهفة وشوق ولما أحس به من نشاط حيوي شاع على علي في حركاته وتصرفاته. وفُرش بيت العروس الجديد وزُيِّنت العروس وطُيِّبت ونُحرت الذبائح وأُطعم الطعام، وأمر النبي صلى الله عليه واله وسلم أن ينادي على رأس داره: أجيبوا رسول الله، فبسط النطوع في المسجد وصدر الناس وهم أكثر من أربعة آلاف رجل وامرأة رفعوا ما أرادوا ولم ينقص من الطعام شيء. ثم دعا رسول الله بالصحائف فملئت، ووجهها إلى منازل أزواجه ثم أخذ صحفةً فقال هذه لفاطمة وبعلها وبعد أن أكل الناس وشبع كل جائع أتى رسول الله ببغلته الشهباء، وثنى عليها قطيفة وجاء إلى فاطمة الزهراء وهي بين نساء المسلمين وقد هيأنها للزفاف، وأخذ بيدها وقال لها اركبي ثم ساعدها على الركوب وأمر سلمان أن يقود البغلة وسار صلوات الله عليه خلفها ومعه حمزة وجعفروعقيل وبنو هاشم كلهم مشهرين سيوفهم وهم يكبرون ويهللون. ومشت نساء النبي وراء العروس وهن يرجزن ويكبرن،
{55}
ونساء المسلمين من حولهن يتلون الأشعار في مدح العروسين حتى دخلن الدار المباركة، وأنفذ رسول الله إلى علي فدعاه وأخذ بيد فاطمة فوضعها في يده وقال بارك الله لك في ابنة رسول الله ثم جمعهما إلى صدره وقبل بين أعينهما، وقال لعلي: يا علي نعم الزوجة زوجتك. ولفاطمة: يا فاطمة نعم البعل بعلك. ثم دعا بماء فأخذ منه جرعة فتمضمض بها ثم مجها في القصب وصب منه على رأسها ونضح على صدرها وفعل بعلي مثل ذلك وقال: اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما ثم أنه قام لينصرف فلم تملك فاطمة الزهراء دمعها ولحظ ذلك أبوها فتمهل برهة ثم قبلها في حنو.
وقال أنه تركها وديعة عند أقوى الناس إيماناً وأكثرهم علماً وأفضلهم أخلاقاً وأعلاهم نفساً. ثم انصرف وهو يدعو للعروسين وكانت أطياف خديجة في تلك الساعة تعاوده ملحاحة، فقد شعر في تلك الليلة بفراغ لخديجة عجز حتى هو أن يسده بالنسبة لابنتهما الغالية. وما أكثر ما كان يشعر بهذا الفراغ في شتى المناسبات والظروف. وبهذا بدأت الزهراء حياتها الجديدة في بيت الزوجية السعيد، البيت الذي شهد
{56}
أسعد مناسبات أهل بيت النبوة، وأصبح مصدراً لإشعاعات الرسالة ومنبعاً زاخراً بالخير والبركة وقد تلاشت القيم المادية في أرجائه حتى استحالت إلى لا شيء وتعالت المثل الروحانية فيه فأصبحت كل شيء.
وأما أخوات الزهراء الثلاث فهناك شك من الناحية التاريخية في بنوتهن للرسول (ص) حتى ذهب بعض المؤرخين إلى التأكيد على أنهن ربيباته وبنات السيدة خديجة من زوجها الأسبق، ولهذا الشك مبرراته التاريخية فنحن إذا جمعنا بين طائفة من المسلمات التاريخية أنتهينا حتماً إلى الشك في بنوتهن على أقل تقدير. فالتاريخ يقرر:
أولاً - أن المدة التي قضاها النبي في حياته الزوجية مع خديجة قبل البعثة لا تزيد علي خمسة عشر عاماً لأنه تزوج في الخامسة والعشرين من عمره المبارك وبعث في الأربعين.
ثانياً - إن زينب هي كبرى الأخوات الثلاث وتصغرها رقيه بثلاث سنوات وأم كلثوم أصغر منهما معاً وإن لم يحدد
{57}
التاريخ التفاوت بينها وبين أختيها بالضبط.
وثالثاً - إن الأخوات الثلاث للزهراء كن قد تزوجن جميعاً قبل البعثة وسعدن في حياتهن الزوجية وأنجبت بعضهن أولاداً ثمّ أرجعن بعد البعثة إلى بيت النبي بدافع من التنكيل به وإحراجه.
هذه مسلّمات تاريخية ثلاثة إذا جمعنا بينها كان من الطبيعي أن تلقي ظلالاً من الشك أو مبررات لإنكار بنوة الأخوات الثلاث للرسول الأعظم لأنهن لو كن بناته لما كان من الممكن أن يزيد عمر كبراهن وهي زينب عن أربعة عشر عاماً في وقت البعثة ولا عمر رقية عن أحد عشر سنة ولا عمر أم كلثوم عن عشر سنوات على أكثر تقدير، لأن الفاصل الزمني بين بدء الحياة الزوجية للنبي وخديجة وبين البعثة خمسة عشر سنة كما تقرره المسلمة التاريخية الأولى؛ وبعد أخذ الفوارق التي تقررها المسلمة التاريخية الثانية بين أعمار الأخوات الثلاث ينتج ما قررناه من عدم اجتياز أم كلثوم للعقد الأول من عمرها في وقت البعثة، وهذا لا ينسجم طبيعياً مع ما يحدثنا التاريخ في المسلمة التأريخية الثالثة من زواج البنات الثلاث قبل البعثة، لأن من غير المألوف أن تتزوج أم كلثوم قبل إكمال عقدها
{58}
الأول وتعيش مع زوجها مدة ثم ترجع إلى بيت أبيها وهي لم تكمل العاشرة بعد.
وهكذا يتضح أن افتراض بنوة زينب ورقية وأم كلثوم للنبي يكلفنا على ضوء المسلَّمات التاريخية الثلاث السابقة افتراضاً آخر يقضي بزواج أم كلثوم في التاسعة أو العاشرة وهذا الأفتراض وإن كان ممكناً من الناحية العقلية ولكنه غير مألوف إلى درجة قد تسمح للباحث بعدم قبوله. وأما إذا أنطلقنا في توفيقنا بين المسلمات التاريخية الثلاث. الآنفة الذكر من القول أن البنات الثلاث ربيبات الرسول فسوف يتاح لنا أن نتقدم بتاريخ ولادتهن إلى ما قبل زواج النبي بخديجة وأن نتصور أم كلثوم قبل البعثة فتاة مكتملة لها كل مؤهلات الزواج. أضف إلى هذا أن خديجة إذا كانت زوجة معطاء بدرجة أنها تعطي زوجها وهي في العقد الخامس أربعة من الأولاد كما يفترض القائلون ببنوة أخوات الزهراء الثلاث للنبي، أفليس من حقنا أن نتساءل عن عطائها لزوجها السابق قبل النبي حين كانت في أوج شبابها ونشاطها؟ إلى كثير من هذه الأسئلة التي لا نجد لها جواباً أفضل من القول بأن الأخوات الثلاث ربيبات النبي وبنات خديجة من زوجها السابق.
{59}
وعلى أي حال من الأحوال فهن نساء عشن في حياة النبي سواءاً كن بناته أو ربيباته فإن قلب النبي يتسع للبعيد البعيد فضلاً عن الربيب القريب.
فأما زينب كبرى الاخوات فقد تزوجت من إبن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وقد سعدت معه وعاشا معاً حياة زوجية هانئة حتى أنبثقت رسالة الإسلام وأنطلقت كلمة الحق ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ولكن أبا العاص يأبى أن يترك دين آبائه، وتمنعه العصبية الجاهلية أن يسلم كما أسلم غيره، فيقال عنه أنه ترك دين الآباء والأجداد ودخل في دين حميه. وزينب وقد أسلمت مع أول من أسلم تشقى لعزوف زوجها عن الإسلام وتتألم لهذا أشد الألم فهي تُعز زوجها وتحبه لكونه قرينها ومصدر سعادتها في الحياة ولكونه أبو أمامة، ابنتها الوحيدة الغالية. ولكن الإسلام أحب اليها ورسول الله (ص) أعز عليها وتبقى تنتظر اليوم الذي يشرح الله فيه قلب زوجها للإسلام وهي تأمل أن يكون ذلك اليوم قريباً. وتظل ترقب كلمة الإسلام وهي تغزو بنورها القلوب والأرواح وتدعو الله مخلصة أن يكون زوجها فيمن اهتدى بنور الإسلام وما أكثر ما دعته إلى
{60}
الإسلام وحبذت له ذلك وعددت له أسماء أكابر الرجال الذين دخلوا في دين الله طائعين، ولكنه كان يرد عليها دائماً أنه لا يرضى أن يقال أنِّ أبا العاص أطاع زوجته وعصى عشيرته، ولهذا فقد ظلّلت حياة زينب سحابة قاتمة من الهموم والأحزان.
ويهاجر النبي الى المدينة ويخلف زينب في مكة وهي تتابع عن بعد انتصارات رسالة الإسلام وتفتخر لهذه الانتصارات وتزداد أملاً في إسلام أبي العاص، ولكنها تصحو في يوم لترى قريش وقد شاع فيها خبر هام، فقد عاد ضمضم بن عمر الغفاري وكان مسافراً في تجارة إلى الشام مع أبي سفيان فما بلغ مكة حتى وقف على بعيره وحول رحله وشق قميصه وصاح: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه لا أرى لكم أن تدركوها الغوث الغوث. ولهذا فقد تهيأت قريش للحرب ونهضت لمواجهة الإسلام وفي مقدمتهم طبعاً أبو العاص زوج زينب، وعرفت زينب أنها الحرب فإما أنتصار المسلمين الذي توده وتأمل فيه وإما انتصار قريش. وإذا انتصر الإسلام فسيندحر زوجها أبو العاص وإذا انتصر أبو العاص فالويل لها بكسيرة الإسلام
{61}
ورسول الله. فظلَّت زينب وليس في مكة من هي أتعس منها وأشقى حتى أتتها عاتكة بنت عبد المطلب لتخبرها بانتصار رسول الله واندحار المشركين من قريش ويهز النبأ السعيد زينب وتفرح له لحظة، ولكنها سرعان ما تذكر أن زوجها في جيوش المشركين ولابد أن يكون قتيلاً أو جريحاً ولكنها تأبى أن تظهر شيئاً من هذا لكي لا تشوه فرحة الانتصار السعيد وتسكت على جزع وفرح مزدوجين وقد كانت عينا عاتكة تلاحظها بتفحص دقيق فلاحظت عليها ما أردات أن تخفيه فأسرعت قائلة: أن أبا العاص أسير عند رسول الله هو وكثير من رجال قريش وهنا تكتمل الفرحة عند زينب وتشعر بلذة الأنتصار الحقيقي. وتنشط نساء قريش بتهيئة الفدية، وتبعث كل أمرأة منهن أكبر فدية ممكنة، فهن يغالين فيها يفاخرون بكثرتها، ولكن زينب تبعث لرسول الله فدية معنوية رمزية وهي قلادة أمها خديجة التي أهدتها لها ليلة الزفاف، وتأثر هذه الفدية المتواضعة على الرسول فهي قلادة خديجة حبيبته المصطفاة. ويطرق الى الأرض لحضة ثمّ يرفع رأسه ليقول لأصحابه: إذا رأيتم إطلاق أسيرها فأطلقوه. فلا يتردد المسلمون لحظة في إطلاق سراح أبي العاص. ويستدعيه رسول الله ويسر
{62}
إليه أمراً ويلحق أبو العاص بأهله فتستقبله زينب فرحانة فخورة وهي تأمل أن يكون قد أسلم واهتدى الى الحق، ولكنها تراه ليس كما تعهد فقد بدا وهو مثقل بالهموم والأحزان ويقول لها والعبرات تكاد تسبق كلماته: لقد أتيت مودعاً يا زينب فقد أمرني رسول الله أن أبعث بك إليه فلا تبهت زينب لهذا الخبر ولا تستغربه مطلقاً فهي كانت تعلم أن رسول الله لن يبقيها مع أبي العاص إذا يئس من إسلامه. ثمّ إنها مشوقة الى رسول الله وإلى أخواتها الحبيبات. ولكنها ستشقى بفراق أبي العاص، وسوف تألم للبعد عنه، وسوف يشق عليها أيضاً أن ترى ابنتها امامة وهي كاليتيمة بين لداتها. وعلى كل فقد أخذت تتهيأ للسفر الى حيث الإسلام والأحباء. وسافرت بعد حصار شديد فرضته عليها قريش أنتقاماً وتنكيلاً، وخلفت وراءها أبا العاص وهي أشفق ما تكون عليه، ولم تشغلها فرحة لقاء الأحبة عن أبي أمامة فقد كانت تدعو الله دائماً وأبداً أن يهديه للإسلام. ويخرج أبو العاص في تجارة وتتعرض له قوات المسلمين في الطريق فيفر هارباً ويلتجيء إلى زينب فتحميه وترد عنه غضب المسلمين، وتعود فتدعوه الى الإسلام لكنه يسكت فلا يجيب، ويطلب إليها أن ترد
{63}
إليه تجارته لأنه يأبى أن يرجع الى قومه وقد خان الأمانة فتتوسط زينب في ذلك عند المسلمين فيردوا له تجارته وأمواله كاملة ويرجع بها الى مكة ويسلم الأموال إلى أصحابها حتى يتأكد من أنه قد أبرأ ذمته من كل وديعة وأمانة.
ثمّ يرجع إلى المدينة ويدخل على رسول الله فيسلم بين يديه، ويقبل الرسول إسلامه قبولاً حسناً ويرد اليه زينب وتعود السعادة لترفرف فوقهما مرة أخرى ويخلدان الى راحة نفسية عميقة وإلى حياة زوجية سعيدة.
وأما رقية وأم كلثوم فقد خطبا الى عتبة وعتيبة ابني أبي لهب قبل الإسلام وزوجّا قبل الإسلام ولاقيا أصناف العذاب من أم جميل حمالة الحطب قبل الإسلام أيضاً.
وما انبثقت كلمة الإسلام إلاّ وأرجعت حمالة الحطب رقية وأم كلثوم إلى بيت رسول الله ظناً منها أن ذلك يؤذي الرسول ويثقل عليه. ولكن الأمر بالعكس تماماً فإن رسول الله قد سر لذلك وأنس لخلاص الأختين من الأساليب الوحشية التي كات تتفنن بها أم جميل. ويتقدم عثمان بن عفان ليتزوج رقية ويهاجر بها الهجرتين
{64}
ولكنها نظراً لما لاقته من أهوال وما تحملته من مصاعب داخلية وخارجية نزلت بها العلة وتخطفتها أيدي الموت وهي في ريعان الشباب. ويعود عثمان بن عفان ليخطب اليه أم كلثوم وتتم الخطبة ويتم الزواج وتعيش أم كلثوم حتى تتوفى قبل رسول الله بمدة قليلة على بعض الرويات.
ظل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدة بعد خديجة وهو لا يفكر في الزواج حتى جاءته خولة بنت حكيم وأخذت تحبب إليه الزواج واستئناف الحياة الزوجية، وقالت فيما قالت: إن شئت البكر وإن شئت الثيب فأجابها صلوات الله عليه: فمن البكر؟ فتقول: عائشة بنت أبي بكر. ويقول: من الثِّيب؟ فتقول: سودة بنت زمعة، وقد آمنت بك واتبعتك. فاختار سودة. وسودة هي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن لؤي، وأمها الشموس بنت قيس النجاري من الأنصار، وكان زوجها الأول ابن عمها السكران، وقد أسلما معاً وهاجرا الى الحبشة مع من هاجر في الهجرة الثانية ثمّ رجعا الى مكة، وتوفي عنها زوجها بعد رجوعهما من الهجرة. وكانت رضوان الله عليها من أسبق النساء إلى الإسلام
{65}
فآمنت وهاجرت وهجرت أهلها. وقد نجا بها زوجها الى الحبشة فراراً من إعنات المشركين لهما. فلما مات لم يكن لها ملجأ سوى أن تعود إلى أهلها فتصبأ وتؤذى، فهم يحقدون عليها لإسلامها وهجرتها وفرارها مع زوجها الى الحبشة. فهم إذانالوها سوف لا يتوانون عن النيل منها بأي ثمن ولذلك فقد اختارها رسول الله ليضمها إلى حمايته وليعوضها عما لاقت في سبيل إسلامها. وهكذا قدم رسول الله المصلحة العامة على مصلحته الشخصية والمعنى الروحي عن لذات الحسن والمال والمتاع والثيب عن البكر.
وكان نعم الزوجة المخلصة المتحسسة لمسؤوليتها كأم للمؤمنين. وقد عرفت أنها الزوجة الثانية للرسول وأنها وافدة على دار تضم بين جدرانها فاطمة الزهراء ريحانة النبوة والرسالة. وقد تزوج بعدها بعائشة بنت أبي بكر وكانت بنت التسع سنين على بعض الروايات. وكانت من القلائل اللاتي لا يقف طموحهن عند حد ولا تكاد تستقر أو ترتاح دون أن تبلغ القمة من المجد بأي ثمن. وكانت عصبية المزاج حادة الطبع عنيفة في سلوكها. وكانت أيضاً حادة الذكاء شديدة الغيرة تغار
{66}
على قلب زوجها فلا ترضى أن يشاركها فيه أحد. وقد روي عنها أنها قالت: أستأذنت هالة بنت خويلد على رسول الله (ص) فعرف في أستئذانها استئذان خديجة فارتاع لذلك وقال: اللهم هالة. قالت فغِرت. وقلت ما تذكر من عجوز من عجايز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر وقد أبدلك الله خيراً منها؟ فتغير وجهه تغيراً ما كنت أراه إلاّ عند نزول الوحي أو عند المخيلة ينزل أرحمة هو أم عذاب؟ وقال: ما أبدلني الله خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عزّ وجلّ منها الولد إذ حرمني من أولاد النساء. وكانت حريصة أيضاً على أن لا تدخل في حياة النبي امرأة تفوقها جمالاً أو تزيد عنها في إحدى الخصال. فالتاريخ يروي أن رسول الله (ص) لما أراد أن يخطب اليه أسماء بنت النعمان، وكانت من أجمل أهل زمانها، قالت السيدة عائشة: أن رسول الله (ص) قد وضع يده في الغرائب ويوشكن أن يصرفن وجهه عنا. وذهبت إليها وقالت، إن أردت أن تحظي عند رسول الله فتعوذي بالله منه فلما دخل عليها رسول الله قالت أعوذ بالله منك. فقال: عذت معاذاً ثمّ خرج وألحقها بأهلها. وكانت تقول
{67}
بعد ذلك: أدعوني بالشقية. وقد ماتت كمداً، ولم يكن ليقعد بها حبها للرسول وإيثارها لها عن أن تنقاد لطموحها وقد أخرج بن سعد في طبقاته عن عائشة أنها قالت: ماغرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية، ومارية هذه بعث بها المقوقس صاحب الإسكندرية الى رسول الله في سنة سبع من الهجرة ومعها أختها وألف مثقال ذهباً وعشرين ثوباً ليناً وبغلته الدلدل وحماره غفير ومعهم خصي يقال له مابور وهو شيخ كبير. وقد بعث بهم جميعاً مع الحاطب بن أبي بلتعة. وقد عرض الحاطب بن أبي بلتعة على مارية الإسلام ورغبها فيه فأسلمت هي وأختها ثمّ تزوجها رسول الله فولدت له إبراهيم، وكان معجباً بها وقد كانت بيضاء جعدة جميلة وقد وهب رسول الله لمن بشره بولادة إبراهيم عبداً. وقد حدَّثت السيدة عائشة قالت: لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله إلي فقال: أنظري إلى شبهه بي. قلت: ما أرى من شبه. فقال رسول الله (ص): ألا ترين الى بياضه ولحمه؟ فقلت: كل من سقي ألبان الضأن ابيضَّ وسمن. هذا كان شعور السيدة عائشة تجاه مارية حينما أحست أنها أخذت تحتل مكانة في قلب النبي صلوات الله عليه. وهكذا كان شعورها تجاه ابن رسول
{68}
الله وقد حمله بيديه فرحاناً به طروباً لقدومه. ولكنها لسبب من طموحها وغيرتها أجابته بهذا الجواب، وكانت هذه الأنفعالات تدفع بها إلى مواقف وتصرفات خاصة كأن تكسر صحاف بعض زوجات النبي إذا جئن للنبي بطعام مع طعامها، وكان رسول الله يغرمها الصحفة فيدفع بصحفتها للتي كسرت صحفتها، فإنها، في سبيل تملك رسول الله (ص)، لم تكن تتوانى عن أي شيء حتى عن الطعن في بنوة ابن رسول الله، وحتى عن النيل من مقام السيدة خديجة. وقد ظلت بعد النبي وتوفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشر خلون من شهر رمضان من السنة السابعة أو الثامنة والخمسين للهجرة.
ومن النساء اللآتي دخلن في حياة النبي صفية بنت أحي بن أخطب من سبط هارون بن عمران من بني إسرائيل، وأمها برة بنت السموأل من بني قريظة، وكان قد تزوجها سلام بن شكيم القرظي ثمّ فارقها فتزوجها كنانة بن الربيع من يهود بني النضير وقتل يوم خيبر. وأصطفناها النبي من بين الأسرى وخيَّرها بين الإسلام واللحوق بأهلها فأختارت الإسلام وأسلمت فتزوجها رسول الله. وقد ذهبت اليها عائشة متنقبة فسألها النبي: كيف
{69}
وجدتها؟ فقالت: وجدتها يهودية. فقال: لا تقولي هذا فإنها أسلمت.
كما أن من النساء المسلمات اللاتي اشتركن في حياة النبي الزوجية أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية سهيل زاد الركب ابن المغيرة المغزومية وأمها عاتكة بنت عامر، وكانت قد تزوجت أبا سلمة عبد لله بن عبد الأسد المخزومي، وهاجر بها إلى الحبشة الهجرتين فولدت له هناك زينب وسلمة وعمر ووردة. وقد حضر أبو سلمة أُحُد فقتل إثر جرح. وقد تزوجها الرسول بعد ذلك وكانت سيدة صالحة كاملة وتوفيت في عهد يزيد بن معاوية بعد قتل الحسين عليه السلام.
ومن زوجاته أيضاً حفصة بنت عمر بن الخطاب، وقد ولدت قبل البعثة بخمسة سنين وتزوجها عنبس بن حذامة وهاجرت معه إلى المدينة فمات عنها بعد رجوع النبي من غزوة بدر. ثمّ تزوجها النبي وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية وقد صلى عليها مروان ودفنت في البقيع.
ومن زوجاته أيضاً بنت عمته زينب وكان قد زوجها بزيد بن حارثة ولكنها لمن تستطع أن تنسجم معه، ولم
{70}
يستطع هو أن ينسجم معها أيضاً، نظراً لاختلاف أجوائهما وتباين منزلتهما. ولكن رسول الله أراد أن يعطي في هذا درساً إسلامياً لكل من يتعالى أو يتسامى بشيء غير الإسلام، وأراد أن يفهم المسلمين أن الرجل بإسلامه ودينه وأن المسلم كفء المسلمة. ولكنه عندما رأى استحالة التوافق بينهما أشار عليهما بالطلاق (1)، وتزوجها النبي حرصاً على أن يعوضها عما صدمت فيه في زواجها الأول، وبهذا فقد أعطى رسول الله (ص) درسه، ولم يغبن حق زينب بل جعلها أم المؤمنين وزوجة رسول الله (ص)، وأخيراً فأولاء نساء عشن في حياة النبي كل منهن حسب مكانتها وكفاءتها في الحياة.
______________________________
(1) تم زواج الرسول (ص) من زينب بأمر من الله سبحانه وتشريعاً للأمة لأن العرب في الجاهلية كانت تنكر على من يتزوج من أمرأة من يتبنَّاه من غير صلبه فيصبح عندهم بحكم الولد فأراد الله أن يقضي على هذه العقيدة الوهمية التي لا ترتكز على أساس من الصحة، كما جاء في كتابه العزيز: (فلما قضى زيدّ منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولا * ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنَّة الله في الذين خلوا من قبلُ وكان أمر الله قدراً مقدوراً)الأحزاب 37-38.
الناشر.
المرأةُ في شَريعةِ النبي .. (قِيمةُ المَرأةِ في الاسلامِ)
المرأة هي المدرسة الأولى في الحياة، وهي أحد العنصرين الأساسيين في تكوين المجموعة البشرية. فنحن حينما نذكر المرأة نرى أنها مدرسة نشء ومربية أجيال. وحينما نأتي لنتحدث عن دورها في المجتمع نلاحظ أنها في الواقع نقطة لانطلاق المجموعة البشرية، ولولاها لما كان هناك بشر على وجه الأرض.
ونظراً لكونها المعهد الفطري للوليد ولكون صدرها هو واهب الحياة للجيل اهتم الإِسلام بأن يلقي الضوء في شريعته وأحكامه على المرأة ومكانتها في المجتمع والحياة، وأن يرتفع بها إلى مصاف الرجل لها ما له وعليها ما عليه، بعد أن كانت المرأة مهضومة الحق في جميع الأنظمة الدولية التي وجدت قبل الإسلام.
حتى أن كثيراً من الأمم كان قد راج فيها وأد البنات خوفاً من عار وجودهن على وجه الأرض. وكان العلماء وزعماء الديانات يبحثون ويتناقشون على طول قرون عديدة في أن المرأة هل هي إنسان أو غير إنسان، وهل تحمل روحاً أم لا، وكانت الديانة الهندوكية مثلاً قد سدت أبواب تعليم كتبهم المقدسة على المرأة لعدم جدارتها لذلك. والديانة البوذية لم يكن فيها سبيل لنجاة لمن اتصل بامرأة. وأما في الديانات النصرانية واليهودية فقد كانت المرأة هي مصدر الإِثم ومرجعه فيهما. وكذلك اليونان فلم يكن للمرأة عندهم أي نصيب من العلم والحضارة ولا ثقافة ولا حقوق مدنية، وعلى مثله كانت الحال في الروم وفارس والصين وما عداها من مراكز الحضارة الإنسانية. وكان نتيجة لهذا المقت العام الذي كانت تشعر به المرأة أنها نسيت أنّ لها مكانة اجتماعية وأنّ لها كياناً خاصاً.
ولكن الإِسلام هو الدين الوحيد الذي جاء لكي يعطي الصنفين الذكر والأنثى حقه في الحياة، وهو الدين الوحيد الذي أصلح عقلية الصنفين وبعث في الأذهان فكرة إعطاء حقوق المرأة وحفظ كرامتها. ومن ناحية أخرى فتح
{75}
أمامها أبواب العلم والمعرفة وأباح لها أن تتعلم ما تشاء من العلوم المقدسة كقراءة القرآن ودراسته وتفسيره إذا أمكنها ذلك. وقد جاء في الروايات عن رسول الله (ص) أنه قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. وقد أشاد القرآن بالمرأة وخصها في آيات كثيرة تبين مكانتها في المجتمع (فاستجاب لهم ربهم أنِّي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) (1). (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)(2). (من عمل سيئة فلا يجزى إلاّ مثلها ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب)(3).
وذلك لكي تشعر المرأة المسلمة بمسؤوليتها في المجتمع ولكي يشعر المجتمع بوجودها وباعتبارها عضواً أساسياً في حياته، ولكي لاتستغل إمكانياتها العاطفية والتكوينية أستغلالاً ظالماً. وعلى هذا الأساس فإن المرأة
______________________________
(1) سورة آل عمران آية 195.
(2) سورة النحل آية 97.
(3) سورة غافر آية 40.
{76}
المسلمة قد حصلت في ظل الإسلام على حقوق وإمكانيات لم تحصل عليها أية أمرأة سواها في شتى القوانين والتشريعات. وقد أرتفع الإسلام بالمرأة لحسابها الخاص ولمجرد كونها إنسانه وأعطاها حقها الطبيعي في كل أدوار حياتها الإجتماعية، ونحن الآن في صدد إعطاء فكرة مختصرة عن المرأة في تشريعات الإسلام ومفاهيمه.
المَرأة
جاء في الروايات الواردة عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام رواية يحدد فيها مفهومه ومفهوم الإسلام عن المرأة فيقول: (المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح) وهو يقصد بها أن يقرر أن الإنسانية في نظر الإسلام لها قيمة واحدة وميزان واحد للكرامة بقطع النظر عن كل الصفات الطبيعية التي يتميز بها الأفراد. وهذا الميزان الوحيد في نظر الإسلام هو الصلاح والتقوى، والأفضلية عند الإسلام هي أفضلية العمل الصالح.
فمهما كان الصلاح هنا متوفراً كانت الإنسانية أفضل وأكمل. ومهما أبتعد الإنسان عنه خسر بذلك كرامته في مفهوم الإسلام كائناً من كان. فلا الرجل بما هو رجل يفضل المرأة، ولا المرأة بما هي أمرأة تفضل الرجل. ولا
{78}
يتعارض هذا مع الوظائف التي وزعت على الرجل والمرأة في الأسرة الإسلامية ولا مع القيمومة التي أعطيت للرجل على المرأءة فيها. فإن هذه القيمومة التي اضطلع الرجل بموجبها بإدارة معاش البيت والحفاظ على وحدته لا تعبر إلاّ عن توزيع طبيعي للوظائف في مجتمع صغير وهو الأسرة المتكونة من أب يعيل ويحافظ وأم تلد وتربي فهي ليست قيمومة أفضلية وإلا لكان كل رجل قيماً على المرأة التي يعايشها وإن كانت أمه أو أخته وليس الأمر كذلك.. هذا بعض ما عناه الإمام الصادق (ع) في قوله إن المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح. وقد أراد الإمام أيضاً أن يفتح أمام المرأة مجالاً يمكنها فيه من أن تسمو بصلاحها على ألف رجل غير صالح، وأن تثبت للمجتمع أنها مؤهلة للتفوق على الرجال إذا تقدمت عليهم بالتقوى والصلاح، وانعكس ذلك في مختلف حقول حياتها العائلية والاجتماعية. ولا يكفي أن تكون صالحة في بعض تلك الحقول دون بعض بل المرأة الصالحة هي التي أنشرح صدرها للإسلام ولتعاليمه فطهرت روحياتها من عوامل الشر وعقمت فكرتها من شوائب الأهواء الشيطانيه وحسنت سيرتها في محيطها الخاص ومحيطها العام،
{79}
وأغلقت أمام عواطفها جميع أبواب الحسد والرياء والمكر والخداع، وفتحت مشاعرها لتلقى كل ما هو خير وسليم، وسلم منها المجتمع وسلمت منه لا تظلم مسكيناً ولا تهضم حقاً ولا تعتدي على أحد ولا تظن بأحد السوء. وتحمل أختها المسلمة على سبعين محمل من الخير كما قد أوصاها به الله ورسوله. هذه هي المرأة الصالحة التي جعل منها الإمام خيراً من ألف رجل غير صالح.
وهذا هو مفهوم الإسلام عن المرأة بما هي إنسانة لها عملها الصالح الذي يرتفع بها إلى حيثما تشاء تبعاً لمدى توفره فيها.
والآن فهل لي أن أقول كلمة أخيرة وقبل أن أبدأ بالبحوث الباقية فأقول أن الصلاح بمعناه الحقيقي قلما يتفق لنا نحن بنات حواء، وإصادف فاتفق لواحدة منا قام مجتمعها الظالم في إبعادها عنه أو إبعاده عنها بأي سبيل، وحتى بدون أن تشعر هي أيضاً. والذنب في هذا ذنبنا نحن وذنب مجتمعنا الفاسد الذي تنعكس فيه المفاهيم وتنقلب القيم ويتنكر للمثل، وإلاّ فإن أبواب الرقي الحقيقي مفتوحة أمامنا لا ترد وافدة ولا تمتنع من قبول قاصدة وإسلامنا يعزز ذلك ويشيد فيه ويدعو إليه.
المَرأة وَالعَمَل
يقوم تقسيم الوظائف في كل مجتمع ومحيط على أساس تقبل الأشخاص لتلك الوظائف وإمكانياتهم للقيام بها على أحسن وجه. وتقسيم العمل هو ضرورة من ضرورات المجتمع في جمعيع النواحي والمجالات. وتقسيم العمل يؤدي الى سهولة القيام به مهما كان صعباً ويؤدي أيضاً إلى سرعة الإنتاج مهما كان بطيئاً وتقسيم العمل والوظائف يساعد المتخصص في كل قسم منه على النبوغ في ذلك القسم والتعمق فيه خلافاً لما لو اختلف توزيع العمل وتعاقبت الأعمال المختلفة على العامل فإنه سوف يخسر مرونته وعبقريته التي قد يحرزها في عمل واحد.
فإن لكل شخص من الأشخاص استعداده الخاص وطبيعته الخاصة به وتكوينه الفطري والنفسي فنحن لا
{82}
ينبغي لنا مثلاً أن نجعل من فنان مهندساً أو نجعل من مهندس فناناً فإن لكل منهما هوايته واستعداده الخاص ولا ينبغي لأي منهما أن يخالف اتجاهه الطبيعي أو يعاكس أهواءه وأستعداده.
فنحن إذا أجبرنا العامل الميكانيكي مثلاً على أن يكون فناناً وإذا أجبرنا الفنان على أن يكون ميكانيكياً نحكم على مواهب كل من الطرفين بالعدم في الوقت الذي نحصل فيه على أبرع عامل ميكانيكي وعلى أروع فنان لو تركنا كلاً منهما يسير وراء هوايته وطبيعته الفطرية. فتقسيم العمل يعتبر من أهم الظواهر الطبيعية، وقد شمل حتى تكوين الإنسان وتركيبه العضوي، فإن لكل عضو من أعضاء الإنسان عمله الخاص وفائدته الخاصة وبهذا تكون جميع أعضاء الإنسان متساوية من ناحية الاستهلاك ومتوازية في إنجاز المهام مثلها في ذلك كمثل تقسيم العمل في المعمل الصناعي، فتقسيم العمل في المعمل الصناعي من شأنه أن يستوجب استعمال كافة الآلات الموجودة في مصنع من المصانع في وقت واحد.
ولا شك أن هذا الاستعمال مفيد من عدة نواحي،
{83}
فهو مفيد للآلات نفسها إذ أن الحركة أفضل لها من الوقوف، كما هو مفيد بالنسبة للإنتاج إذ أن العامل الذي يتخصص في إدارة آلة معينة يستطيع أن يحصل على أكبر فائدة مرجوة منها؛ وبذلك تصل قوة الأنتاج إلى أقصى درجتها. وحتى على الصعيد الدولي فإنا نجد أن تقسيم العمل قد انتشر بين الدول والأقاليم بل وحتى في الدولة الواحدة نفسها، وذلك تبعاً لصفات السكان فيها واستعدادهم الذاتي لأي أنواع العمل، وبحسب تربتها ومناخها ونوع المعادن الموجودة فيها ونوعية المحصولات التي تنتجها والقوى المتحركة وتوزيعها.
فقد تتخصص بعض الدول في صناعة المنسوجات وبعضها في صناعة المواد الكيميائية مثلاً وقد تتخصص غيرها في تربية الأغنام أو زراعة القطن أو إنتاج النفط بناءً على استعداد الدولة وإمكانياتها. ولا شك أن تقسيم العمل بين الأفراد في جميع المجالات له أثر كبير في حياتنا الاجتماعية فعلاوة على المزايا العديدة التي يتضمنها فإنه يحكم الروابط بين الأفراد ويشعر الإنسان بحاجته الى أخيه الإنسان وبأنه لن يستطيع أن ينتج بنفسه كافة الأشياء
{84}
اللازمة له فهو مضطر الى أن يعتمد على غيره في الحصول عليها.
وعلى هذا فإن كل واحد من المجموعة البشرية يشعر بأنه مشدود جذرياً إلى أخيه الإنسان وهذا الشعور يولد التقارب اللااختياري في المجتمع. فإذا كان تقسيم العمل شاملاً لكل المجالات في جميع الأحوال، وإذا كانت الحياة قائمة على أساس تقسيم العمل في جميع نواحيها، فمن الطبيعي جداً أن يأخذ الإسلام بهذا المبدأ في تقسيم العمل بين المرأة والرجل فيسند لكل منها الدور الذي هو أكثر كفاءة للقيام به.
فإن لكل من المرأة والرجل مزاجاً خاصاً وتكويناً معيناً لا ينبغي لأي منهما أن ينحرف عنه أو ينفصل منه.
فتوزيع المهام إذاً بين الرجل والمرأة لا يقوم على أساس تسخير احدهما للآخر بل على أساس تقسيم العمل وإعطاء كل منهما نوع المهمة التي تنسجم مع طبعه ومزاجه. ولولا توزيع هذه الوظائف والتهيئة التكوينية لهذا التوزيع لما أمكن للبشرية أن تعيش على وجه الأرض فكما أن على المرأة أن تقوم بوظائفها الطبيعية في الحياة
{85}
كذلك على الرجل أيضاً أن يقوم بمهامه بالنسبة للمجتمع والحياة، ويكون إنجاز هذه الوظائف الطبيعية على سبيل التعاون والتكافوء لا على سبيل التسخير والأستخدام.
هذا هو التقسيم السماوي للوظائف البشرية دون استغلال من أحد الطرفين. وهكذا شاءت العدالة الربانية أن تجعل البشر متساوين في الوظائف متكافئين في الأعمال دون ظلم أو إجحاف. وتقسيم الوظائف على هذا النحو يحفظ لكل من الطرفين مكانته الاجتماعية ويحافظ في الوقت نفسه على كيانه الخاص، ويجعلهما معاً خادمين للمجتمع على صعيدين متساويين، وكل حسبما تفرضه عليه طبيعته ويدله اليه تكوينه.
ولذلك فقد أسند للمرأة خدمة المجتمع في داخل البيت وأسند للرجل خدمة المجتمع في خارج البيت. وذلك لأن المرأة بطبيعتها الأنثوية الرقيقة أجدر بإدارة البيت الذي يقوم على الحب والعطف والحنان.
ولكن هذا التوزيع العادل للوظائف أخذ يستغل من قبل بعض دعاة الشر لإِبرازه في صورة معاكسة تماماً للواقع تنتج عنه تصورات خاطئة عن أن المرأة في الإسلام لا تعد
86}
إلاّ كونها أداة عمل وآلة إنتاج تحت سيطرة الرجل. وكان نتيجة لهذه الدعايات السامة أن أخذت المرأة المسلمة تستشعر بنقطة ضعف موهومة وصارت تحاول أن تمحو عنها هذا النقص.
وبما أن الوسيلة الوحيدة التي تمكنها من ذلك هي عدالة السماء وتفهمها الواقعي للحكمة العادلة في هذا التوزيع، وبما أنها قد أنصرفت عن هذه الناحية بعد أن توهمت اليأس منها، فإنها لن تتمكن من الاهتداء إلى ما تسعى، مهما حاولت ذلك ومهما بذلت في سبيل ذلك الغالي والرخيص من عزتها وكرامتها وطهرها الغالي الثمين.
المَرأة وَالحِجَاب
الحجاب ليس كما يتوهم البعض من أنه ختم ملكية المرأة للرجل، فإن المرأة والرجل من الناحية الإنسانية سواء لم يخلق أحدهما ليملك الآخر بل خلق أحدهما ليتمم الآخر ويكمله، ولكل منهما جانبان مزدوجان: فالرجل إنسان وذكر والمرأة إنسان وأنثى، وكل منهما بوصفه إنسان يسمح له بالمشاركة في خدمة المجتمع على أن يظهر في مجال الخدمة كإنسان لا أكثر ولا أقل. إذن فعدم تظاهر المرأة بأنوثتها لا يؤخذ دليلاً على أن الإسلام أراد أن يحجبها من المجتمع فهي عندما تتصل بالمجتمع تتصل به لحساب كونها إنسان طبعاً فكما أن للرجل أن يثبت إنسانيته في الوجود، للمرأة أيضاً أن تثبت وجودها الإنساني، حالها في ذلك حال الرجل سواء بسواء. وفي النواحي التي يتحتم على المرأة التستر فيها يتحتم على
{88}
الرجل ذلك أيضاً فكما أن المرأة لا يمكن لها أن تتظاهر بأنوثتها وبكونها الجنس الناعم عن طريق الخلاعة والتبرج لا يمكن للرجل أن يتظاهر برجولته وذكورته ولا يمكن له أن يعيش في المجتمع الواسع إلاّ كإنسان، كالمرأة التي لا يمكن لها أن تعيش في المجتمع الواسع إلاّ كإنسانة، وفي المواطن التي يظهر فيها الرجل كرجل علاوة على كونه إنساناً يمكن للمرأة بل ويجب عليها أن تظهر بمظهر الأنثى علاوة على كونها إنسانة.
وبما أن جاذبية المرأة وسحرها أقوى وأشد تأثيراً من جاذبية الرجل وسحره كان حجاب المرأة أوسع وأشمل من حجاب الرجل. فالمرأة التي تظهر في المجتمع بمظهر إنسانة بدون إشارات وهوامش تشير إلى أنوثتها، تكون مساوية للرجل. على العكس تماماً من المرأة الغربية، التي إن قال لها الرجل أنها حرَّة في تصرفاتها وفي كل شيء تكون في الواقع مقيدة بإرضاء الرجل أي رجل كان وإشباع رغباته، إذ فرض عليها تظاهرها بأنوثتها باسم الحرية على ما يتطلب ذلك من تعب وجهد وعلى ما يستنفذ ذلك من وقت المرأة.
فهل من الأنسانية أن تكون المرأة سلعة تعرض
{89}
لعيون الرجال المتعطشة؟ وهل أن من مستلزمات إنانية المرأة أن تصرف الساعات الطوال في محلات «الكوافير» وتحت أيدي المواشط مع ما يلزم ذلك من استهلاك وقت مادي ومعنوي؟
كل هذا لأجل أن تُرضي الرجل فهل يمكن لهؤلاء النساء أن يظهرن ولو مرة واحدة فقط بدون علامات تدل على أنوثتهن معتمدات على شخصيتهن أو على معارفهن؟ وهل خطر لإحداهن مرة في أنها لو دعيت الى الحفل الفلاني سوف تكون المبرزة بين لداتها لما تملك من معرفة أو لما تتمتع به من شخصية؟ بل إن أفكارهن تتجه أول ما تتجه في أمثال هذه المناسبات الى أناقتهن والى تحصيل الأسباب التي تجعل إحداهن أكثر جاذبية وفتنة من الأخرى.
وأنا لا أريد أن أقول أن مستلزمات الأناقة التبرج أو أن التبرج من مستلزمات الأناقة، ولا أريد أن أدعو إلى التقشف ولكني أريد أن أنبه اللاتي جعلن في التبرج والتأنق عماد شخصيتهن أن الواقع يؤكد أن هذا شيء ثانوي لا يعدو كونه إرضاءً للرجل ولو بسبعين واسطة.
المَرأة وَالملكيَة
للمرأة المسلمة الحق الكامل في التملك الشخصي والتصرف الكلي فيما تملك من مال وعقار، وفي كل أدوار حياتها، سواء أكانت بنتاً أو زوجاً أو أماً، وفقاً للنظام العام. وليس للزوج المسلم حق في أن يتصرف بما يخص زوجته المسلمة أو أن يمس شيئاً مما تملك بغير إذن منها ورضاء.
ومن هذا نرى أن الإسلام قد أعطى بتشريعه هذا للزوجة المسلمة حقوقاً لم تحصل عليها في تشريعات أي حضارة أخرى منذ أقدم العصور وحتى الآن. ففي الشرائع الحديثة التي تعتبر القمة في التشريع البشري وُضعت شروط عامة للزواج وَرُبِطَ عقد الزواج بعقد آخر أطلق عليه إسم عقد ترتيب أملاك الزوجين، وهذا العقد يجعل ثروة الزوجة الى حد كبير تحت سيطرة الزوج ويحرمها من
{92}
سيطرتها المطلقة بوصفها مالكة للمال، بينما يمنح هذه السيطرة للزوج لا على ماله فحسب بل على مال زوجته أيضاً وفقاً لأحد أشكال أربعة سمح القانون بصياغة العقد طبقاً لأي واحد منها تبعاً لما يقع عليه اختيار الزوجين. والأشكال الأربعة هي كما يلي:
أولاً - شركة الزوجين وهو تقسيم أملاك الزوجين إلى ثلاثة: قسم عام للزوجين غير قابل للقسمة وقسم خاص بالزوج وقسم خاص بالزوجة، وللزوج وحده حق إدارة الأقسام الثلاثة كرئيس للشركة.
والثاني - بدون شركة أو استبعاد الشركة: وهو أنه لا يوجد في هذا القسم أملاك عامة فكل زوج يحتفظ بأملاكه الخاصة لكن للزوج وحده حق إدارة أملاكه وأملاك زوجته واستثمارها.
الثالث - فصل الأملاك. وفي هذا القسم منافع الزوجين منفصلة فكل واحد منهما يحتفظ بملكيته لأملاكه واستغلالها وإدارتها على شريطة أن تترك الزوجة إلى زوجها جزءاً من إيرادها اشتراكاً معه في نفقات المعيشة.
الرابع - المهر وهو تقسيم أملاك الزوجة إلى مهر
{93}
وغير مهر: فالمهر ما جعلته المرأة مهراً عند الزواج من أملاكها أو ما أعطي إليها في عقد ترتيب أملاكها من أقاربها مثلاً، وللزوج حق إدارته واستثماره فقط.
ولنقف الآن عند الشكل الأول من هذه النظم وهو شكل الشركة الزوجية، ففيه أن للزوج إدارة ماله الخاص ومال الزوجة الخاص ومال الشركة. وحق إدارة أملاك شركة الزوجية خاص بالزوج كرئيس لها وهو حق خوله له القانون فلا يجوز انتقاصه ولا الغاؤه بشرط في عقد ترتيب أموال الزوجين. وسلطة الزوج في إدارة الأموال المشتركة تكون في الأعمال الإدارية ومباشرة رفع الدعاوى أمام القضاء. وفي الأعمال الإدارية المحضة تكون سلطة الزوج فيها غير محدودة فيؤجر ويستأجر العقار من غير تحديد، وله قبض الإيراد وله أن يتصرف فيه كما يريد ويقبض رأس المال من غير مراقبة ولا إذن من أحد. وكذلك له السلطة غير المحدودة في التقاضي، فسلطة الزوج في ذلك غير محدودة وليس للزوجة الرجوع عليه بأي تعويض ولو أخطأ خطأ فاحشاً أو أدار إدارة سيئة أو بذر تبذيراً يجعله مسؤولاً قانونياً فهو يعمل كمالك حقيقي ليس عليه أي مسؤولية قبل أي شخص كان، وللزوج أيضاً.
{94}
إدارة أملاك الزوجة الخاصة لكن سلطة الزوج في ذلك تختلف عن سلطته في إدارة أموال شركة الزوجية كالآتي:
أولاً - لا يجوز منع الزوج من مباشرة سلطته في إدارة أموال شركة الزوجية حتى ولو بشرط في عقد ترتيب أموال الزوجين ولكن منع الزوج من إدارة أملاك الزوجة الخاصة يجوز اشتراطه في عقد ترتيب أموال الزوجية فيمكن للزوجة بعد الشرط أن تحتفظ بإدارة أملاكها لنفسها خاصة.
ثانياً - سلطة الزوج على أموال شركة أموال الزوجية سلطة مطلقة كمالك حقيقي ولكن سلطته على أملاك الزوجة الخاصة سلطة إدارة عادية فقط.
ثالثاً - الزوج غير مسؤول في إدارته السيئة والإسراف والتبذير في شركة أموال الزوجية بخلاف إدارة أملاك الزوجة الخاصة فهو مسؤول عن كل خطأ أو إسراف أو تبذير كمدير عادي. وعلى هذا فنحن نرى أن سلطة الزوج على الزوجة في أملاكها الخاصة أقل منها في أموالها الخاصة إذا صح لنا أن نعتبر أن تلك الأموال تعتبر أموالاً لها بعد الزواج.
{95}
ولكن عقد الزواج في التشريع الإسلامي لا يتعدى شخص الزوجين الى مالهما أو عقارهما اطلاقاً فلا علاقة للزوج بمال زوجته إطلاقاً لأي سبب كان. فالزوجة حرة في أن تبيع وتشتري وترهن وتوكل من تشاء لما تشاء بلا معارضة من الزوج إلاّ في حدود القانون العام من إسراف أو تبذير أو سفه مثلاً فليس للزوج إذاً دخل في مالية الزوجة ولا في أهليتها.
فهي كاملة الأهلية في التصرف بأموالها وأملاكها قبل الزواج أو بعده بلا فارق، ومهما كانت الزوجة غنية فليست ملزمة في المساهمة بنفقات البيت ولا في نفقات الأولاد وإذا أنفقت فإنما تنفق نتيجة لروح التعاون لا لحق شرعي أو عرفي. والمهر وما يدفع الى الزوجة قبل الزواج أو بسببه من الزوج او من غيره من الأقارب والأصحاب هو ملك خالص للزوجة لاشأن للزوج به ككل أملاكها وأموالها.
هذا هو الزواج في الإسلام وهذه هي المقارنات التشريعية بينه وبين باقي القوانين الوضعية وهذه هي أحكام المرأة في الإسلام والتي تدل على أن الزوجة المسلمة قد
{96}
حصلت على حق لها في تشريعات الإسلام كما لم تحصل عليه أي زوجة في أي حضارة.
ثمّ هذه هي المرأة الغربية وقد أعطيناك عنها لمحة موجزة إذ هي زوجة ورأينا استغلال الرجل لها وتلاعبه بأموالها دون حسيب أو رقيب.
وبعد كل هذا يقال أن المرأة الغربية حرة متحررة وأن المرأة المسلمة أسيرة مستعبدة. ونحن لو أردنا أن نأتي على جميع المقارنات التشريعية للمرأة المسلمة والمرأة الغربية لضاق بنا المجال. ولعلنا سوف نبحث هذا الموضوع في رسالة أخرى إنشاء الله، ولكن الآن يكفينا لإثبات حرية المرأة المسلمة وعبودية المرأة الغربية هذا المثل الواحد الذي ذكرناه في حق المرأة بالتملك.
وقد قنعت المرأة الغربية من الرجل أنه فتح أمامها أبواب الخلاعة والتكشف وهيأ لها سبيل الاستهتار والتبرج. وحتى هذا فإنه لم يكن لحساب المرأة الغربية ولا كان إرضاءً لها ولرغبتها الخاصة بل كان لحساب الرجل وإشباعاً لنزواته ورغباته. فحتى في عالم الخلاعة والتبرج ليست المرأة الغربية مختارة حرة وإنما هي خاضعة أيضاً
{97}
لشركة جسدية تقابل الشركة المالية ويكون للرجل في هذه الشركة حق التصرف والاختيار. أيضاً فقد تعجبه التسريحة الفلانية أو الزينة الفلانية وقد لا يعجبه الزي الفلاني أو التصميم الفلاني. وفعلاً فإن أكثر مصممي الأزياء من الرجال يخلعون على المرأة الزي الذي يروق لهم والذي يرضي عيونهم وأذواقهم.
وعلى كل حال فإن المرأة الغربية مسخرة للرجل ولميوله ونزواته.
وأما الإسلام فهو لا يقيد المرأة المسلمة بأي قيد ولا يوجه اليها أي تكليف خاص بها دون الرجل إلاّ بالحجاب. والحجاب كما قدمنا في الفصول السابقة ضرورة من ضروراتها وحقيقة واقعية من حقيقتها الأنثوية وليس له أي أثر على سلوكها العام أو الخاص..
فتصوروا أيهما شريعة الكرامة والحرية الحقيقية بالنسبة للمرأة، شريعة تقول: من تزوج امرأة لمالها حرمه الله من مالها لأنها تريد من الرجل أن ينظر الى المرأة بالمقاييس الإنسانية لا يالمقاييس النقدية وأن يعتبرها شريكة له في حياته لا تجارة رابحة، وبين شريعة أخرى تنزل
{98}
بالزواج عن مفهومه الإنساني الخير وتربط بينه وبين إنشاء شركة مالية لحساب الرجل يخرج فيها الرجل وهو يملك كل شيء وتخرج منها المرأة وهي لا تملك شيئاً سوى جواز المرور الذي حصلت عليه من الرجل نفسه.
نعم سوى جواز المرور في الشارع والدخول إلى المنتديات متكشفة متهتكة.
بقي علينا الحديث عن مسألة قد تثار بشأن ملكية المرأة وحقها من التملك في الإسلام وهي مسألة الإرث؛ إذ أن الإسلام جعل للرجل فيه مثل حظ الأنثيين، وقد تفسر هذه التفرقة لحساب الرجل.
ولكن الواقع أن هذا الفرق مرتبط بوضع الالتزامات التي وضعها الشارع بين الرجل والمرأة فالرجل المسلم هو المسؤول الشرعي والعرفي لأعمال الزوجة والبيت وهو المكلف بتهيئة مؤونة العيش ومستلزمات الحياة لمن يعول. ولهذا فإن من حقه الطبيعي أن يختلف عن المرأة في الإرث ويكون له من الإرث مثل حظ الأنثيين على العكس تماماً من المرأة المسلمة فهي غير مسؤولة شرعاً
{99}
ولا عرفاً عن أي نفقة أو صرف كما قدمنا في هذا الفصل ولذلك فليس في هذا أي هضم لحقوق المرأة ولا أي مكسب للرجل دونها من الميراث فهي في الحقيقة تشاركه في الزيادة التي يأخذها باعتبار المسؤولية التي تقع على الرجل تجاهها.
المَرأة البنت
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نعم الولد البنات ملطفات مجهزات مؤنسات» هذا هو التقريظ النبوي المقدس للبنت وهذه هي فكرة الإسلام عن الوليدة وعن أهميتها في الوجود.
وقد يعتبر هذا الحديث طبيعياً في مثل هذا العصر وبعد أن ركز الإسلام للمرأة كيانها الخاص وبعد أن عمت فكرة الإسلام عن كون البنت والولد في ميزان واحد. ولكن هذا الحديث جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله في عصر كانت العوائد الجاهلية فيه مستحكمة وكانت البنت فيه موؤدة خوفاً من عار بقائها في الحياة. وكان من أسباب عار الرجل أن يكون أبا بنات حتى أن أعداء رسول الله (ص) كانوا يجعلون من أبوة رسول الله للبنات سبيلاً إلى الاستهزاء والسخرية. وقد جاء في
{102}
الروايات أن رسول الله (ص) بشر بإبنته فنظر الى وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم فقال: مالكم؟!.. ريحانة أشمها ورزقها على الله عزّ وجلّ.
وهكذا نرى أن الإسلام أرتفع بالبنت الموؤدة الى ريحانة وإلى خير الولد. وقد روي عن رسول الله الأعظم (ص) أنه قال: إن الله تبارك وتعالى أرقّ على الإناث منه على الذكور وما من رجل يدخل فرحة على أمرأة بينه وبينها قرابة إلاّ فرَّحه الله يوم القيامة.
وهكذا وعلى هذا النحو غرس الإسلام في صدور المسلمين حب البنات وأفهمهم أنها فلذة لهم مثلها في ذلك مثل الولد سواء بسواء. وجاء في الروايات أنه ولد لرجل من أصحاب الإمام أبي عبد الله (ع) جارية فدخل على أبي عبد الله فرآه مسخطاً فقال له: أرأيت لو أوحى الله إليك أن أختار لك أو تختار أنت لنفسك ما كنت تقول؟ قال: كنت قول يا رب تختار لي. قال: فإن الله عزّ وجلّ قد اختار لك. ثمّ قال: إن الغلام الذي قتله العالمُ الذي كان مع موسى وهو قول الله عزّ وجلّ، (فأردنا أن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خيراً منه زكاة وأقرب رحماً)
{103}
الكهف / 81، أبدلهما الله عزّ وجلّ بجارية ولدت سبعين نبياً.
وقد روي عن أبي عبد الله (ع) أيضاً أن رجلاً تزوج بالمدينة فلما جاءه سأله أبو عبد الله كيف رأيت؟ فقال: ما رأى رجل من خير من إمرأة إلاّ وقد رأيته فيها، ولكن خانتني. فقال: ما هو؟ قال: ولدت جارية. فقال أبو عبد الله: لعلك كرهتها، إن الله عزّ وجلّ يقول
آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً). النساء / 11. وهذه الرواية تدلنا على المهمة العسيرة التي واجهت الإسلام في مطلعه الأول عندما ركز للبنت مقاماً معترفاً به شرعياً ورسمياً وعاطفياً. فبعد مضي حوالي القرن نرى أن هذا الرجل يعتبر أن زوجته قد خانته لأنها ولدت له جارية، وهذا هو السبب في كثرة الروايات التي وردت عن النبي يحبب فيها البنت ويقربها إلى القلوب ويجعلها ريحانة ونعم الولد.
البنتُ حِينَما تُصبحُ زَوجَة
الزوجة في الإسلام هي رباط مقدس يقوم على أساس الوفاء والحب والإخلاص. وقد اهتم الإسلام في هذه الناحية من حياة المرأة المسلمة وأعطى الزوجة الصالحة مفهوماً طاهراً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، ولا هضم فيه لحق أي من الطرفين: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم) (1).
ومن هذا نعرف أن الإسلام جعل من العلاقة الزوجية علاقة متكافئة، للزوجة فيها ما للزوج وعليها ما عليه. وأما الدرجة التي أعطيت للرجل على المرأة فذلك مرده لتكوين المرأة وتكوين الرجل.
فالمرأة، ونظراً لطبيعتها التي خلقت لها، تكون
______________________________
(1) سورة البقرة آية 228
{106}
أضعف من الرجل وأرق. وهي تتعرض في أدوار معينة من حياتها إلى أعراض طبيعية لها التأثير البالغ على قواها الجسمانية والفكرية خلافاً للرجل الذي هو في منأى عن أمثال هذه الأعراض وآثارها النفسانية والجسمانية. وقد أكد الطب القديم والحديث على هذه الناحية وعلى أن المرأة وفي معدل 74% تتعرض في أدوار معينة ونتيجة لتركيبها العضوي وكيانها الأنثوي الى أعراض من نتائجها تقليل قوة إمساك الحرارة في الجسم، وإعاقة النبض عن السرعة وهبوط في ضغط الدم، وتقليل عدد خلاياه. وتؤثر هذه الأعراض أيضاً على الغدد الصماء واللوزتين وعلى الغدد اللمفاوية وتقلل إخراج أملاح الفوسفات والكلوريد من الجسم، ويختل فيها الهضم ويقل فيها التحام الشحم والأجزاء الهيولينية في المأكولات مع أجزاء الجسم. وفيها يبلد الحس وتتكاسل الأعضاء وتتخلف الفطنة والذكاء وقوة تركيز الأفكار إلى آخر هذه الأعراض التي تكون المرأة في معرض لتلقيها بين حين وحين. ووجود أمثال هذه الأعراض أو بعضها من حقه أن يؤثر على المرأة وعلى وجودها الاجتماعي. وهذا ضرورة من ضرورات المرأة ونتيجة من نتائج تقسيم الوظائف بين
{107}
البشر. ولذلك فهي تحتاج دائماً وأبداً إلى من يشدها في جميع الأحوال وإلى من يسندها في كل وقت وهي ستجد في الرجل وجودها الثاني الذي لا يطرأ عليه أي تغير أو تبديل.
ولذلك جعل الإسلام للرجل درجة على المرأة وليس في هذا أي إجحاف لحق المرأة أو أي ظلم لها، بل هو نتيجة طبيعية لما قدمناه. وكذلك في أوقات الحمل الذي يعد أقدس مهمة تنجزها المرأة في الحياة تصاب أكثر النساء بأعراض كثيرة تكون من مستلزمات الحمل وتوابعه وتستهلك هذه الأعراض من المرأة جهداً بدنياً شاملاً. وقد صرح كثير من الأخصائيين أن الشهر الأخير من أشهر الحمل لا يصح فيه أن تكلف المرأة جهداً بدنياً أو فكرياً وعند ذلك أيضاً يأتي دور الرجل الزوج لكي يسيِّر معها دفة الحياة. والمرأة بطبيعتها الناعمة تحتاج الى ركن قوي تستشعر في ظله الأمن والرضاء.
ولو لم يكن للرجل على المرأة درجة لأصبح الرجل بالنسبة للمرأة كواحدة غيرها من النساء وعند ذلك تفقد هذا الشعور الذي تحتاجه كل أنثى وهو شعورها بأنها في حمى مكين وبأنها مسنودة إلى جبهة قوية.
{108}
فالمرأة كما عرفنا لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تتجرد عن أنوثتها التي هي ضرورة من ضرورات وجودها الإنساني. والأنوثة تعني الرقة والنعومة، والرقة والنعومة لابد لها ممن يعوضها عن ضعفها بقوته وعن رقتها بصلابته.
وإلاّ فإنَّ الإسلام هو أول نصير للزوجة بجميع أحكامه ومفاهيمه. وقد جاء في الروايات عن رسول الله (ص) أنه قال: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. وجاء في الروايات أن النساء في عهد النبي كُن قد وجدن فيه لأنفسهن نصيراً مشفقاً وملجأً حتى أنهن كُن يشكين اليه أدنى اعتداء يصلهن من أزاجهن وكان أزواجهن يحذرون أن يبدر منهم إليهن ما يشكينه الى النبي.
وجاء في الروايات عن الرسول (ص) أنه قال: خير متاع الدنيا المرأة الصالحة. وجاء عنه أيضاً: ليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة.
وعلى هذا النحو جعل الإسلام من الزوجية نموذجاً جديداً وأسبغ عليها مفاهيم سامية لا لبس فيها ولا غموض. والزوجة في الشريعة الإسلامية لها من الحقوق الزوجية ما عليها، وبهذا أوجد الإسلام من الزوجية رباطاً
{109}
محكماً ثابت القواعد له شروطه وأحكامه وليس متعة لهوٍ عابرة.
فالزوجة إذن ليست آلة مستخدمة للرجل وليست وسيلة لإنجاز مهامه وقضاء حوائجه، وليس للرجل عليها أي حق في هذا الباب كما قد أجمعت عليه الروايات والأخبار وأجمع عليه أيضاً جميع الفقهاء. وقد ترك الإسلام التعاون القائم بين الزوجين الى رغبة الزوجين في هذا التعاون وأستعدادهم لذلك ولا ريب أن الحب المتبادل والمودة التي جعلها الله بينهما تدفعهما إلى التعاون وتحبب اليهما ذلك التعاون، فهو تعاون متكافئ قائم على أساس الحب والرحمة والإخلاص. وعلى هذا فإن المرأة لا تشعر بأي غضاضة في ذلك فهي مخيرة لا مسيَّرة ومندفعة لا مدفوعة. وبما أن بيت الزوجية هو مملكة الزوجة الخاصة وعشُّها السعيد فلا ريب إذن من أن تكون المرأة أكثر اندفاعاً لتعمير هذا العش وتشييده من الرجل الذي يكون نطاقه أوسع من البيت وأعم. فالمرأة عندما تشعر أنها هي القائدة الواقعية للبيت وللمجتمع الصغير الذي تحسُّ فيه براحةٍ نفسية اذا أحسنت قيادته وحدها وأثبتت كفاءتها لتلك القيادة التي هي في الواقع بداية لقيادة المجتمع الواسع.
الزَوجَة حِينَما تصبحُ أمَّاً
الأمومة رسالةٌ مقدسة كُلفت المرأة بأدائها نظراً لكون دور الأمومة هو أدق أدوار الوظائف في الحياة. والمرأة ولكونها عاطفية بالطبع والفطرة يكون لها من عاطفتها الفياضة دافعً يشدها الى تحمل مهام هذا الدور ومشاكله. والأم وفي كل عصر من العصور كانت لها الأهمية القصوى في ذلك العصر وكانت الأمم المتقدمة تولي الأم اهتماماً خاصاً وتتخيرها وتنتقيها من بين مئات من النساء. فقد كان يتفق للرجل قبل الإسلام أن يقتني العديد من الجواري والزوجات ولكنه يحدد نسله في واحدة يكون على ثقة من عراقة أصلها وأصالة فرعها ولكن ذلك كله كان لحساب الولد لا لحساب الأم بما هي أم، ولكن الإسلام فتح أمام الأم آفاقاً جديدة أخرى تخص شخصها وكيانها الخاص. فمكانة الأم قبل الإسلام مكانة آلة الإنتاج التي يحرص
{112}
على أن تكون سليمة مستحكمة لكي تنتج الإنتاج السليم. ومكانة الأم بعد الإسلام مكانة الواهبة للحياة بما يستلزم ذلك من حقوق والتزامات. ولذلك فقد خولها الإسلام إمكانيات واسعة وجعلها تحس بأنها تلد الولد لنفسها وللمجتمع وليس للمجتمع فحسب، وجعل الولد يشعر بأنه مدين بحياته ونشأته للأم. وبذلك ارتفع بها من دائرتها الضيقة في الأمومة الى أفقٍ عال من الرفعة والمكانة. وأصدق دليل على ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: الجنة تحت أقدام الأمهات.
فهل هناك غاية في السمو أعلى من أن تكون الأم طريقاً للجنة ومن أن يكون رضاؤها باباً يلج منه المؤمن إلى جنات النعيم.
نعم الجنة التي وعد المتقون بها والتي هي غاية كل مسلم وحصيلة عمر ينقضي بالخير والصلاح تكون تحت أقدام الأمهات، وتكون الأم هي الطريق المؤدي اليها برضاها عن الولد وبإرضائه لها. فالإسلام يعلم أن الأم وبما تكابده لأجل وليدها من آلام ومحنٍ وأسقام جديرة بأن تكون وسيلة لولدها في دخول الجنة، وأن يكون إرضاؤها
{113}
شرطاً أساسياً من شروط الإيمان الكامل والإسلام الحقيقي، سواء أكانت الأم أرفع من الولد أصلاً أو دونه في الأصل والنسب فهي أم وكفى.
هذه هي حكمة الإسلام ورحمته تجاه الأم، فالإسلام لا يقر لولد مهما كان شريف الحسب والنسب أن يتطاول على أمه وإن كانت جارية. فحق الأمومة في شريعة الإسلام حق مقدس لا يتغير ولا يتبدل مهما اختلفت الظروف والأحوال. والواقع أن العقل والمنطق يؤيدان هذا ويؤكدانه. فإن الولد لا يمكن له أن ينال الحياة إلاّ بعد أن تغذيه الأم من دمها وبعد أن تحمله معها في أحشائها وتحميه في كل جارحة من جوارحها. ولا يمكن له أن يعيش أيضاً إلاّ إذا كفلته أمه في رعايتها وغذته من لبنها وأحلته في أحضانها.
وعلى هذا فإن الولد في الواقع قطعة من الأم قد انفصلت عنها وتكونت الى جنين، فهل يمكن لبعض الشيء أن يعلو على بعضه؟ وهل يمكن للثمرة أن تسمو على الشجرة؟ وهل يمكن للوردة أن تباهي الغصن؟ ولولا الغصن لما كان هناك زهرة على وجه الأِض. والإسلام لاحظ هذا ولاحظ المشاكل التي تحدث من جراء هذا
{114}
الشعور الذي كان الأولاد يشعرون به قبل الإسلام تجاه الأم التي هي دونهم في الأصل والنسب، فأراد أن يخول الأم وأي امّ مكانها الذي يمكنها من حفظ كيانها في كل المجالات والظروف، وتلزم أولادها الطاعة لها مهما اختلفت عنهم في الأصل والنسب. وقد كان رسول الله (ص) يكرر في أكثر من مناسبة قوله: (وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد) مع أن أم الرسول (ص) كانت من أعرق أسر قريش وأطهرها نسباً وحسباً، وقد جاء في الروايات أيضاً أن رجلاً سأل رسول الله (ص) عن حق الوالدين فأجابه الرسول قائلاً: أمك ثمّ أمك، ثمّ أمك ثمّ أبوك.
فالأم بطبيعتها الأنثوية ورقتها الطبيعية تهب لوليدها من حنانها وعطفها أكثر مما يعطي الأب بل أكثر مما يتمكن أن يعطيه الأب، نظراً لتكوينه الخاص الذي لا يمكنه من الاندفاع وراء عواطفه في الوقت الذي تكون فيه الأم سريعة الاندفاع وراء عواطفها قليلة التمكن من التحكم في مشاعرها. فعلى هذا فإنَّ الولد يستهلك من عطف الأم وحناهها اكثر مما يستهلك من عطف الأب وحنانه، وإن كان الحب الواقعي عند الوالدين في حد سواء.
{115}
وهذا هو السبب في تأكيد رسول الله على حق الأم ثلاث مرات. ونحن لا ننكر أن للولد حقاً عند أمه وأن على الأم أيضاً أن تحسن تربية الولد وتغذي روحياته وتحميه من مهاوي الانزلاق بالمقدار الذي تمكنها منه قابلياتها ومعارفها. وعلى الأم أن تشعر بخطر مسؤولياتها وهي تضطلع بدور الأمومة. وعليها أيضاً أن تعرف أنها مسؤولة عن النشء الذي تنشئه أمام الله وأمام المجتمع. ولذلك فإن من ضرورات الأمومة الصالحة أن لا تكون الأم جاهلة لكي تتمكن من معرفة الطرق السليمة في التربية. وأنا لا أريد أن أقول أن على كل أم أن تأخذ دبلوماً من معاهد التربية مثلاً.
ولا أقصد مثل هذا من قريب أو بعيد ولكني أعني أن الأم يجب أن تكون بصيرةً بأمور دينها ومجتمعها، تتمكن من تفهم المشاكل الاجتماعية بسهولة وتتمكن من معرفة الأخطار التي تترتب من جراء تلك المشاكل بسرعة لكي تجنب وليدها تلك المشاكل.
وعلى العموم فالأم يجب أن تكون واعية وعياً إسلامياً كاملاً لكي تتمكن من أن تنشيء وليدها على أسس الإسلام ومفاهيمه الواقعية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
فهرست المحتويات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
مقَدّمة
نِساءٌ في حياةِ النبي (ص)
المرأةُ في شَريعةِ النبي .. (قِيمةُ المَرأةِ في الإسلام)
المَرأة
المَرأة وَالعَمَل
المَرأة وَالحِجَاب
المَرأة وَالملكيَة
المَرأة البنت
البنتُ حِينَما تُصبحُ زَوجَة
الزَوجَة حِينَما تصبحُ أمَّاً