اسف على التاخير وعشانكم راح احط جزئين
.................................................. .................
دخلت حمام غرفتي لأغير ملابسي .. بملابس النوم .. و بعد ذلك خرجت لأرى خالد مستلقٍ على سريري .. التفت لي فابتسمت في وجهه .. و اقتربت منه و قلت ضاحكة :
" ألا يوجد مكان لأستلقي أنا ؟!! "
تنحَ خالد قليلاً تاركاً لي مجالاً .. فاستلقيت بجانبه و الفرحة تغمرني .. شعور رائع .. أنه الشعور بالأمومة .. و لكنه يمتزج بالخوف .. فأنا سأنام مع طفل عقله ملوث .. قد يجرب قتلي .. !! حيث خاطبني خالد بهدوء :" ما معنى القتل ؟!! "
أخذ قلبي يقرع كطبل إفريقي ..أنه يفكر بذلك إذاً .. و ها هي الحقيبة السوداء بقرب السرير .. إذاً .. أنه يخطط لقتلي حقاً .. و قد جهز كل شيء .. رباه .. لماذا تركته يدخل غرفتي و يستلقي على سريري ؟!!
أجبته :" هل تعرف الموت عزيزي ؟!! "
هزَّ رأسه ايجابياً .. فقلت أنا :
" القتل هو أن يجبر إنسانٌ إنساناً على الموت .. قد تكون الوسيلة السكين أو المسدس أو أي شيء يؤدي إلى الموت .. و هذه جريمة يعاقب عليها القاتل في الدنيا و في الآخرة .. "
حدق بي :" و ما هو عقاب الدنيا و الآخرة ؟!! "
" في الدنيا العقاب هو السجن .. أو القتل نفسه .. أما الآخرة .. هناك عواقب كثيرة و قاسية .. لذلك الجميع يتجنب القتل .. لأنه بشع "
حدّق بي طويلاً ..
ثم اقترب مني و أسند رأسه على صدري و أمسك بذراعي و همس :
" أرجوكِ .. سامحيني إذ فعلتُ مالا يرضيك .."
شعرت بالسعادة .. فحضنته في حجري .. رغم أني لم أفهم ما قاله جيداً ..
بعد ذلك أغمض هو عيناه .. أظنه نام .. فنمت أنا بسلام ..
---
أحسست بضجة .. ففتحت عيني .. خالد ليس على السرير .. نظرت إلى الساعة .. الثانية و النصف صباحاً ؟!! أين ذهب ؟!! نزلت من السرير .. فرأيت الحقيبة السوداء مفتوحة و السكاكين حولها مبعثرة
و ضجة مزعجة في الخارج .. ماذا هناك ؟!! ما الذي حدث ..؟!!
خرجت من الغرفة .. فإذا بالجميع بقرب الباب الرئيسي للبيت .. و الجميع متوتر .. غيداء و ابنها وائل يبكيان ..و عادل في صمت غريب ..اقتربت منهم .. خاطبت عادل باستغراب :" ما الذي حدث ؟!! "
أشار هو إلي زوجته غيداء .. فنظرت إليها .. يا إلهي ما هذا ؟!! هي ممسكة بإبنها وائل .. و هو يبكي بألم ..وجهه مملوء بالخدوش .. و قميصه مخضب بالدم .. رباه ..!!
اقتربت منه .. و صرخت بغيداء :" ماذا حدث ؟!! "
نكست هي رأسها ثم رفعته .. و فتحت أزرار قميص ابنها فكشفت لي جرحاً غزيراً في صدره ..
صرخت بها :" ما هذا ؟!! ما الذي حدث ؟!! "
حيث صرخ بي وائل و دموعه تتهاوى على وجنتيه :" كله بسبب ذلك المجرم .. خالد "
صُدمت .. خالد ؟!! أيمكن أنه كان يخطط لقتل أخيه لا أنا ؟!! صرخت بعادل :" أين خـالد ؟!! "
" خرج من المنزل قبل أن نمسكه .. "
صرخت بانفعال:" و لمَ تقفون مكتوفي الأيدي ؟!! فلنبحث عنه "
ثم انطلقت أنا نحو غرفتي .. و لبست عباءتي و شالي و خرجت متجهة نحو غيداء التي تجهزت هي الأخرى و ها هو عادل يمسك الطفلتين سمية و مروة خوفاً عليهما و غيداء تمسك بابنها وائل .. و أنا أمسكت بالطفلين سالم و إياد .. ثم خرجنا و قلوبنا تنبض معاً .. رباه .. هل سنجد خالد ؟!!
مشينا معاً رافضين الفراق .. لكي لا يتهجم خالد علينا فجأة .. فلا نستطيع صدّه ..
أصبحنا جميعنا نخشى طفلاً .. يال سخرية الزمــن ..بينما كنا نبحث عنه .. صرخ عادل :
" خالد أيها الحقير "
تلفتتُ يمنة و يسرة .. أين هو خالد ؟!!
آه أنه .. أنه هناك .. كان يجلس بقرب أحدى الأشجار .. و ما إن رآنا حتى نهض هارباً ..
ركضنا جميعاً خلفه .. و عادل يركض بكل سرعته .. حتى تعرقل خالد و هوى على الأرض ..
و انقض عادل عليه .. و أخذ يبرحه ضرباً :" أيها الحقير .. كيف تجرؤ ؟!! "
شده من قميصه و جره حيث المنزل .. كانت له نظرة بائسة حقاً .. و حزينة .. ألهذا كان يقول لي :
" أرجوكِ .. سامحيني إذ فعلتُ مالا يرضيك .." ؟!!!
في البيت .. لم أتحمل رؤيته على هذا الحال .. داسوا جسده و حطموا عظامه ..
كله بسببي .. نعم .. لأني أنا من أبقيت السكاكين في حوزته .. و هذه النتيجة المؤسفة ..!!
تفطر قلبي عند رؤيته .. فركضت نحو غرفتي و أقفلت من ورائي الباب رامية بجسدي على سريري ..
ألم أُفهمك أن القتل بشع ؟!! و له عواقب دنيا و آخرة ؟!! أم أنك لم تقتنع بذلك بعد ؟!! رباه ..
أكملت نومي و قلبي لازال ينبض لخالد .. و ذهني لازال منشغل بخالد ..
و في صباح اليوم التالي .. نهضت لأذهب لعملي ..
فلم أنسى أنني سوف أعود له اليوم ..خرجت من غرفتي بعدما تجهزت للذهاب للعمل .. لحظة !! البارحة !! أين نام خالد بعد ارتكابه جريمته تلك ؟!! اتجهت نحو غيداء التي تجهز وائل للذهاب للمدرسة رغم إصابته ..
سألتها :" أين خالد ؟!! "
بدت منزعجة لسؤالي .. ثم قالت :" نام في المخزن بعدما أبرحته ضرباً "
صرخت :" أهو في البيت ؟!! "
" نعم و لن يذهب للمدرسة اليوم "
و ركضت نحو المخزن و خلفي ركضت غيداء ..مددت يدي لمقبض باب المخزن ..
حاولت فتحه .. مقفل !! نظرت لغيداء .. :" أقفل الباب "
و لكنها أخرجت من جيبها مفتاحاً و قالت باسمة :" بل أنا من حبسته هنا "
حبسته !!؟!! ما معنى ذلك ؟!! سحبت من يدها المفتاح و أسرعت في فتح الباب ..
ما هذا ؟!! خــــــالد ..!! بين الحاجات المغبرة نائم ..و كدمات واضحة على وجهه و ذراعيه ..
خاطبت غيداء بغضب :" فسري لي هذا "
قالت ببساطة :" صباح هذا اليوم استيقظت مبكراً لأضربه و أحبسه هنا فقط .. بصراحة كنت غاضبة منه و أمر ابني وائل أحزنني .. فأنا أرى أن خالد أشبه بالمجنون .. ما دافعه لإيذاء ابني ؟!! "
صرخت بها :" و لمَ تحبسينه هكذا ؟!! "
" أنه مجنون .. سأبقيه في المخزن إلى أن يتفرغ عادل لإيصاله إلى إحدى العيادات النفسية .. فأنا أخاف على الأطفال .. و على نفسي .. و لا شك أنكِ تخافين على نفسكِ منه "
سحبت مني المفتاح .. و أقفلت به الباب .. ثم مشت نحو الأطفال ..ألا تملكين قلباً حنوناً يعطف على خالد مثلما يعطف على وائل ؟!! خرجت من المنزل .. متجهة نحو عملي .. كنت مشتاقة إليه كثيراً ..
و ها أنا أجلس على مكتبي و أبدأ بعمل بسيط .. و الفرحة تغمرني ..جميع زميلاتي سلمن علي .. فهن لم ينسياني .. و ها هو أول زبون يصل لي .. وقفت لأستقبله .. لحظة !!
أليس هذا الرجل هو ..!! هو .. مروان .. طليقي ؟!!رباه .. ماذا عساي أن أفعل ؟!!
كان يبتسم في وجهي .. جلست على مقعدي ..و عاملته كزبون عادي:" أي خدمة .. سيدي ؟!! "
جلس هو على أحد المقاعد .. و هو يبتسم :" ذِكرى .. أنا أريدكِ أن تعودي لي "
رفعت حاجباي تعجباً :" و زوجتك الجديدة ؟!! "
" سوف أطلقها ما إن تقبلين بالرجوع إلي .. ذِكرى .. أنا لا أستطيع العيش بدونكِ "
ضحكت و قلبي يتفطر حزناً :" لا فائدة .. فأنا لن أغادر بيت أخي لأجلك "
نهض هو و عيناه تحدقان بي .. تترجياني !! إذ كنت لا تستطيع العيش بدوني .. لمَ تزوجت ؟!!مشى و هو يجر أذيال الخيبة .. لا أستطيع أن أعود لأن كرامتي تمنعني ..
في هذا اليوم أحسست نفسي عاملة ممتازة .. عملت جيداً حتى أُرهقت ..لذلك نهضت حاملة حاجياتي لأكمل عملي في المنزل .. عدت للمنزل في وقت عودة الأطفال من المدرسة .. و ها هي سمية تمسك بيدي :" أين ذهبتِ ذكرى ؟!! "
ابتسمت :" ذهبت إلى عملي .. مثلما يذهب عادل لعمله "
استغرب سالم :" و هل تعملين أنتِ أيضاً ؟!! "
" نعم .. و هل ذلك لا يناسبني ؟!! "
ضحك وائل ( المصاب ) :" لا يناسبك .. "
مشيت مع الأطفال نحو البيت .. و ها هو إياد ينفرد عن المجموعة راكضاً نحو غيداء التي كانت تقف أمام البوابة .. أمسك بيدها :" ما هو طعام الغداء اليوم ؟!! "
ضحك سالم :" و لمَ تسأل ؟!! بما أنك تلتهم كل شيء "
ضحكنا جميعاً و احمرت وجنتا إياد خجلاً .. و ها هي غيداء تقول :" اليوم غداءكم لذيذ .. "
تحمس الجميع و تراكض إلى داخل المنزل و غيداء تضحك لمرح الأطفال الزائد عن حده ..
فاقتربت منها .. و خاطبتها بهدوء و بجدية :" ألا تتمنين أن يكون ابنك خالد مثلهم ؟!! "
رمقتني بنظرة حادة ثم تبعت الأطفال نحو المطبخ ..و تبعتها أنا و خاطبتها:
" غيداء !! أين مفتاح المخزن؟!!"
تولت..فأمسكت يدها:"سوف تسوء حالته النفسية إذ بقيتِ تعاملينه كالمجنون "
" ما شأنكِ أنتِ ؟!! أنه ابني و ليس ابنك .."
" سوف أخبر عادل "
" أنه يعلم بذلك .. بل شكرني على تصرفي هذا "
معقول ؟!!
دخلت غرفتي .. خلعت شالي و عباءتي ..ثم ألقيت نظرة على الحقيبة السوداء ..
اقتربت منها .. و جمعت السكاكين فيها و وضعتها في خزانتي ..ثم استلقيت على سريري .. خـالـد .. و مروان .. أنكما تحيراني ..سمعت طرقاً على الباب .. فهتفت :" أُدخل .. "
كان هو أخي عادل .. نهضت .. و اتجهت نحوه و خاطبته بعتاب :" أرأيت ما فعلته غيداء بخالد ؟!! "
هزَّ رأسه ايجابياً .. فصرخت :" و هل ذلك يعجبك ؟!! "
تنهد :" عزيزتي ذكرى .. إن لم يُعاقب خالد .. سوف يظن أن ما يقوم به هو الصواب "
صرخت :" و لكن ليس لدرجة أنكم تحبسونه في غرفة مغبرة .. "
" اتفقت مع مازن أنه يأخذ خالد ليعيش معه في بيته إلى أن تلد زوجته "
حملقت به بدهشة .. فأكمل :
" و هكذا خالد إذ لم يعتد على الأفراد و البيت لن يقوم بأي حماقات "
كانت فكرة معقولة .. فهززت رأسي موافقة .. رغم أني سأفترق عن خالد !!
---
و في وقت العصر .. ها هو عادل يقف معنا جميعاً أمام المخزن لفتح الباب .. و مازن جاء أيضاً لأخذ خالد لبيته .. فتح عادل الباب بالمفتاح بكل هدوء .. و ها نحن نطل برؤوسنا على الغرفة ..
كان خالد كما كان ..يرمي بجسده على تلك الحاجات المغبرة .. و مرهق لدرجة لا تتصور..كان مستيقظاً.. بل كان يرمق الجميع بنظرته تلك .. كان الأطفال في خوفٍ شديد .. وَجّه خالد نظرات كالسهام لأخيه وائل ..و غيداء القاسية تقف بجانبي دون أن يرأف قلبها بابنها .. و مازن لازال ينظر لخالد بنظرة طويلة .. و يهمس في أذني :
" لقد بالغتم في عقابه "
اقترب عادل من ابنه و خالد ينظر لأبيه بصمت ....بدت في نظرة عادل شيء من الندم عندما رأى آثار الضرب على جسد خالد الواضحة .. اقترب عادل أكثر من خالد ..ثم أمسك عادل بكتفي ابنه و قال :
" خالد .. ستعيش من الآن فصاعداً في بيت عمك مازن .. أفهمتَ ؟!! "
حملق خالد بمازن طويلاً .. ثم هزَّ رأسه مستسلماً ,. و خاضعاً للواقع ..نهض هو و أمسك بيده مازن .. و اتجها نحو سيارته خارجان من المنزل ..
بقي عادل يلقي نظراته الأخيرة على أبنه .. و غيداء أخذت تجر حقيبة ابنها .. ثم ناولتها مازن .. ليضعها في صندوق السيارة ..
نظرت أنا لخالد الجالس على الكرسي الأمامي و هو غارق في السرحان .. ترى .. فيم يفكر ؟!!
ها هو مازن يصعد مقعده و ينطلق بالسيارة .. أخذت أراقب تلك السيارة التي ترحل عنا حاملة معها طفلاً .. لم أكن أتوقع أني سأفارقه يوما ما .. و لكني أستطيع زيارته بين الحين و الآخر ..
عدت للبيت .. و ذهني منشغل بذا الذهن الشارد .. خــالـــد .. أتمنى أن تكون بخير هناك ...
جلست في الصالة مع الجميع .. حيث كان الأطفال ينجزون وظائفهم المدرسية ..
وضعت حاجاتي على إحدى الطاولات و بدأت في عملي .. حيث سألني إياد :
" و هل يجب عليكِ حل وظائفكِ أيضاً "
ابتسمت :" نعم "
و ها هو وائل يقهرني بقوله :" ياه .. ما أحلى الحياة بدون خالد "
ضحكت غيداء .. و هذا ما ثار غيظي .. صرخت بها :
" تضحكين ؟!! .. لأن خالد ابتعد عنك تضحكين ؟!! أنكِ لستِ أماً.. بل لا تملكين ذرة من مشاعر الأمومة .. "
حملقت هي بي باستغراب .. ثم نهضت غاضبة نحو غرفتها .. حيث خاطبني عادل بعتاب :
" ما بكِ ذكرى ؟!! ألا يحق لها أن تضحك لأنها أخيراً شعرت بالراحــة ؟!! "
صرخت :" الراحــة ؟!! الأم تفضل التعب لأجل أبناءها على أن ترتاح منهم "
أي قلوبٍ هي قلوبكم ؟!! لمَ هي قاسية على هذه الفئة المسكينة من الناس ؟!
---
في وقت المغرب .. أزعجنا رنين الجرس .. من الذي يقرع الجرس كالمجنون هكذا ؟!!
نهضت سمية و ركضت لتفتح الباب .. و ما إن فتحته ..حتى تدافع حشد كبير من الأطفال إلى الداخل ..ربــاه .. من هؤلاء ؟!! ها هي غيداء تخرج من غرفتها و الابتسامة مرتسمة على شفاها ..
أخذ الأطفال يركضون في أرجاء المنزل كالمجانين .. حتى دخلت امرأتان .. آه ..أظن أنهما شقيقتان غيداء .. و هذا الحشد الكبير هم أطفالهما ..
اقتربت غيداء من شقيقاتها .. و سلمت عليهما .. و الفرحة تغمرها :" مرحبا .. مرحبا .. تفضلا "
جلست الاثنتان في الصالة .. فسلمت أنا عليهما .. و جمعت حاجاتي متجهة نحو غرفتي..
و لكن ذلك الحشد من الأطفال يلاحقني .. التفت لهم باسمة :" مرحباً بكم .. "
و لكنهم أفزعوني بصرخاتهم :" أريد حلوى " ..، " مرحباً ... مرحباً " ..,, " أنا أسمي نهلة "
أشرت أنا بسبابتي إلى إياد :" أنظروا .. إياد يحمل حلوى "
و انطلق الأطفال نحوه و أنا فررت نحو غرفتي .. ربــاه .. أيوجد أطفال بهذا الشكل ؟!!
ربما اعتدت أنا على صمت و جمود خالد و لم أعتد بعد على مرح و إزعاج الأطفال ..
----
و بعد مرور عدة أيام .. شعرت بالحنين إلى خالد فقررت زيارته في منزل مازن ..خرجت من عملي تمام الساعة العاشرة صباحاً .. صعدت السيارة و قدتها بنفسي .. و مررت بمحل لبيع الساعات .. وددت لو أشتري ساعة لخالد هدية له .. و لكن .. هل يفضل لبس الساعات ؟!! أم ذلك يزعجه ؟!!
اخترت له ساعة كحلية اللون .. و تناسب بياض معصمه .. وضع البائع الساعة في صندوق فاخر .. ثم في كيس صغير .. يسع حجمها ..و ناولني إياه .. فحملته و ركبت السيارة مرة أخرى و قدتها متجهة نحو منزل مازن ..و هناك استقبلني مازن بحرارة كعادته ..
حيث خاطبته قبل أن أجلس في الصالة :" أين هي غرفة خالد ؟!! "
أشار هو إلى غرفةٍ في الطابق الثاني منعزلة عن بقية الغرف .. حيث انطلقت نحوها بكل سرعتي .. و أسرعت في فتح البـــــاب .. كانت هناك ريما تقف أمام خالد .. يا له من وجه رائع .. كم اشتقت إليه .. كان يحدق بريما.. و ريما تقف أمامه و يال دهشتي كانت تصرخ في وجهه :
" لمَ كل هذه الفوضى ؟!! كم شعرت بالندم لأني قبلت أن تأتي لتعيش معنا .. "
شدت قميصه بعنف :" انهض و رتب الغرفة و إن لم تفعل ذلك .. سأرميك في الشارع .. أفهمت ؟!! "
شعرت أنها ستخرج الآن من الغرفة .. فابتعدت عن الباب .. لا أريدها أن تراني ..
ها هي تخرج متجهة نحو زوجها :" مازن .. عليك أن تعيده إلى أهله .. فلم أعد أطيق وجوده "
يا لك من متوحشة ..!! و عنيفة .. كيف ستربين أبنائك إذ كنتِ قاسية هكذا ؟!!
دخلت أنا الغرفة بسرعة .. حيث كان مستلقٍ على سريره و هو يسند يديه خلف رأسه ....فركضت نحوه ، هتفت :" خــالــد .. اشتقت لك عزيزي "
حدق بي .. و كأنه لم يستوعب بعد حضوري ..ضممته إلى حجري :
" هل أنت بخير ؟!! هل أنت سعيد هنا ؟!! هل أنت مرتاح ؟!! "
حدق بي ثم همس :" أنا لا أريد البقاء .. خذيني معكِ ..!! "
كان ما قاله فطّر قلبي .. كنت سأقول له :" لو كنت تعلم كيف فرحت أسرتك لبعدك عنها "
ضممته إلى صدري .. مسحت شعره .. لم أدري ما الذي يمكنني أن أقوله له ..
كانت له نظرة مليئة بالعتاب لي .. ثم تنهد و همس :" تلك المرأة تضربني .."
صرخت :" أهي ريما ؟!! ماذا فعلت بك "
نكس رأسه ..فقدمت له ذلك الكيس الصغير .. و كأنني أقول له :" أعذرني .. "
تناوله من يدي .. و خاطبني :" ما هذا ؟!! "
ابتسمت في وجهه .. :" هديــة بسيـــطة ..!! "
بدا متردداً في رؤية ما في الكيس .. ربما لأول مرة يحظى على هدية ..
أخرجت أنا الصندوق من الكيس .. و فتحت الصندوق و نزعت الساعة الكحلية منه ..و ألبست خالد إياها .. و ضحكت بمرح :" ما رأيك فيها ؟!! "
حدّق بي .. ثم همس و هو ينظر إلى الساعة التي بيده :" أهي لي حقاً ؟!! "
ابتسمت :" طبعاً "
مسح هو الساعة و لأول مرة أراه فيها يبتسم .. لقد ابتسم ..
يا إلهي لا أصدق .. خــالــد ؟!! يبتسم ؟!! كان رائعاً بابتسامته تلك .. فرحت كثيراً ..
" رائعـة "
هذا ما قاله ..!!
فرحت كثيراً .. لا أصدق أن خالد .. و أخيراً ..يعجب بشيء .. لطالما كان ينزعج في أمور كثيرة ..أنه عمل أستحق عليه الثناء و الشكر ..أتمنى أن تدوم هذه الابتسامــة الرائعة ..!!
بعد ذلك عدت للمنزل بعد ذلك و كلي سعادة و فرح .. يا إلهي .. كم أنا سعيدة ..
رميت بنفسي على الأريكة و ها هو عادل يخرج من المطبخ يخاطبني :"ما بال الذكريات سعيدة هكذا ؟!! " ..
أنه يقصدني .. ابتسمت .. بل ضحكت :" اليوم زرت خــالـ.... .. "
صرخ بي غاضباً :" زرتِ خالد ؟!! ألم نتفق على أن لا نزوره ؟!! لماذا تخالفيني ؟!! "
حملقت به باستغراب .. قلت بارتباك :" عادل .. ما الذي تقوله ؟!! عن أي اتفاق تتحدث ؟!! "
اقترب مني و شد شعري .. رباه لأول مرة يفعلها عادل .. صرخ بي :
"نحن نخطط لتهذيب خالد و تأديبه و أنتِ تفسدين كل شيء بعطفكٍ و حنانكِ "
و صرخ :" إلى أن تلد زوجة مازن .. لا أريد منكِ زيارته .. أو حتى الاتصال به .. أفهمتِ ؟!! "
هززت رأسي بخوف .. فمشى هو نحو غرفتــه ..
رباه ..!! خلال تسعة أشهر لن أزور خالد و لن أتصل به ..؟!!
كيف لي تحمل ذلــــك ؟!!
و في صباح يوم آخر .. أيقظني صوت هاتفي معلناً أن هناك رسالة تنتظرني ..تناولت الهاتف .. كان المرسل هو مروان .. ما الذي تريده أيضاً مني ..؟!! كتب هو في الرسالة التالي :
" ذِكرى .. تأكدي أنكِ لم ترحلي مع الذكريات .. أنك في القلب مدى العمر ..
ارجعي لزوجك .. فليست هناك فتاة في الدنيا تغنيه عنكِ ..
( أنتظرك في مكتبك ! )
المرسل : مروان "
أنه محتال و لن أدع قلبي يعطف له .. ينتظرني في مكتبي ؟!!
حسناً .. لن أذهب للعمل اليوم .. و سنرى ما الذي ستفعله يا مروان ..
---
نهضت من سريري و اتجهت نحو الحمام .. فغسلت وجهي .. ثم اتجهت نحو غيداء ..
التي كانت تجلس في الصالة تشاهد أحد البرامج في التلفاز .. جلست بجانبها و خاطبتها :
" هل ذهب الأطفال لمدارسهم ؟!! "
" نعم ذهبوا .. "
كنت أريد محادثتها عن مروان و لكني كنت مترددة .. أخذت نفساً عميقاً ..
و نكست رأسي و خاطبتها :" أتعلمين ؟!! مروان يقول لي أنه يريد أن أعود له "
حدقت بي :" و أين ترينه ؟!! "
" في عملي .. "
حملقت هي بي .. ثم قالت:" بصراحة أنا لا أرى سبباً مقنعاً لفراقكما "
صرخت بها :" لقد تزوج فتاة لا أطيقها أنا .. أليس هذا سبباً يستحق طلاقي منه ؟!! "
نكست رأسي .. :" و الآن يعود ليقول لي أنه سيتركها ما إن أرجع له "
صرخت هي بفرح :" حقاً ؟!! ما حجتك الآن ؟!! عودي له و أقهري تلك الفتاة "
صرخت بها :" و كرامتي ؟!! "
نكست رأسي و قلت بغضب :
" بالأمس يتزوج فتاة يعلم أني لا أطيقها .. و اليوم يريد رجوعي ؟!! أنه يحلم بالتأكيد .."
أمسكت غيداء كتفي .. و همست :" ذِكرى .. أنه يريد أن يكون أباً .. و هذه أمنية كل رجل .. "
صرخت بها :" و لماذا يتزوجني من الأساس ؟!! "
نظرت إلي باسمة .. و قالت بكل هدوء :" ألا تعلمين لماذا ؟!! ... أنه الحب يا ذكرى "
حدقت بها .. ماذا تقول هذه المرأة ؟!! .. لا أصدق ..
----
مرت سبعة أشهر مليئة باتصالات و مضايقات مروان .. فلم أهنأ يوماً بالراحة .. أهذا الحب حقاً ؟!!
في أحد الأيام اتصل بي ليقول :" ذِكرى .. عودي لي أرجوكِ "
" أنت تحلم .. إذ لم تترك تلك الفتاة لحد الآن .. كيف تريد مني الرجوع إليك "
صمت قليلاً .. ثم قال :" ذِكرى .. لا أستطيع أن أطلقها لأنها .. لأنها حامل "
صرخت به :" و هل تريدني أن أعود لك بعد هذا الحديث ؟!! "
..
تكررت اتصالاته و تكرر حديثه عن هذا الموضوع .. ألا يمل هذا الرجل ؟!!
إلى أن طفح الكيل فأخبرت عادل بالأمر .. :
" عادل .. مروان يضايقني باتصالاته .. تخيل أنه ينتظرني في عملي ليعيد حديثه الممل ذاك "
قال بعزم :" حسنــاً .. سوف أتصل به اليوم .. "
..
و ها هو يعود لي في المساء ليخبرني أن كل شيء انتهى ..
بمجرد أنه أخبره أني أصبحت أكرهه ..
و هذه هي الحقيقة ..!!
تمام الساعة الثامنة ليلاً .. كنت جالسة في الصالة أقرأ بعض المجلات .. و الأطفال يلعبون مع أبناء أخوات غيداء .. كانوا مزعجين و كثر .. فلا أستطيع السيطرة عليهم .. ذاك يصرخ .. ذاك يكسر .. ذاك يضحك .. ذاك يبكي .. ربــاه .. رأسي يكاد ينفجر .. إلى أن خرجت شقيقة غيداء ( هناء ) من المطبخ .. و جلست بجانبي و أخذت تصرخ بأبنائها :
" نهلة لا تضربي أختكِ .. ماجد .. لا تعبث بالزهرية .. ليلى .. تعالي و اجلسي بجانبي.." أتت تلك الصغيرة وجلست بجانب أمها .. حيث خاطبتها أنا :
" كم عمــــــركِ يا صغيرة ..؟!! "
أجابتني :" خمس سنوات "
" و كم هو عمر أختك نهلة ؟!! "
" نهلة السمينة عمرها سبع سنوات و ماجد عمره ست سنوات .. أنا أصغرهم "
ضحكت :" و لمَ تسمين نهلة سمينة ؟!! "
" لأنها سمينة و تضربني دائماً "
ضحكت .. و خاطبت هناء :" يا لها من لطيفة و جميلة "
حيث بقي سالم وسط ثلاث فتيات ..بنات شقيقة غيداء الأخرى ( هيفاء ) و هن: منى عمرها سبع سنوات و سارة عمرها ست سنوات و الصغيرة أروى عمرها خمس سنوات .. فأي منهن يعجب سالم إذ كان عمره ثمان سنوات و إياد عمره تسع سنوات ؟! .. و هل ترى ابن هناء ( ماجد ) يعجب بسمية إذ كانت أكبر منه بسنة واحدة ؟!! أظن أنه سيعجب بمروة .. لأنها في عمره تقريباً .. و هل سينال وائل إعجاب الفتيات ؟!! .. أظن ذلك .. لأنه أكثر وسامة و أناقة من بقية الفتيان ..
و لكن إذ كان خالد هنا .. هل سيحظى اهتماماً من هذا الجيش من الفتيات .. ؟!! لا .. لا أظن ذلك .. ربما يخيفهن بنظرته تلك ..
لحظة .. أخبرني مازن منذ ثلاثة أيام أن زوجته أنجبت طفلة .. لقد وضعت مبكراً ..
و لكن .. خـالـد .. اشتقت له .. منذ شهور عديدة لم أره و لم أسمع صوته و لم أسمع خبراً واحداً عنه .. نعم .. يحق لنا اليوم أن نذهب لمنزل مازن لرؤية الطفلة .. و استرجاع خـالـد .. أخي عادل قال ما إن تلـد ريما نستطيع إرجاعه إلى البيت .. آه .. أظن أن عـادل اشتاق لابنه ..
نهضت و اتجهت نحو المطبخ .. حيث كانت غيداء تحادث أختها هيفاء ..
جلست أنا بجانب غيداء و خاطبتها :" غيداء .. ألن نزور مازن لرؤية طفلته ؟!! "
هزت رأسها ايجابياً :" بلـى .. اليوم الساعة التاسعة "
" و سنرجع خالد .. أليس كذلك ؟!! "
نهضت هيفاء ما إن سمعت صراخ بناتها .. و خرجت من المطبخ ..
فخاطبتني غيداء منكسة رأسها :" لم أعد أعتبره ابني "
صرخت بها :" مـــــــــاذا ؟!! "
" لم يعد إحساس الأمومة يراودني تجاه خالد .. قد أكون لا أعترف بابن كهذا .. "
نهضت أنا و كلي حزن على خالد .. ليس لديه أم تشعر به ..
الجزء الحادي عشر
.. !! جريمة قتل بشعة !! ..
و في الساعة التاسعة .. خرجت أنا و غيداء فقط .. و تركنا أختيها مع الأطفال ..أخذت أقود السيارة بنفسي .. فأنا لدي رخصة قيادة .. و لكن غيداء لا تصدق ذلك .. بل تظل خائفة طوال الطريق .. يا لكِ من جبانة ..إلى أن وصلنا لمنزل مازن .. نزلنا من السيارة و مشينا معاً .. متجهتان نحوه ..
حيث كانت غيداء تخاطبني :" يا إلهي .. لا أريد رؤية المدعوة ريما "
ضحكت :" و هل هي أسوء منكِ ؟!! "
ضربت هي كتفي مازحة :" كفاكِ ذكرى "
اقتربت أنا من باب المنزل ثم قرعت الجرس .. حيث بقينا عدة دقائق بدون أن يفتح الباب ..
قلت أنا :" أظنهم ناموا .. "
حيث خاطبتني غيداء مشيرة للباب :" أنظري .. الباب مفتوح "
غريب .. مازن لا يدع الباب مفتوح هكذا .. ألا يخشى اللصوص ؟!!دخلت غيداء البيت و أخذت تنادي مازن .. و لكن لا حياة لمن تنادي ..اتصلت أنا لمازن عن طريق الخلوي :" مازن .. أين أنت ؟!! "
" مرحبا ذكرى .. أنا أحضر حفل زفاف صديقي .. مع زوجتي .. أهناك شيء ؟!! "
" لا .. فقط جئنا لزيارتك و لم نراك .. حسنٌ سوف نزورك غداً .. "
أغلقت الهاتف و خاطبت غيداء :" مازن يحضر زفاف أحد أصدقاءه مع زوجته .. كان من الأفضل أن نتصل به قبل زيارته .."
ابتسمت غيداء :" و لكن يمكننا رؤية الطفلة .. "
و ضحكت أنا :" و يمكننا رؤية خالد "
مشينا نحو غرفة نوم مازن و زوجته .. أظن أن الطفلة هناك ..
و لكننا في طريقنا سمعنا صوتاً .. حيث خاطبتني غيداء خائفة :" ما هذا ؟!! "
ابتسمت :" لا أدري .. ربما كانت الخادمة "
" و لكن مازن لا يملك خادمة "
تكرر الصوت عدة مرات .. و كأنه صوت ارتطام الملاعق .. أو السكاكين ..
السكاكين؟!! الطفلة و خالد معاً في بيت واحد ؟!! هذا يعني شيئاً واحداً ..
ربـاه !! ركضت نحو المطبخ و غيداء تلحقني .. و هي تكرر :" ماذا هناك ذكرى ؟!! "
وقفت أمام باب المطبخ .. و أنا أسمع ذلك الصوت بوضوح.. فتحت الباب بسرعة .. و حينها ندمت أني فتحت الباب .. لأكشف مشهداً لا أستطيع أنا و لا غيداء استيعابه .. أظنكم عرفتم ما رأيته أنا ..
رأيت على طاولة الطعام تلك الطفلة .. و لكنها مقطعة بالسكاكين .. أي قلب يستطيع فعل ذلك بطفلة رضيعة .. لم تعش من العمر سوى ثلاثة أيام .. ذراعها مرمية هناك .. و ذراعها الأخرى مرمية هنا .. و رجلها مرمية هناك و رجلها الأخرى مرمية هنا ..
و هناك رأيته يجلس على المقعد و يمسك بالسكين .. المملوءة بالدماء .. قميصه مخضب بالدماء .. و ذراعيه أيضاً .. كان يبتسم .. يا لك حقير وقح .. كيف تجرؤ ؟!!
هل كنت أظن أنه لن يقتل لأني أحبه ؟!! و لكنه فعل ذلك .. قتل طفلة لا يتجاوز عمرها سوى ثلاثة أيام .. غيداء فقدت وعيها .. فهوت على الأرض من هول ذلك المشهد..
و أنا رأيت نفسي أركض هاربةً .. خرجت من المنزل من دون أن أنتبه لغيداء .. التي يمكن أن يرتكب خالد فيها جريمة أخرى .. صعدت السيارة و أنا ألهث خوفاً و رعباً ..
أريد الاتصال بمازن .. بل أريد الاتصال بعادل .. و لكن أصابعي لا تستطيع حمل الخلوي .. فهي ترتجف ..وجدت نفسي أبكي خوفاً .. أريد العودة للبيت .. لا أريد أن أبقى هنا .. لأُقتل أنا الأخرى ..
تمالكت أعصابي و حملت الهاتف لأتصل بمازن من ثم عادل .. ليشهدوا جريمة قتل بشعة ..
خاطبت مازن و قلبي يقرع كطبل إفريقي مجنون :" مازن.. تعال .. هناك .. ابنتك .. "
" ذِكرى .. ما بكِ ؟!! "
صرخت :" تعال لترى ابنتك و ما حل بها "
و أغلقت المكالمة .. و أخذت نفساً عميقاً و أنا أضع يدي على صدري .. ثم عدت أتصل بعادل :
" عادل أنا ذكرى .. تعال منزل مازن .. ابنك خالد .. لقد .. "
" لحظة ذِكرى .. الآن الساعة متأخرة .. لا أستطيـ... "
صرخت :" حدثت جريمة قتل "
و أغلقت المكالمة و ظللت أرتجف خوفاً .. غيداء .. ما الذي سيحدث لها ..هل سيقتلها ذلك المتوحش ؟! علي أن أذهب للاطمئنان عليها .. و لكن .. أنا خائفة .. خائفة جداً ..
هل أنا في حلم .. بل هل أنا في كابوس ؟!!! شهدت جريمة قتل بشعة .. و القاتل ابن أخي .. و المقتولة ابنة أخي .. ربــاه ساعدني .. غيداء أتمنى أن تكوني بخير ..
بعد فترة مليئة بالخوف و التوتر .. و السكون الموحش .. وصلت سيارتان و توقفتا بقرب المنزل ..
و هبط منهما عادل و مازن و ريما.. تسابق الثلاثة تجاهي .. و طرقوا النافذة و صرخ مازن :" ذِكرى أأنتِ بخير ؟!! " فتحت باب السيارة و تتسارع نبضات قلبي .. فأرتمي في حجر مازن و قلت و عرقي يتصبب على وجهي و دموعي تحرق جفني :
" مازن .. عليك أن ترى ابنتك .. إنها في المطبخ "
ركضت ريما مسرعة نحو المطبخ و لحق بها عادل .. و تركني مازن لاحقاً بهما ..
و حينها سمعت صرخات ريما .. و صرخات مازن .. تسمرت مكاني خائفة .. ترى ما الذي سيجري ؟!!
لا أريد دخول المنزل .. بل لا أستطيع ذلك ..وجدت نفسي أنطلق بالسيارة ..
أعود إلى بيت أخي عـادل .. وجودي مع أطفال عاديين أفضل بكثير من وجودي مع طفل ( قاتل و سفاح ) .. انطلقت نحو غرفتي .. و دخلتها.. ربــاه هل أنا في كابوس مريع .. لمَ لا أستيقظ منه ؟!!.. كفاني ما رأيت .. استلقيت على سريري و غطيت جسدي باللحاف بخوف ..
و نمت لأشهد كوابيس مريعة و مخيفة ..
---
و لكني لم أنم سوى ساعة واحدة .. فإذا بالضجيج يسيطر على المكان في الخارج من جديد ..
و ها هي غيداء تدخل غرفتي و تقفل من وراءها الباب خائفة .. هل صحت ؟!!
ارتمت في حضني و شدت قميصي و هي تبكي خوفا مصابة بنوبة هستيريةً :
" أخيك مازن يحاول قتل خالد "
سألتها بخوف :" خـالد هنا أيضاً ؟!! "
" نعم .. لقد أبرحه مازن ضرباً .. و ها هو يحاول قتله بالسكين "
شهقت : " ماذا ؟!! "
شدت على يدي :" ذِكرى .. أريد النوم معك هذه الليلة .. "
هززت رأسي ايجابياً .. فخلعت غيداء شالها و استلقت بقربي و أغمضت عيناها و لكنهما لازالتا تذرف دمعاً .. أظن أن غيداء لا تتحمل رؤية ذلك .. استلقيت بجانبها .. فتشبثت بي جيداً ..
أما أنا بقيت أقلب ذلك المشهد في ذاكرتي .. ما معنى أن يقطّع طفلة صغيرة .. لم تفعل له شيئاً ؟!! أظنه أراد أن يجرب القتل أيضاً ..
أخي مازن .. ما مصيره ؟!! أخي عادل ما مصيره ؟!! ... خالد ؟!! ما مصيره ..
مر من الوقت الكثير و النعاس فارق أجفاني .. حتى سمعت غيداء تخاطبني بصوتها المبحوح :
" ألم تنامي بعد ؟!! "
" لا "
" أنا أيضاً .. لا أستطيع النوم .. ترى .. ما الذي يفعله عادل بخالد الآن ؟!! "
" لا أعلم .. ربما قتله "
صرخت بي :" لا تقولي ذلك .. لا أريد أن يكون زوجي مجرماً هو الآخر "
تنهدت بعمق .. و تنهدت غيداء هي الأخرى .. تطلق آهة مخزونة في صدرها .. و كأنها تريد أن تطلق خالد من ذاكرتها .. من ذاتها .. و كأنها لا تريده .. حتى فتح الباب .. ففزعنا رعباً .. و لكنه كان عادل ..
اقترب منا .. و جلس على السرير و خاطبنا بكل جدية : " أتريدان معرفة ما الذي حل بخالد ؟!! "
هززنا رأسينا .. فقال :" احتجزته أحدى مراكز الشرطة لتحقق في أمره غداً صباحاً .."
و قلت أنا بخوف شديد :" و مازن ؟!! و ريما ؟!! "
" فيمـــــنزلهما .. "
و همست و دموعي تتهاوى على وجنتاي:" و الطفلة ؟!! ماتت أليسكذلك ؟!! "
نكس رأسه" نعم.. "
صرخت غيداء :" و أختاي و ابني وائل .. و سمية ومروة و إياد و سالم و ماجد و بقية الأطفال ؟! "
" جميعهم في منزل أختكِ هناء ,, "
صرخت هي" لا.. أريد ابني وائل .. "
و صرخ بها عادل :" غيداء .. كفاكِ الآن .. "
و نهض فخاطبته :" إلى أين عادل .. كيف ستتركنا و نحن خائفتان هكذا ؟!! "
اقترب منا و مسح شعري و شعرها .. ثم أخذ وسادة و نام على الأرض على فراش ..
رباه ... أنا خائفة و غيداء خائفة .. و يبدو أن عادل يكاد يموت خوفاً ,,رغمأنه رجل ..!!
حدث كهذا !! ينهار فيه القوي و الضعيف .. الصغير و الكبير ..
الجميع لا يستطيع الصمود لجريمة خالد الشنيعة
في صباح اليوم التالي .. تجهزنا نحن الثلاثة .. و صعدنا السيارة للذهاب لمركز الشرطة .. كما قال عادل ..اليوم سيحققون في الجريمة التي حدثت البارحة ..
ها نحن ندخل غرفة الضابط .. و لكن هنا مازن أيضاً ,, كان يصرخ بانفعال :
" لم أكن أتوقع حدوث ذلك .."
خاطبه الضابط :" هدئ من روعك يا سيد .. فقط قل لنا .. لماذا تركت الطفلة وحدها في البيت ؟!! "
" أيها الضابط .. لقد تركتها مع خالد مطمئناً عليها .. لأن خالد كان يحملها و يداعبها فضننت أنه يحبها .. فشعرت بالاطمئنان على بنيتي .. "
حيث تقدم عادل و أمسك بكتف أخاه .. فاستدار مازن .. و صرخ بعادل :" أنت ؟!! لمَ أتيت ؟!! "
ابتسم عادل و جلس على أحد المقاعد و جلست أنا و غيداء بقربه ..
حيث خاطبت غيداء الضابط :" خالد حاول قتل أخاه .. "
حيث سألها الضابط باهتمام :" و متى حدث ذلك .. "
" منذ شهور عديدة .. و لقد أرسلناه لبيت مازن عقاباً له "
و قلت أنا :" لحظة .. لقد أخبرني خالد أن زوجة مازن كانت تضربه .. و رأيتها تقسو عليه "
هز الضابط رأسه .. فأخذت أنا أحادثه عمّا قاله لي مازن عن خالد .. و قد رأى جريمة قتل بشعة .. فقرر أن يطبق ما رآه على هذه الطفلة المسكينة ..حيث كان الضابط مندهشاً من هذه القصة الغريبة .. فخاطب مازن :" و أين هي زوجتك ؟!! "
نكس رأسه :" في بيت أمها .. تبكي و تتحسر على طفلتها .. التي كانت تنتظرها منذ ثلاث سنين "
يا لكما من مسكينان .. لقد فقدتما أول مولود كان بالانتظار .. و ربما لا يأتي بعده مولود ..
خاطبنا الضابط :" يبدو أن الطفل يعاني مرضاً نفسياً "
شهقت غيداء .. و صرخ عادل :" لا .. أنت مخطئ .. ابني ليس مريضاً "
حيث قال الضابط:" إذ كان مريضاً نفسيا .. لن يعاقب .. و إنما سوف يرسل لمصحة يعالج فيها "
صرخ مازن :" لا .. قتل ابنتي و لا يعاقب ؟!! هذا ليس عدلاً .. ليس عدلاً .. إن علمت ريما بذلك سوف تجن "
ضرب الطاولة و رمى ما عليها على الأرض بغضب .. و صرخ بعادل :
" إن لم يحصل خالد على عقابه الذي يستحقه .. أنا من سأعاقبه .. "
و انصرف خارجاً من الغرفة .. حيث سألت غيداء زوجها :" أين سيدفنون الطفلة ؟!! "
" في المقبرة .. و هل هناك مكان آخر .. "
" ألن نذهب لـ... "
" لا .. لا .. مازن أصبح لا يطيق رؤيتي .."
كنت أريد رؤية خـالد .. و لكني لن أدع العاطفة تتغلب علي الآن .. لماذا أعطف على قاتل سفاح ؟!! حتى لو كان ابن أخي .. إذ كان والديه لا يعطفون عليه .. ما مصلحتي أنا من ذلك ؟!!
عدنا للمنزل .. و هناك رأينا هناء و بقية الأطفال .. فأسرعت غيداء لابنها و احتضنته و أخذت تجهش بالبكاء .. و وائل خاطبها باستغراب :" أمي .. أنتِ تبكين ..؟!! "
سحبتها و اصطنعت ضحكة و خاطبت وائل :" أمك .. أنها تمثل .. نعم .. تمثل .."
سحبت غيداء إلى المطبخ و هناك صرخت بها :" أأنتِ مجنونة ؟!! لمَ البكاء الآن "
أخذت تمسح دموعها .. :" أخشى أن أفقده هو الآخر .. "
" و هل فقدت خالد ؟!! "
" نعم .. لا أريده .. لا أريده .. أنا لم أعد أعترف به .. "
خلعت شالها .. و اتجهت نحو غرفتها .. و ها هو عادل يقترب نحوي و يقدّم لي ورقة صغيرة :
" هذا هو عنوان العيادة النفسية التي سيرسل لها خالد "
تناولت الورقة و خاطبته مستغربة :" و لمَ تعطيني إياه ؟!! "
ابتسم :" لأنك الوحيدة التي ستزورينه هناك .. "
أدخلت تلك الورقة حقيبتي .. و اتجهت نحو غرفتي .. و لكني صادفت في طريقي غرفة خالد المغلقة .. فتحت الباب .. لازالت فارغة .. أظن أن الصبغ جف .. يمكنني أن أبدأ باختيار الأثاث غداً ..
و لكن لحظة .. إذ كان خالد سيرسل لعيادة نفسية و سيعالج فيها فترة طويلة ..
لماذا أتعب نفسي باختيار الأثاث ؟!! إذ كان لا أحد يدخلها غيري ..
خرجت من الغرفة .. و اتجهت نحو المخزن لأتفحص حاجات خالد من جديد ..
قد أرى فيها أدوات للقتل غير السكاكين .. دخلت المخزن ..
و أخذت أقلب في حاجاته .. و كتبه المدرسية المغبرة .. إلى أن سقطت من أحد الكتب صورة فوتوغرافية .. حملتها و أخذت أدقق فيها .. خالد ؟!! كانت صورة جميلة له .. ابتسامة صغيرة ؟!!
لا أصدق .. متى التقط خالد له صورة .. و أين و من الذي التقطها له .. يرتدي ملابس المدرسة و يحمل حقيبته السوداء ؟!! أظن أنه التقطها في المدرسة .. كانت رائعة ..
وضعت الصورة في حقيبتي و خرجت من المخزن ثم اتجهت نحو غرفتي .. فأخرجت الصورة و الورقة ..
و وضعت الصورة على مكتبي .. بل فكرت في وضعها في إطار أنيق يليق بها ..
نظرت إلى صورتي التي وضعتها في إطار رائع .. مددت يدي و حملت تلك الصورة .. و أخرجتها من الإطار .. و أدخلت صورة خالد فيه .. ثم وضعتها فوق مكتبي .. و بقرب الصورة وضعت الورقة التي كُتب عليها العنوان .. هكذا سيبقى خالد في الذاكرة دائماً .. و لن تجرفه رياح النسيان أبداً ,,
---